مراجعة المبادئ
لا بأس أن يمر المرء بعواصف تدعوه
إلى مراجعة بعض مبادئه ...
ولا بأس أن يراجع المرء هذا
المبدأ أو ذاك للتأكد من مدى جدوى وتناسب هذا المبدأ مع الفترة الزمنية الحالية
التي يعيشها المرء بكافة أوجهها...
ولا بأس بأن يجد المرء أن هذا
المبدأ لا يصلح للاعتناق في هذه الفترة ... فالمبادئ ليست ديانة ولا كتاب سماوي
منزل ومنزه -وإن استُمدت غالبًا منها- ... بل هي قواعد وأعراف يحددها المرء أو المجتمع
للاتباع بشكل عام ... وقد يتخير المرء ما يناسبه منها ...
ولا بأس بتغيير هذا المبدأ ...
فالأمر نسبي ... وقياس النسبة ترجع إلى الفرد ذاته بناءً على ظروف وموافق وأشخاص
يعاشرهم ويتعامل معاهم في هذه الفترة من حياته...
فعلى سبيل
المثال ... قد يتبع المرء مبدأ "التسامح وطول البال وسعة الصدر" مع من
يتطاول عليه في الأحاديث العادية من باب "ألا تجادل الأحمق فقد يخطأ الناس في
التفريق بينكما" وحتى لا يكون من صغار العقول الذين يدققون ويحاسبون على كل كلمة
وعبارة وسياق ... وقد يتبنى الطرف الآخر تكرار مبدأ التجريح على طريقة "مزاح وطعن رماح"
فتراه يعتمد أسلوب المزاح بدس السم لتيقنه من أن الطرف الآخر إما سيجاريه في المزحة
أو سيقابله بالصمت دون اتخاذ أي إجراء رادع؛ إما لأن الشخص أحمق فعلًا أو يكبره
بالسن أو "لسانه طويل" فيفضل كف الشر ووأد الفتنة وإخماد الشرار...
ومهما كابر
المرء وأنكر بأن هذا الأسلوب لا يؤثر به ولا يهمه ولا يلتفت إليه ... فهو كاذب ...
لأن هذه الأقوال الخبيثة ستتراكم يومًا بعد يوم ... والإنسان الطبيعي السويّ
المخلوق من طين لا بدّ أن يصل إلى مرحلة الاكتفاء من هذا الأسلوب الملتوي ... ويومًا
ما ستأتي العاصفة ... وسيجد المرء نفسه في
وجه رياح عاتية من التساؤلات والشكوك عن مدى جدوى أسلوبه المثالي ... وسيواجه
المرء سيول الحيرة ...
لو بادرت بالرد
عليه في تلك المرة لأفرغت مشاعر القهر التي تنتابني في كل مرة ... لكن ماذا سيقول
الناس من حولي؟ ستهتز صورة الشخص المتزن الطيب؟ ... وهل يستحق هذا المرء أن أرد
عليه رد قاس ومن ثم سأصاب بتأنيب الضمير؟ ... لكن لو سكتت أيضًا سأصاب بالقهر
والحسرة وسأضطر لمواجهة هذه العواصف مرة بعد مرة وأنا الخاسر الوحيد ... وتساؤلات
أخرى لا حصر له ...
لكن البأس كل
البأس في ردود الأفعال السلبية... فعندما يقرر الشخص ذو البدأ الوقوف والرد ... يُلام ممن
حوله لأنه قرر الرد والمواجهة في تلك المرة ... أو عندما يُبادر للفضفضة عن مدى
تأثره من هذا الأسلوب لأحدهم فتراه يُلام بأنه قد حمل الموضوع أكبر من حجمه ...
وبأن الشخص الآخر لا يستحق التفكير فيه حتى ... وكأننا يجب أن نكون أصنام أو روبوتات
"على عكس الفطرة" ... ولنحسن الظن فقد يظن الطرف الآخر بأنه قد هون
الوضع على الشخص وطبطب عليه بينما في الحقيقة هو قد زاده هم إلى همه بتحميله اللوم.
ختامًا ... أنا
لا أملك حل سحري مثالي لأدعوكم إلى اتباعه ... وأنا بنفسي أعيش حاليًا في قلب
عاصفة الشكوك وأواجه رياح التساؤلات وأقاوم سيول الحيرة ومتشبثة بتويجه رباني خالد
يصلح لكل زمان ومكان ومقام وموقف:
} أَلَمْ تَرَ كَيْفَ
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ
كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء {
تعليقات
إرسال تعليق