اكتئاب ما بعد الحج
ترددت كثيرًا في اختيار العنوان لخشيتي من أن يكون كفرٌ بأنعم الله والعياذ بالله …
لكن وجدته العنوان الأقرب لما في النفس والله من وراء
القصد …
سألتني أمي الحبيبة عن السبب وراء هذه الحالة
الغريبة؛ فرددت فورًا بأن الأمر يشبه أن تصعد إلى الجنة لتألفها ثم ما تلبث أن تهبط منها …
فأكدت صحة هذه النظرية بأن الشخص ما أن ينوي الحج …
حتى ترتفع مكانته ويُحتفى به ممن حوله… فتذكرت جدتها "ماما
شيخة" رحمها الله التي كانت تحرص على الذهاب إلى المطار لاستقبال الحجاج حتى
من الأقارب الأبعد لأخذ البركة "من تراب ريولهم" كما كانت تقول …
وبالفعل حتى عندما ذهبت للمركز الصحي لأخذ التطعيمات
برغم الازدحام وبكاء هذا الطفل واستلقاء الطفل الآخر على الأرض لرفض والدته إعطاءه
الهاتف وضيق وتبرم الموظفات في التسجيل "أعانهن الله" من ضغط المراجعين…
فما أن أخبرت الموظفة بأني أود أخذ تطعيمات الحج حتى تغيرت نبرة صوتها وانفرجت
أساريرها من وراء الكمام وهي تسلمني دفتر التطعيمات وتقول" الله يتقبل …
دعواتكم " …
أو كما قال الشيخ عبدالله الحمادي “اعتبروا رحلة الحج
معسكر إيماني" …
فكانت كذلك تمامًا …
فتخيل … تخيل … بأن تعيش فترة من حياتك بحيث تكون
مسؤوليتك الوحيدة خلالها فقط … فقط هي أداء العبادات والمناسك وقراءة القرآن
والذكر والتسبيح وحضور دروس إيمانية تحفك فيها الملائكة … فترة ذهبية بالفعل!!!
وهذه ميزة من الصعب إيجادها في أي مناسبة أخرى حتى في
رمضان …
في البداية كان من الصعب على عقلي أن يتصور وجود
برنامج يومي مخطط له مسبقًا وأن يكون التخطيط لهذا البرنامج خارج مسؤوليتي ومهامي
!! -خصوصًا لمن اعتاد ذلك-
فتصور بأن هذا برنامج يوم من أيام الحج على سبيل
المثال:
" تستيقظ فجرًا لأداء صلاة الفجر في جماعة ثم
درس وقراءة قرآن إلى الشروق - الافطار- راحة - صلاة الظهر - خاطرة - الغداء -
قراءة قرآن إلى العصر- صلاة العصر جماعة - درس وهكذا حتى وجبة العشاء ... وأنت محاط بأشخاص كل منهم يحاول الظهر بالنسخة الأفضل والأطيب والأخيّر"
لا استنزاف من الواجبات اجتماعية … ولا استفزاز من
ضغط العمل وقلة الكفاءة … ولا تجهيز لوجبات الغداء والعشاء … ولا مشاوير البقالة …
ولا قلق من الازدحام المروري … ولا وسائل التواصل الاجتماعي ومحفزاتها … حتى وإن
صيرنا هذه الأمور حياتية إلى عبادات بالنوايا …
وكل ذلك لم يكن ليكتمل دون توفيق ومباركة من الله عز
وجل أولًا ثم…
- صحبة صالحة تحفزك لأداء العبادات وتتفقدك عند تأخرك أو تخلفك عن صلاة الجماعة وتقابلك بوجه طلق يعكس نقاء ما بداخلها…
- ودروس إيمانية من مربيات قديرات فاضلات وجلسات أخوية تذكرك باغتنام كل لحظة من لحظات أيام الحج في الذكر والعبادة وتطهير القلب من كل ما يشوبه من تحامل وعتاب وأحكام…
- وبالطبع إدارة فذّة للحملة …
بدءًا من التخطيط للأوقات الأنسب للوصول إلى المناسك
… وتجنب الطرق المزدحمة … فالوصول للمناسك في أوقات مناسبة لا ازدحام فيها ولا
تدافع يعينك على استشعار أداء المنسك بيسر وسهولة بلا شك … مع العلم بأن كل هذا
التخطيط الهائل يحصل دون أن يشعر الحاج حينها بالقلق تجاه أي شيء عدا التزامه بوقت
تواجده في الباص في الوقت المحدد …
والأهم من ذلك كله هن إداريات الحملة اللاتي كنّ
بمثابة الصمغ الذي ساعد على التصاق وتلاحم الحاجات مع بعضهن بنفوسهن الرحبة
ونواياهن الصادقة وأرواحهن النقية وكلماتهن الطيبة …
ولكن ربما يكون هذا هو المقصد الأكبر من الحج … أن يكتشف
المسلم وجود قدرات كامنة لديه تعينه على حسن أداء الطاعات إذا ما توفرت له الظروف
المواتية .. إلا أن المحك الحقيقي يكمن في حسن أداء الطاعات عند غياب هذه الظروف
المواتية كما هو الحال بعد الرجوع من الحج ... والأهم استشعار معية الله ومراقبته في السر والعلن في كل ناحية من مناحي الحياة ... في التعامل مع البشر ... الكلمة الطيبة ... حسن أداء الوظيفة ... تربية الأبناء وغيرها ... بل ومجهادة النفس في بعض الأحيان على فعل ما لا ترغب وتحب طاعةً لله … لذلك فالحج هو مدرسة التهذيب والتدريب
والتسليم …
كل تلك العوامل ساهمت بلا شك في جعل رحلة الحج … رحلة
العمر الذهبية والتي شاء الله بحكمته ألا تتكرر في حياة المسلم إلا مرة واحدة كركن
من أركان تمام الإسلام وكماله ... حتى لا تُألف بالتكرار … ولتظل هذه الرحلة
بمثابة الضوء الذي يسير وراءه المسلم كلما ضاق عليه نفق الحياة الدنيا ليدلّه على
الآخرة وفردوسها بإذن الله …
فالحمد لله والمنة له أن تفضل علينا بنعمة أداء الحج
والتي أسأل الله أن يتقبله كاملًا تامًا مبرورًا ... وأن يكتب رحلة الحج لكل
من يستطيع ولم يستطع إليه سبيلًا ...
مقال لطيف عشت من خلاله الاجواء الروحانية وشعور السكينة في اداء هذا الفرض
ردحذفسلم قلمك نور
ردحذفأوجزتِ مشاعرنا
الله عليج يا نور كتبتي الي في قلبنا
ردحذفابداع ادبي يرتقي الى مستوى الحدث الذي يكمل فيه المسلم اركان دينه، بارك الله في الاقلام المتوضئة وتقبل الله طاعتكم
ردحذفالله يبلغنا حج بيته أعوامًا عديدةً وأزمنةً مديدة
ردحذفلا شلت يمينك على كتابة هذه الخواطر التي اجتاحت نفوسنا جميعا… نسأل الله لنا ولك السداد والتقوى ومن العمل ما يرضى 🤲
ردحذفيسلم فكرك ووصفك وقلمك على ما خطته يمناك .. أفكار روحانية تبعث بالطمأنينة والشعور بحلاوة القرب منه جل وعلا .. نسأل الله أن يثبتنا على دينه أبدا ما أبقانا
ردحذفمن القلب ووصل إلى القلب. بارك الله فيك وفي قلمكِ وأدام عليكِ نور بصيرتك ❤️
ردحذفالحمد لله والشكر لله على كل ثانية قضيناها في الحج بيسر وصحة وعافية .. اسأل الله العظيم ان يرزق كل مسلم لديه الشغف لاداء مناسك الحج ان ييسر له ويرزقه في السنة القادمة يارب♥️
ردحذف