أعمدة رصينة
أؤمن بأن السعي الحثيث
لاكتساب المعرفة والتعرف على آخر ما يدور من حولنا في المجتمع أولًا ومن ثم في
العالم من أبرز المقومات التي تصنع شخصية الفرد وتساهم في تحديد شيء من منزلته بين
الأصدقاء والمعارف والأهل أو حتى الغرباء ... حيث أنها تشكل الأساس الذي تُبنى عليه
أحاديثه المقصودة أو العابرة في العمل أو في التجمعات العائلية أو في المصعد أو في
استراحة الانتظار ... ليست الأحاديث التي يبدأها الفرد فقط بل حتى ردوده و طريقة
حديثه وأوقات صمته واللحظات التي يختار أن "يسلّك" فيها للطرف الآخر ...
تتفاوت وتتباين طرق اكتساب
هذه المعرفة، فبينما هناك من يفضل اكتسابها بالاعتماد على أحاديث الآخرين فقط، تجد
البعض الآخر يكتسبها من وسائل التواصل الاجتماعي، أو ربما من نشرات الأخبار
والبرامج التلفزيونة والإذاعية، أو من المقالات والأعمدة والمدونات والكتب بالطبع،
في الحقيقة لا توجد أفضلية لأي من طرق اكتساب المعرفة السابقة فجميعها تزود الفرد
بمادة ثرية وغنية تجعل منه فرد حكّاء وتنفي عنه صفة السذاجة والسطحية التي تكتشف
بسهولة في الأحاديث العادية اليومية خصوصُا عندما يبادلك الشخص الآخر الدهشة
والانبهار من أي معلومة تأتي بها مهما بدت في نظرك عادية ومعروفة لدى الجميع...
علمًا بأن هذا الشخص اختار الغرق في لجج السذاجة والسطحية بيده، إذ فصل نفسه بنفسه
عن الواقع من حوله وفضّل الاكتفاء بتغذية جسده فقط واهمال روحه وعقله!
لفظة المعرفة أو “Knowledge” قد تكون فضفاضة
بعض الشيء لكنها شاملة، فهي ليست بالضرورة تاريخ حضارة أو حقائق علمية أو صراع
سياسي، ربما تكون كل ما سبق بالإضافة إلى آخر الصيحات في عالم التغذية أو التجميل
أو التعليم أو الدروس الخصوصية أو الأسواق أو المجمعات أو الإلكترونيات أو الأفلام
أو العروض الترويجية أو تطبيقات الهاتف أو الطبخ أو طرق التنظيف أو ....، وهذا لا
يعني أن تكون للشخص تجربة في كل ما سلف، بل هو مجرد علم ومعرفة أو سماع به على
الأقل.
شخصيًا .. أتبع كل الطرق
السابقة في اكتساب المعرفة بل وأسعى جاهدة للاستفادة منها سواء بالأخذ فيها أو
بمعاداة بعضها حسب ما يقتضي العقل والمنطق، لكن في نهاية المطاف أكون قد حققت هدفي
باكتسابها وتكوين آرائي حولها. إلا أن طريقتي المفضلة على الإطلاق في اكتساب
المعرفة وبخاصة تلك الأخبار التي تتجاوز حدود البحرين، هي المقالات والأعمدة، فهي
من وجهة نظري من الطرق السريعة والميسرة نوعًا ما في اكتساب مستوى متقدم من
المعرفة عما يدور حولنا في العالم.
أود اليوم أن أتقاسم معكم
بعض هذه الأعمدة الرصينة التي أصبحت جزء من روتيني اليومي والأسبوعي وأن أعرّفكم
بكتّابها الذين أعرفهم شخصيًا جيدًا إلا أنهم لا يبادلوني هذه المعرفة!
عمود الكاتب اللبناني سمير عطا الله في جريدة الشرق الأوسط:
لا أعرف الأستاذ سمير ولم
أسمع به أبدًا، إلا من والدي العظيم ومنارتي الشامخة قد عرّفني على مقالاته منذ سنوات
قليلة، واليوم بتّ أسبق والدي في قراءة مقالاته من خلال حساب جريدة الشرق الأوسط
على "تويتر". الأستاذ سمير لا يملك حسابات على أي من مواقع التواصل
الاجتماعي؛ لذلك فقناة التواصل معه تسير في اتجاه واحد، إلا أنك لن تحتاج إلى ذلك
في الغالب فهو يسأل ويجيب عما يدور في خلدك في ذات المقال الموجز، مقالاته تتنوع
بين مواقف سابقة عاصرها في عمله كصحفي، وبين آراء محايدة إلى حدٍ ما عن الأحداث
الدائرة في الوقت الحالي، ما يدهشني في الحقيقة هو دقة كتاباته ووصفه عما حدث
ويحدث في دول الخليج العربي خصوصًا، ففي الغالب تجد بعض الكتاب من الدول العربية
لا يكتب عن دول الخليج إلا بكلمات مسمومة تحمل كثير من الغلّ وتحمّل المواطن
الخليجي ذنب ظهور النفط في بلده وتتهمه بالترف والخنوع والذل والسطحية والتفاهة
والعته، لكن على النقيض تمامًا، الأستاذ سمير يمثل حالة استثنائية في فهم طبيعة
الحياة في دول الخليج. أحترم هذه الصفة النادرة للغاية في وقتنا الحال.
عمود الكاتبة الكويتية سعدية مفرّح:
الأستاذة سعدية مفرّح هي
كاتبة وشاعرة وصحفية كويتية وأديبة وقورة، المتابع لها على "تويتر" يعلم
أن لديها اهتمامات متنوعة رياضية وأدبية وسياسية، لكن ما يجعلها قريبة من القراء
بمختلف خلفياتهم هو اهتمامها الصادق بالقضية الفلسطينية فتجد "Header" حسابها في تويتر
يعرض صورة للمسجد الأقصى وقبة الصخرة في رسالة واضحة إلى القضية الأولى التي
تتبناها ... وما قيمة الفرد دون قضية يحيى لأجلها؟ ستجد في حقل مقالات أستاذة
سعدية أشجار متنوعة، لكن الشجرة الأم المسيطرة بظلالها هي شجرة الأدب، فالأستاذة
تنتقد وتشير وتسرد وتتذكر ثمار أدبية متنوعة، ونحن القراء تتضخم جعبتنا بكل تلك
المعلومات والمعارف القيمة للغاية ... سعيدة جدًا بصداقة الأستاذة سعدية عبر كلمات
أعمدتها الرصينة.
قبل أن أبدأ بالكتابة عن
العمود الثالث، دعوني أذكر نقطة هامة تنطبق على ما سلف من أعمدة وما سيأتي، متابعة
أعمدة أي كاتب وقراءة كل جديد له لا تعني بالضرورة الإعجاب المطلق بشخصه، ولا تعني
الموافقة التامة على كتاباته وأفكاره، قد تختلف مع المقال بأكمله لكن مع ذلك
تقرأه، وقد تختلف مع بداية الفقرة ثم ما تلبث أن تعلن موافقتك على ما جاء في قلب
الفقرة، وتنقلب أخيرًا للاختلاف مع ختام الفقرة. وكل ذلك مما لا بأس فيه فهو دليل
على امتلاكك لنفسك وفكرك ومنطقك بصورة متزنة تدعوك للاطلاع والاستفادة مما يتوافق
وما لا يتوافق معك على حد السواء.
والآن لنكمل....
عمود الدكتور البحريني حسن
مدن:
أعتقد بأن لدى الدكتور
مَلَكَة الإيجاز بصورة واضحة دون فقدان العمق، فمقالاته موجزة للغاية لا تتجاوز
الـ 400 كلمة، لكن تحمل في طياتها الكثير والعميق من الأفكار والعديد من الألوان،
فمن السياسة المخففة إلى الآداب وبخاصة الأدب الروسي، إلى نقد وذكر لبعض الظواهر الاجتماعية،
ترى نفسك وقد اكتسبت معارف واسعة منوعة وإن كانت موجزة تدعوك للرضا عن يومك الذي
انقضى باكتسابك معارف منوعة.
اكتشفت بأن لدى الدكتور
مَلَكَة أخرى ألا وهي السرد الشيق، تتجلى هذه الملكة بوضوح في كتبه: الكتابة بحبر
أسود وترميم الذاكرة ويوميات التلصص. أحب جدًا عندما يكتب الدكتور عن البحرين، فهو
يكتب عن البحرين التي نعرفها جميعًا؛ وليس عن بحرين موازية لا نعلم عنها شيئًا... في
كتابه الأخير "يوميات التلصص" يذكر الدكتور عن حبه لشراء الدفاتر
الأنيقة بسرد تفصيل صغير يشيع جو من الحميمية بين الكاتب والقارئ: " اقتنيت
اليوم من سوبر ماركت "ميدوي" في عراد، غير البعيد عن بيتنا، حزمة من
دفاتر المفكرات صغيرة الحجم ..... " .
عمود الكاتب البحريني غسان
الشهابي:
دعوني أخبركم بماذا أشعر
عندما اقرأ للأستاذ غسان خصوصًا عندما يكتب عن الشأن البحريني ... أشعر بأننا حضور
في مجلس الجد أو كبير العائلة بعد صلاة الجمعة حيث تتربع القهوة والتمر في قلب
المجلس والتلفزيون يعرض قناة القرآن الكريم من مكة المكرمة ورائحة خجولة للعود
تتسلل من مكان مجهول، كبير العائلة هو الشخص الوحيد الذي له مطلق الحق والحرية في
انتقاد شأن العائلة بكل صدق وحب وخوف وحذر، والعائلة تستمع وتنصت وتقوّم وتصلح إذا
استدعى الأمر لأن الجميع متفق على أن كبير العائلة لا يبتغي سوى مصلحة العائلة
وراء هذا النقد. كبير العائلة هو الأستاذ غسان وشأن العائلة هو شأن البحرين،
أسلوبه في الكتابة محكم للغاية حتى تكاد تشعر بأنه يتبع شكل هندسي في الكتابة،
فالقراءة له مريحة وسلسة وواضحة وهو ليس بالأمر السهل في الكتابة خصوصًا لمن يكتب
في السياسة، تتجلى مَلَكة الكاتب في السرد المريح في كتابه " ما كان البحر
رهوًا - صياغة ميثاق العمل الوطني البحريني وتداعياته " فالكتاب بالرغم من
أنه ثقيل وزنًا وفكرًا إلى أنه خفيف على القارئ الذي يتيح له هذا الكتاب العيش في
الأروقة وقاعات الاجتماعات والمجالس التي تخلّق فيها الميثاق آنذاك. مقالاته
لا تقل وزنًا عن كتابه إلا أنها مكتوبة بطريقة سلسة للغاية تتسلل إلى عقلك رغمًا
عنك.
عمود الكاتب أسعد طه:
بالرغم من الأن الأستاذ
أسعد متخصص أكثر في المقاطع الصوتية والمرئية، إلا أنه في المرات النادرة التي
يكتب فيها يحلق وتحلق معه أفئدتنا قبل عقولنا، لا أعلم ما لسبب بالتحديد لكن كتاباته
تستهدف القلب أولًا، خصوصًا في مقاله الأخير الذي كتبه بمناسبة زواج ابنته مريم،
هذه المقالة تدمع قلبك قبل عينيك، بلا مبالغة كنت أقرأ المقال أكثر من مرة في
اليوم الواحد لمدة ثلاثة أيام متواصلة على الأقل، ولم
أكن الوحيدة في ذلك، "تويتر" هو الآخر ضجّ بردود أفعال جميلة ومؤثرة على
هذا المقال أيضًا لمدة أسبوع على الأقل.. ولأني إنسانة تفضل المقاطع المكتوبة على
الصوتية والمرئية، أتمنى أن ينشر الأستاذة أسعد مقاطعه الصوتية بصورة مكتوبة أيضًا
حتى لا نفتقد قلمه المرهف.
عمود الكاتبة بثينة
العيسى :
“Love Hate Relationship” ...
هكذا
أصف علاقتي مع كتابات الكاتبة بثينة العيسى، الـ Love لأسلوب الكاتبة الخلاب والساحر، والـ Hate
لبعض ... بعض الأفكار والتوجهات التي تتبناها، لكن ذلك لم يمنعني قط من القراءة
لها سواء كان ذلك من خلال رواياتها السكّينية – التي تكتبها بسكّين بدل القلم – حيث
أنك ما أن تنتهي من قراءة أي من هذه الروايات وتتحسس جسدك ستجد رضوض واضحة وطعنات
غائرة وجروح لن يُكتب لها أن تندمل، وأخرى أعمق لكنها خفية في روحك. أما مقالاتها،
فهي أنيقة للغاية من حيث اللغة وفريدة من ناحية الفكرة، بالرغم من أنها مقلّة في
مقالاتها إلا أنها حين تكتب هي وأقرأ أنا، أشعر بأني أجلس في زوايا إحدى المكتبات الحالمة
التي نرى صورها على "تويتر" لفرط أناقة اللغة التي تكتب بها أعمق الأفكار
وأكثرها تفردًا. عمومًا، الكاتبة بثينة العيسى من العوامل التي ساعدتني على النضوج
بصورة كافية للاستمتاع بقراءة كتابات الكتّاب الذين أختلف معهم فكريًا. شكرًا
بثينة!
عمود الأستاذ عبدالله
المغلوث:
مقالات عبدالله المغلوث ينطبق عليها مقولة " الدنيا ليحين بخير
"، فهو يكتب ليخبرك بأن الضوء موجود في آخر النفق، ولا يكتب ذلك اعتباطًا، بل
يكتبه موقنًا وبناءً على مواقف عاشها في حياته، مواقف كبيرة أو صغيرة، عظيمة أو
بسيطة، عامة أو شخصية، المهم أنه موقف وأن الأستاذ عبدالله لديه من الملاحظة
والتقدير والحكمة ما يكفي ليستخلص من هذا الموقف العظة والعبرة، التي أنا شخصيًا ما
زلت أنتفع بها. وبالرغم من نفوري من المصابين بفرط الإيجابية، إلا أن إيجابية
الأستاذ عبدالله مقنعة جدًا لأنها مبنية على واقع حقيقي وليس واقع "مرّيخي"!
عمود الدكتور محمد العوضي:
يؤسفني جدًا أن الانتاج
الأدبي المكتوب للدكتور محمد العوضي شحيح، فهو محصور في مقالاته وكتاب يتيم يحكي
فيه الدكتور عن قصص ارتداء الحجاب لمسلمات أجنبيات، أما انتاجه التلفزيوني فهو
غزير ولا يخفى ذلك على أحد ...
قلم الدكتور ...
قلم موزون .. فهو يكتب في
الشأن الكويتي دائمًا، وفي الشأن العالمي أحيانًا ..
وهو قلم منصف ... فتراه
ينتقد بعد الظواهر ويشكر في ظواهر أخر...
وهو قلم جريء ... يذكرني
كثيرًا بكتابات الشيخ محمد الغزالي الواضحة والصريحة ...
أخيرًا ... المقال بكلماته
المعدودة لا يغني عن الرغبة الصادقة بالاستمتاع بقراءة فكر الدكتور.
هناك مقالات أخرى من نوع
آخر أقرأها بين الحين والآخر للتأكد من صحة اتجاه بوصلتي الفكرية، أطلق عليها
المقالات السريّة وأحتفظ بروابطها في "النوتز" على الهاتف.
ختامًا بدأت كتابة هذه
المدونة قبل أكثر من شهرين، إلا أن الله أكرمني بقدوم بعض "البشائر" التي حالت دون تمكني من إتمامها، ومن ثم حلّت علينا هذه الجائحة التي قلبت موازين
عديدة، أبرزها أن الجلوس في المنزل أمسى واجبًا لا ترفًا ... لذا لمن لم يقرأ
للكتّاب أعلاه قطّ، أنت شخص محظوظ، فها هي الفرصة المواتية للقراءة والاستمتاع
واكتساب المعرفة وأنت متكئ على الأريكة. وإن كنت أنا ممن لا يؤيد البرنامج اليومي
المحكم للاستفادة من كل ثانية من الحجر المنزلي؛ ففي ذلك إرهاق نفسي وجسدي وعقلي
علينا نحن الكائنات البشرية الضعيفة المثقلة.
كونوا بخير جميعًا ...
حفظكم الله جميعًا ... وحفظ الله بحريننا الحبيبة من كل سوء ومكروه...
تعليقات
إرسال تعليق