توصيات ... توصيات ... توصيات
لا غنى لنا عن التوصيات أو الـ "Reviews" لكل شيء تقريبًا في الوقت الراهن ... فعندما نريد تجربة مطعم جديد نحرص على قراءة التوصيات للمطعم في أحد حسابات الـ "Foodies" في تطبيق الانستغرام ... وعند التخطيط للسفر لا بدّ عن بحث عميق في تطبيق الـ "Booking" والـ "Trip advisor" ... وقبل متابعة فلم أو مسلسل قد نلجأ إلى تطبيق الـ "IMDb" أو الحسابات المتخصصة في هذا الشأن على "تويتر" أو "انستغرام" ... ومعظم تطبيقات المحلات الإلكترونية تتيح خاصية ترك والإطلاع على المراجعات تحت كل نوع من أنواع البضاعة ... وبالطبع هناك "التوصية الشفهية " والتي نحصل عليها بالطلب أو بدون طلب عندما يبادر أحدهم بمدح أو ذم أو قول الحقيقة ببساطة عن شيء ما قام بتجربته ... وهذه من الظواهر الحميدة في الحقيقة التي وفرت جهد ووقت ومال على الكثيرين وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيزها بصورة كبيرة حيث ظهرت العديد من الحسابات المتخصصة في مراجعات وتوصيات عن المطاعم والملابس والفنادق والدول والكتب ومستحضرات التجميل وغيرها على تطبيق "الانستغرام" خصوصًا ...
أعلم بأنه "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع" لكن مؤخرًا من الملاحظ أن الوضع خرج عن السيطرة ... والتوصية الصادقة أمست نادرة كندرة الطاولات في مطعم"كوكوز" ... فالأغلب بات يمتدح كل شيء ... فكل المأكولات والمطاعم أصبحت " ناطعة ولذيذة ولازم تجربونها" وكل الدول السياحية باتت ذات طبيعة خلابة وشعب طيب وسوق عامر ومطاعم شهية ... وكل مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة والعطورات "تهبّل" ... وكل الملابس ذات "كواليتي" ولا تتغير بكثرة الغسيل والكي ... وكل الأفلام والمسلسلات "نار وشرار" ... وأنا لا أتكلم هنا عن حسابات المشاهير والمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي في هذا السياق فالموضوع شائك ولا أعلم إذا كانت لديهم حرية التعبير بصدق عن المنتج طالما أنهم قد قبضوا ثمن الإعلان عنه مقدمًا أو حصلوا على المنتجات مجانًا ... فالمنطق يقودنا للاستنتاج بأن كل المنتجات التي سيستعرضونها في المستقبل "By Default" هي ناطعة وتينن وتهبل ولازم تطلبونها وتجربونها بغض النظر عن الحقيقة ... لذا لنزيح هذه الفئة جانبًا ...
أعتقد بأن الطبيعة البشرية بفطرتها يعزّ عليها أن تذمَ ما بذلت فيه جهد سواء مادّي أو معنوي ... لذلك من النادر أن نرى من يذكر بصدق محاسن ومساوئ تجربته بصورة عادلة ... فبناءً على ذلك تجد من يرفع إحدى الدول التي زارها للسياحة إلى منزلة المدينة الفاضلة بصورة مطلقة بالرغم من أنه قد واجه ما واجه هناك ... والمضحك بأنك قد تكون زرت هذه الدولة مسبقًا وتعلم بأنها لا تستحق كل هذا المدح المطلق وبالمثل فيما يتعلق بالمطاعم والملابس والأفلام والمسلسلات ... المؤسف حقًا بأنك نادر جدًا ما تجد توصيات صادقة وعادلة فعلى سبيل المثال فلم "Gone Girl" ومسلسلات "Game of Thrones" و "la casa de papel" من المسلسلات الشهيرة التي حازت على زخم كبير جدًا ... جدًا ... جدًا ... لتشويقها والحبكة القوية والأغلب ينتظر المواسم الجديدة بفارغ الصبر ... لكن ما لا يُعقل والمفاجئ للغاية بأني لم أجد رأي واحد ... واحد فقط يذكر بأن هذه المسلسلات غير صالحة للمشاهدة حتى لمن تجاوز الـ 18 عام ... وهذا ليس برأي شخصي بل منطقي ... لأنك إذا كنت من المشاهدين الذين يقومون بتجاوز اللقطات المخلة في الفلم أو المسلسل فسينتهي بك الحال إلى أن تصل إلى نهاية الحلقة دون أن تشاهد شيء في الحقيقة.
هذه الظاهرة وصلت إلى الكتب أيضًا!! فمما يحضرني مؤخرًا رواية " وحدها شجرة الرمان " من الروايات التي لها تقييم عالٍ ومراجعات رفعتها إلى حد السماء سواء على تطبيق الـ "Good Reads" أو الحسابات المتخصصة في مراجعات القراءة على "الانستغرام" لكن الرواية في الواقع هي عبارة عن اجترار واضح وصريح للنص من البداية إلى النهاية التي لم أصل إليها بالطبع ... من جانب فإن سياق الرواية طفولي للغاية ... تخيلوا أن الكاتب اختار أن يسرد تاريخ العراق على لسان المعلم لطلبته في الفصل !!! الأسلوب ليس طفولي فحسب بل بدائي وينفع لكتب الأطفال فقط ... ومن جانب آخر فإن الرواية لا تخلو من الخلاعة الفجّة غير المبررة!!! في بعض الأحيان تغفر للكاتب ابتذاله إذا ما كان جمال وحبكة النص يطغى على هذا الجانب ... لكن مع هذه الرواية البدائية المبتذلة لا شيء يُغتفر لا أسلوب ولا حبكة ولا قصة ... في النهاية قمت بحذفها من على جهاز الـ "Kindle" وذهبت إلى تطبيق الـ "Good Reads" لتفريغ غضبي على أسلوب الكاتب الطفولي وعلى المراجعات المضحكة لهذه الرواية بتقييم الرواية بنجمة واحدة فقط ... وحاولت التماس عذر للقراء المعجبين بالرواية بأن معاييرهم منخفضة ...
ختامًا ... التوصيات من الأمور التي سهلت حياتنا بلا شك ... لكن علينا الاستعانة بها بذكاء وبصورة نسبية مع وضع هامش للخطأ في كل توصية نتيجة الطبيعة البشرية واختلاف مستوى المعايير وتباين الأذواق ...
تعليقات
إرسال تعليق