العالم يرحب بالغشّاش*

*غَشّاش: (اسم) - صيغة مبالغة من غشَّ 


أنا هنا اليوم لكي أصرح عن هذه الحقيقة المسكوت عنها ...  الحقيقة الغير منطوقة ... الحقيقة المخبئة تحت السطح.... 
الحقيقة التي تم إغراقها عمدًا على أمل أن تختنق عن غير قصد ... 
 حقيقة كون العالم يفتح أحضانه ويرحب بالشخص الغشّاش !! 

لن أخترع تعريف للغش بل سأنقله لكم كما يوجد في أول رابط يظهر لكم عند البحث عن " تعريف الغش " على "قوقل": 
الغش في الاصطلاح التربويّ:
 هو عمليّة تزييفٍ تَخُصُّ نتائجَ التقويمِ، ويُعرَّفُ أيضاً على أنَّه المُحاوَلات غير السوية لطالب المدرسة؛ من أجل الحصول على إجابات الأسئلة، عن طريق استخدام طُرُق غير مشروعة. 
 الغِشّ اصطلاحاً: 
هو إحدى الظواهر المُنحرِفة، والتي تظهر في المُجتمَع، وهي تدلُّ على الخروج عن قِيَم ومعايير الشرع؛ ممّا يترك أثراً سلبيّاً على مظاهر الحياة الاجتماعيّة. 

مرة أخرى، أنا هنا حتى أتحدث عن الغش في التعليم والتعليم ... والتعليم فقط؛ لن أتشعب بل سأركز على الأساس الذي يبدأ منه الغشّاش رحلة صعوده إلى أعلى درجات السلم الأكاديمي والعملي، ومن ثم تفتح له هذه الرحلة آفاق الغش في سلالم أخرى كثيرة وعديدة ومتنوعة، فما يلبث أن يمسي غشّاشًا محترفًا في شتّى مناحي حياته. 
سأسد أذنيّ عن أي شخص سيتجرأ على قول بأنه لم يصادف إنسانًا غشّاشًا في حياته أو لم يشهد عملية غش حية تحصل أمامه، لأنه إما أن يكون شخصًا معتوهًا لا يأبه لما يحصل من حوله، أو شخص مهلهل لا يعتنق أي مبادئ في حياته، لأنه حتى الشخص الكفيف بإمكانه سماع همهمات الغشّاشين من حوله!! للمرة الثالثة أنا هنا أوجه حديثي لكل شخص صادف غشاشّا وشهد عملية غش حقيقية بغض النظر عن فيما إذا كنت قد سقطت في مستنقع الغش أم لا! 

 إذًا بقدر ما تساعفني ذاكرتي الغش في التعليم يحمل أوجه عديدة أبرزها: الغش أثناء الامتحانات إما من خلال "مساعدة صديق" أو من خلال النظر في أوراق دُسّت خلسة في درج الطاولة ... أوووه هذا كان سابقًا الآن يُسترق النظر إلى شاشات الهاتف النقال الذي يوضع على الفخذين تحت ورقة الامتحان تمامًا! ومن ثم لنأخذ بالاعتبار أن المراقب قد بذل كل ما في وسعه لإحكام قبضته على الفصل بدءًا من تفتيش الطلبة قبل الدخول مرورًا بالمراقبة الدقيقة أثناء الامتحان وانتهاءً باستلام الأوراق بانتظام منعًا للفوضى في نهاية الوقت، أو حتى لنأخذ السيناريو الآخر أن المراقب هو شخص اختار لنفسه أن يكون مغفلًا بحيث لو وضع صنمًا لمراقبة الفصل بدلًا عنه لما شعر الطلبة بذلك الفرق ... هذا المشهد أمسى عاديًا للغاية لا يُذكر ولا يُستنكر إلا من قلّة قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة لا اليدين! 

الغش هو عملية عالمية لا يستثنى منها إقليم أو دولة أو عرق أو طائفة أو سن أو عائلة أو جنس أو لون ...أعتقد بأن الغش لم يتم اختراعه أو تعميم طريقته على البشر، بل هو فطرة تظهر عند وقوع الطالب تحت ضغط الخوف من الرسوب أو نقصان درجة أو درجتين، ولن أستثني هنا الطلبة المتفوقين أو غيرهم، نعلم جميعًا أن كل مستويات الطلبة لها أن تعبّ من هذا المستنقع الآسن، ونعلم جميعًا أن الغش لا يقتصر على الفصول الدراسية في المدارس بل يتطور ويترقى بخوضه في فصول الجامعات والدراسات العليا. ترقّي الغش إلى هذه المراتب التعليمية المتطورة أدى إلى هذا فيضان الفساد الذي نعيش فيه الآن على جميع الأصعدة إلا ما رحم ربّي... 

استشراء واستساغة واعتياد الغش بهذه الطريقة الفجّة من حولنا هو مصيبة ... لكن مصيبة المصائب عندما يكون من المتصدرين لعملية الغش في الفصول الدراسية هم الذين يسعون نحو الدرجات الكاملة التامة بلا نقص -لن أطلق عليهم متفوقون- .. فتراهم وقد حققوا معدل يقترب من الـ 4 في الجامعة، ثم لم يتسن لهم الاستمتاع بفترة البطالة بعد التخرج لأن الطلب على توظيفهم يكون كبير نظرًا لمعدلاتهم الخيالية -ولا تسألوني عن نظام مقابلات العمل- ومن ثم تراهم وقد عبروا سلّم الترقيات بقفزات واسعة حتى عاد السلم لا يستوعب قفزاتهم، فتتكرر قفزاتهم الواسعة إلى سلالم أخرى مجاورة وهكذا!! 
أعلم بأن البعض ممن لم يرتضي لنفسه الغش، تراودهم أنفسهم :
" أن انظروا إلى حالكم، لم ترضوا الخوض في مستنقع الغش لذلك راوحتم أماكنكم بينما أولئك الذين ارتضوا أن يتقلبوا في المستقنع قد ارتقوا عليكم ... هؤلاء كافأتهم الحياة على غشهم بكل هذا النجاح والتطور!! ما هذا الظلم؟"
الحق معكم وهذا هو الواقع ... لا أملك أن ألومكم على هذا التفكير المنطقي للغاية، ولا أملك أن أصيغ لكم نهاية عادلة لمستقبل هؤلاء، لكن أملك أن أقول لكم أنه لذلك وُجد يوم القيامة! 
أما بخصوص كون الغش فطرة تظهر تحت الضغط، أقول لماذا وُجد الإسلام إذًا؟ ألم يوجد لتوجيه الفطرة تجاه الطريق الإنساني والارتقاء بنا حتى نكون أهل لغاية خلقنا { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }!

ما يخيفني حقيقة هو انعدام مبدئ "تحريم الغش" لدى البعض، الأمر مخيف حقيقة عندما تناقش أحدهم وتدخل له من باب أن الغش غير جائز في الشرع أو غير لائق من باب العرف أو غير مناسب من باب الخلق، لكن تراه ينظر إليك تلك النظرة الفارغة من الفهم وكأنك تخاطبه بلغة فرعونية مندثرة ... خوفي من ذلك الشخص الخالي من المبادئ أكبر من خوفي من المجرم القاتل!

وما يرعبني فعلًا هو أولئك الطلبة الذين يكيلون أبشع الصفات ويقذفون بأحط الأوصاف المراقب الدقيق في مراقبته للفصل أثناء فترة الامتحان والذي يأخذ إجراءات حقيقية في حق كل من أهان نفسه بالغش، فأصابته قذائف السباب وكل ذنبه أنه قام بواجبه على أكمل وجه!! 

 لكن ما ترتعد فرائصي منه هو تشجيع "بعض" أولياء الأمور لأبنائهم عن الغش بتلك الحجة السخيفة للغاية " شستفدنا من الدراسة والدرجات في المدرسة والجامعة!!!!"، وقد تجد وليّ الأمر هذا إذا ما سنحت له الفرصة لمواصلة دراسته العليا أو البدء في دراسة شهادة تخصصية وقد تزعم عصابة الغش في الفصل دون أي أدنى اعتبار لأبوته أو أبناءه .. حقيقة لا أعلم كيف يجلس على طاولة العشاء مع أسرته وما هي الخصال التي يرغب في أن يتحلى بها أبناءه؟؟!! إذا كانت الأسرة أبرز السدود التي يُعول عليها المجتمع أمام طوفان الفساد وقد نخرها الفساد أيضًا .. ما الذي تبقى لنا إذًا؟؟؟

عتبي ... عتبي الأوحد على أولئك الذي يصرحون " أنا أغشش بس ما أغش!!!" متشدقين بذكائهم ومعرفتهم وتفوقهم، ومعللين ذلك بالشفقة التي يشعرون بها تجاه الطلبة الأقل حظًا من حولهم ... الغش واحد يا أعزائي وله أوجه متعددة .. هذه هي أحد الأوجه!!

ختامًا ...
شكر من الأعماق إلى كل وليّ أمر لا زال يحذر أبناءه من الغش ... 
شكر من الأعماق إلى كل من أوكلت إليه مهمة مراقبة فصل أثناء الامتحان، ثم أتم هذه المهمة بما يرضي الله ويرضي ضميره...
والشكر الأكبر والأعمق على الإطلاق ... 
إلى كل طالب كان الغش متاح أمامه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله إلا أنه كان لا يرى إلا وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً } ... 
إلى كل طالب امتنع عن الغش ولكن راودته نفسه عن إن العالم لا يرحب إلا بالغشّاش ومن ثم تذكر أن وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }....


استدراك: لا أريد توجيه أي نداء إلى الجهات المختصة؛ لأني أؤمن إيمانًا تامًا أنه مهما قامت به هذه الجهات من احتياطات مشددة، من نوى الغش سيجد له ألف مخرج!!!  





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر