خُلق المسلم في زمن الكورونا
مع بدء جائحة كورونا –حفظكم الله منها- بدأت معها العديد من الإجراءت الاحترازية والتي أحب أن أطلق على بعضها "إجراءات احترازية اجتماعية"، منها بدء العمل من المنزل، والتباعد الاجتماعي، ولبس الكمام بصورة إلزامية، كل ما سلف هي إجراءات بقدر ما هي مادية بقدر ما لها من تأثير على الجانب الاجتماعي من حياتنا، فبتطبيقها قلّت بل انعدمت الزيارات الاجتماعية، وانتهى التعامل المباشر مع الزملاء الموظفين والمراجعين في أروقة العمل، كما أنها أخفت جزء بارز من ملامحنا التي تشي بما في نفوسنا في الأماكن العامة، في بداية الأمر كانت هذه التعليمات أمراً جديداً كليًا لا مفر من تقبلها والتأقلم معها، والأغلب يشهد بأن المجتمع تعامل معها بالتزام واضح وراقٍ لا يخفى على أحد.
-شخصيًا- بعد مرور فترة من الزمن، وجدت أن شيء من الرتابة قد تسلل إلى نمط الحياة الجديد، هذه الرتابة صاحبها تعطل جزئي للممارسات الأخلاقية، لمست معها شيء من الهلع مخافة أن هذه الأخلاق قد تسللت من جعبتي دون قصد، وحيث أن هذه الأخلاق لا تُمارس إلا مع الاحتكاك بالبشر، ونحن في زمن الابتعاد عن البشر بقدر الإمكان، فإن أول ما تبادر إلى ذهني هو كتاب "خُلُق المسلم" للشيخ محمد الغزالي، لذا سحبت إحدى دعائم مكتبة والدي وهممت بقراءته، يبدأ الكتاب بذكر خُلُق الصدق ثم الأمانة والوفاء والإخلاص و.....، أخلاقيات يُخيل لنا أنها بسيطة وسهلة، إلا أنها في الحقيقة تتطلب ثلاثة أمور للتأكد من تأصلها في نفوسنا، أولًا ممارسة هذه الأخلاق مع من حولنا وهي الأهم، ثانيًا مجاهدة النفس للتمسك بهذه الأخلاق في بعض المواقف الصعبة وهو المحك، وأخيرًا تزويد هذه الأخلاق بالوقود الكافي لاستمرار تيقظها في دواخلنا، ربما في زمن الكورونا كان أقصى ما تمكنت من فعله هو التزود بوقود الأخلاق عن طريق القراءة حتى لا تصدأ هذه الأخلاقيات ... فقد تبيّن أن الأخلاق تُمتحن أيضًا عندما لا تُمارس.
كتاب "خُلُق المسلم" للشيخ محمد الغزالي رحمه الله، من الأساسات التي تُبنى عليها أي مكتبة؛ ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى سهولة اللغة التي كان يكتب بها الغزالي رحمه الله، بالإضافة إلى كون الأخلاق التي أتى الغزالي على ذكرها ليست بالأخلاق المستحدثة أو الصعبة، بل هي أخلاق عادية جدًا يرغب أي والدين في غرسها في أبنائهم منذ نعومة أظافرهم، لذا فهو من الكتب القليلة المتفق عليها .... "خُلُق المسلم" بقدر ما يساهم في تثبيت القواعد الأخلاقية الأولى للقارئ، بقدر ما يشكل مرجع أخلاقي قيّم لجميع الأعمار ... رحم الله الشيخ الغزالي وجزاه الله عنّا خير الجزاء.
حفظكم الله جميعُا ... وحفظ الله بحريننا الحبيبة من كل سوء ومكروه
تعليقات
إرسال تعليق