"بيت خالتي"
بعد يسمعون
حسيسها ... السجينة ... يا صاحبي السجن ... طريق جهنم ... كنت قد عاهدت نفسي بالسر
على الابتعاد عن أدب السجون أو أخذ هدنة من قراءته على الأقل ... خصوصًا بعد أن
أبدى بعض المحيطين بي امتعاضهم من إصراري على تعذيب نفسي بقراءة هذه الشهادات ...
وكنت أنا لا أزال أتمسك برأيي بأن هناك من يجب أن يسد الثغرة ويأخذ الدور في قراءة هذا النوعية من الأدب حتى لا
تُنسى الحقائق وتضيع الوقائع ضمن طيات الزمن.*1
وبالفعل بدأت
الهدنة لكن بدأت معها حالة "الملل من القراءة" ملل عام شامل من أغلب
الكتب وكنت قد غرّدت في "تويتر": " لا أذاقكم الله ملل القراءة ...
تقرأ بسرعة وتقلب الصفحات سريعًا كأنك تعلم نهاية الكتاب مسبقًا" تنططت من كتاب إلى آخر... من "الحارس في
حقل الشوفان" على الـ PDF إلى "جدلية الحجاب" إلى
"الجريمة" لنجيب محفوظ، والنتيجة هي هي ... أبدأ بالقراءة على مهل ثم
تقليب سريع للصفحات وبعد ذلك أضع الكتاب على جنب وأفتري على "بشرى البشائر"
عن كونها السبب في تشتيتي عن القراءة ...
تذكرت قائمة
الكتب التي أحتفظ بها في الـ “Notes” على هاتفي والتي تكونت من توصيات بعض من أتابعهم
للكتب أو من الكتّاب الذين يأتون على ذكر كتب أخرى في كتبهم أو مقالاتهم ... كان عنوان "بيت
خالتي" في ذيل القائمة أذكر بأن الأستاذ عبدالله بن عمر هو من ذكر الكتاب في
حسابه على "الانستغرام" لكن لم أتمكن من تذكر السياق الذي ذُكر فيه ...
بحثت عن
الكتاب على الانترنت فوجدته بسهولة ... حمّلته*2 وشرعت بقراءته فورًا .. لم أتمكن
من التوقف عن القراءة " ... ربما أنهيته في أقل من 12 ساعة ... لم أتوان عن
الذهاب إلى الـ “Goodreads” وتقييم الرواية
بخمسة نجوم كاملة تامة ... الكتاب كان عبارة عن رواية بالطبع ... اللغة سلسة وسليمة وتتغلغل إلى ذهنك دون
مقاومة ولا جهد ... الحبكة .. يا الله ... الحبكة متقنة للغاية كأنك تجلس في غرفة
مربعة مصمتة لا منفذ فيها ولا شق ولا نافذة ولا باب... تدور أحداث الرواية بين أزقة دمشق وحارات ألمانيا ... حتى تكاد تشعر
أن الكاتب سوري الجنسية مغترب في ألمانيا لكنه في الحقيقة هو الدكتور العراقي أحمد
خيري العمري من العراق والذي اشتهر بسلسلة "كيمياء الصلاة" والذي
بالمناسبة أرفع له القبعات على الجهد المضني الذي بذله بلا شك في البحث والتحقق من
أدق التفاصيل إلى أكبرها فيما يتعلق بالمجتمع السوري.
تبدأ الرواية
بذكر قصة طبيب سوري مغترب في ألمانيا والذي يواجه مصاب جلل مع ابن خالته المغترب
قسرًا ... إلى الآن الوضع ممتاز ... الأحداث مشوقة والأسلوب أنيق ... لكن ما إن
وصلت إلى الصفحة المعنونة بـ "شهادة 1" فورًا قلت لننفسي
"Oh here we go again" وعلمت وتيقنت أن الرواية بدأت تأخذ منحنى أدب السجون وأن أدب السجون سيجد
طريقه إليّ مهما حاولت الابتعاد عنه ... لكن أدب السجون هذا كان مختلف كليًا عما قرأته
فيما مضى ... هذا أدب سجون حديث للغاية ... يحدث حاليًا في العالم العربي المتحضر
... الآن بينما نذهب للعمل ونجتمع وندرس ونتشدق بالحريات ويتجرأ البعض على
مناقشة شرعية النظام ... أدب السجون هذا يحدث أثناء الثورة السورية والتي بدأت قبل
عشر سنوات وتستمر إلى الآن ... لا أريد أن أناقش الثورة الآن ولا جوانبها ولا
مآلها ولا من تسلق عليها ولا من تسبب في ما تسبب ولا من يدعمها بوجود تحفظات أو من
دونها ... بل أريد أمرًا واحدًا ... أريد أن أقول أن ما يحدث في سجون سوريا من الثمانينات إلى
اليوم هو أكبر من أن يختزل في لفظة، أعتقد
بأن اللغة العربية على اتساعها وتنوعها وجزالتها إلا أنها أجمل وأرق وأرقى من أن
تتمكن من إنجاب لفظة تصف واقع الحال هناك ... ما يحدث في السجون السورية أكبر من
مقدرة العقل البشري على تخليه لذا فالعقل يلجأ إلى معالجة ما يقرأ بتصريفه في الكوابيس
كما هو الحال مع قراءة أدب السجون، هذا ما يحدث للقارئ فقط فما بالكم بمن يعيش أو
يعرف شخصًا أو أشخاص عاشوا هذه الظروف ... بالطبع الشهادات التي أتى الكاتب على
ذكرها حقيقية وبعضها بإمكانكم البحث عنها على "يوتيوب" ستجدونها بالاسم
الحقيقي والصوت والصورة ... الظلم بشع ... بشع للغاية ... وأي شخص يتمكن من إيجاد
تبرير واحد لما يحدث في السجون السورية لا يستحق أن يُصنف ضمن البشر.
على الضفة
الأخرى ... أحب الرويات التي تزيد معرفتي دون أن أرغب في ذلك ... ولا أحبذ الصورة
النمطية التي تؤخذ عن كونها مضيعة للوقت ... على العكس تمامًا هناك نسبة كبيرة من الروايات تكسبك معرفة على
أصعدة مختلفة مثل اللغة العربية السليمة والتعرف على عادات المجتمع في بلدان بعيدة
قد لا تزورها طوال حياتك... عن نفسي أعرف "مصر" جيدُا من من سلسلة ألغاز
المغامرون الخمسة وأكاد أجزم بأني قد زرت "ريف لندن" قبل أن أزوره حتى من
روايات "أجاثا كريستي"، وهكذا أصّلت رواية "بيت خالتي" حقائق
كثيرة كنت أعرفها عن سوريا وعن دمشق بالتحديد من المسلسلات السورية*3 بل وأضافت
الرواية كثيرًا لمعرفتي عن عادات العوائل الدمشقية في الزواج والتنظيف والحديث
والعوائل والدراسة، وتجاوزت ذلك إلى التعرف على بعض المصطلحات الدقيقة مثل
"بيت خالتي" عنوان الرواية الذي شجعني على قراءتها لظني بأنه عنوان دافئ
يحمل ذكريات الكاتب عن بيت خالته لكن اتضح أن عبارة "بيت خالتي" في
المجتمع السوري –هي على النقيض تمامًا كناية عن السجون في سوريا، وبالمثل تعرفت
على مصلح "القبيسيات" وهو مصطلح يطلق على جماعة دعوية نسوية مثيرة
للاهتمام في سوريا*4، تعرفت أيضًا على القصيدة الدمشقية لنزار قبّاني ... قصيدة
بديعة جدًا ... مبتذلة قليلًا -كحال قصائد نزار- لكنها مؤلمة أيضًا خصوصًا في
سياقها في الرواية.
كعادتي إذا
أحببت كتابات روائي أسعى إلى اقتناء جميع كتاباته مثل أجاثا كريستي وبثينة العيسى
وأيمن العتوم وحجي جابر وجوخة الحارثي والدكتور غازي القصيبي وغيرهم، والدكتور
أحمد خيري العمري ليس باستثناء ... ربما لم أفتتح جسر قراءة كتاباته بسلسلة كيمياء
الصلاة كما هي العادة، لكن بالتأكيد سأعرج عليها في رحلتي الطويلة والممتدة على
هذا الجسر و"كريسماس في مكة" ستكون المحطة القادمة بلا شك فأصدائها
عالية جدًا في هذه الفترة... شكرًا دكتور أحمد على إثرائك للأدب العربي بهذه
الكتابات الراقية السليمة والقيمة.
ختامًا ...
كنت قد عاهدت نفسي على عدم التوصية بقراءة أي كتاب يٌصنف تحت أدب السجون ولا أزال
عند عهدي ... لم أنصح بذلك قط ولن أنصح بذلك أبدًا ... ...لا أحد يستحق أن يعاني
من آثار قراءة أدب السجون ... لذا نعم لا
أنصح بقراءة "بيت خالتي" وإذا كان لا بدّ من ذلك "Goodreads"
قد يشبع جزء من فضولك ... أما إذا كان لا مجال لثنيك عن ذلك فأدعو الله أن يخفف
عليك آثارها الممتدة.
لا أريد الوقوع في فخ "إسقاط الآيات" الذي طالما حذرني أبي منه لكن أعلم أن عزائي في:
{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ...
} فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ{ ...
} حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ{ ...
1*اعتذار إلى
يوسف، بابا، فجر، عائشة خالد.
2*اعتذار إلى
الدكتور أحمد خيري العمري، فقد تجرأت على قراءة روايته التي أصدرها في يوليو 2020
بنسخة الـ PDF المقرصنة، ألتمس منه المسماحة والحلّ مؤقتًا حتى أتمكن من إيجاد
النسخة الورقية والتي سأقتنيها بلا شك.
3* للأسف فقدت
قدرتي على مشاهد’ أي مسلسل سوري من بعد أحداث الثورة؛ لاختلاط الحابل بالنابل بين
الممثلين الشبّيحة والممثلين المعارضين فأصبح من الصعب جدًا مشاهدة مسلسل مع
محاولة فصل توجهات الممثلين عن أدوارهم، وأيضًا تشوهت ذكريات ومشاعر كثيرة عن
مسلسلات قديمة كنا قد أحببناها وتعلقنا بأبطالها ... للأسف!
4* أنصح
بالبحث عن هذه الجماعة النسوية للتعرف عليها ... مثيرة للاهتمام كثيرًا!
تعليقات
إرسال تعليق