ثقافة التشابه
لا يوجد شك بأنه من أهم المفاهيم الحديثة التي ظهرت على الساحة مؤخرًا هو مفهوم " ثقافة الاختلاف " والذي يهدف بشكل أساسي إلى تقبل الرأي الآخر عوضًا عن تفنيده وتقويضه وهذه هي المرحلة الأولى، ومن ثم يتطور الفرد ويرتفع إلى المرحلة الثانية والمتمثلة في النقاش على أن يكون الهدف الأساسي للنقاش هو طرح وجهات النظر بصورة موضوعية والابتعاد عن الرغبة في إثبات للرأي والانتصار للنفس، وأخيرًا الوصول إلى المرحلة الثالثة وهي الأهم على الإطلاق ألا وهي الخروج من النقاش بصدر سليم دون إيغار أو تحامل.
الفقرة أعلاه بقدر ما تبدو مثالية وبعيدة عن الحقيقة إلى حدٍ ما، بقدر ما أرى أنها بدأت بالتحقق على أرض الواقع، خصوصًا وأن البعض كان صادقًا للغاية مع نفسه وأخذ على عاتقه ممارسة هذه الثقافة في السر والعلن كمؤشر على تحضره ورغبةً منه في اكتساب مختلف المعارف من حوله، فتراه وقد بدأ بمتابعة هؤلاء المخالفين في وسائل التواصل الاجتماعي، وربما قد شرع في القراءة لمن كان يخالفهم، والدخول في نقاشات هادئة معهم.
ثقافة الاختلاف لها محاسن عديدة وأبرزها تهذيب النفس بتعريضها لما كانت تنفر وترفض من الآراء ووجهات النظر وتعويدها على الصبر والتأني بالإضافة إلى عفة اللسان عن التعدي على كل مخالف، لكن مع ذلك اكتشفت مؤخرًا ... شخصيًا على الأقل، أنه من المفترض أن تكون ثقافة التشابه هي الأساس بينما ثقافة الاختلاف هي الاستثناء ... نعم ثقافة التشابه ... مجالسة من تختلف معهم في الآراء فيها من اكتساب المعرفة الشيء الكثير، لكن مع ذلك استحالة أن تكون جلسة مريحة أو آمنة؛ لا بدّ أن يجد فيها الإنسان شيء من الضيق الداخلي حتى وإن أظهر عكس ذلك، فلا يوجد شخص يستمع لنقيض آراءه ومع ذلك يشعر بالارتياح المطلق.
من حق أنفسنا علينا أن نحرص على مجالستها مع من يشابهها في الآراء ووجهات النظر بين الحين والآخر، فذلك أدعى إلى الثبات والاتزان ... علينا أن نجد لأنفسنا واحة ذات ظلال وارفة .. آمنة ... دافئة مريحة ... لها نسمات لطيفة ... نلجأ إليها ونحتمي بها كلما اشتد الخطب على نفوسنا للتزود فيها بزاد الثبات والقناعة بأننا على الطريق الصحيح ... هذه الواحة قد تكون صديق واحد أو مجموعة من الإخوة أو حتى كتاب مفضل نعلم بأنه ينتظرنا دائمًا ويرحب بنا في جميع الأوقات ومختلف المواقف لاحتضاننا ... لا تستنزف نفسك بأكملها في محاولة تقبل المختلفين عنك ممن حولك، احتفظ بجزء من نفسك لك بوضع هذا الجزء في مكانه الطبيعي والصحيح مع من يشبهه.
" اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه "
تعليقات
إرسال تعليق