عنوان محذوف: اصنع مخدراتك!




هنالك شدائد تهجم على حياة الفرد لا يجدي معها نفعًا إلا مرور الزمن، مرور مدة من الزمن عليها يتكفل بإلقاء تعويذة النسيان والاعتياد على الفرد بحيث لا تصبح هذه الشدّة شدّة ... بل ذكرى أو من الأمور المسلمات التي يلا يملك الفرد إلا أن يقتنع فيها أو يعتاد عليها ... قد تتنوع الشدائد بين فقدان قريب أو سفر حبيب أو مرض رفيق أو مرحلة انتقالية يصعب التأقلم معها أو مرحلة البطالة أو فراغ شديد بعد تحقيق الهدف الأكبر أو سمّ ما شئت فقد يختلف مفهوم الشدّة من فرد إلى آخر، هنا لا أتحدث عن المشاكل التي تتطلب مواجهة أو حلول بل عن المسلّمات التي لا بدّ عن التأقلم معها.

لكن حتى يصل الفرد إلى اللحظة التي يستطيع فيها الزمن ممارسة سحره سيتحتم عليه المرور بفترة من الانتظار الطويل والصبر ... الكثير من الصبر ... فترة الانتظار هذه حتى تمر بسلام دون انتهاك لانسانية الفرد أو سقوط أحد من أخلاقه ومبادئه، عليه بشكل رئيسي وأساسي الاستفادة من نعمة الإسلام وما فيه من معينات على الصبر وطول الانتظار وهذا مما لا اختلاف عليه ولا جدال فيه ... إلى جانب ذلك قد ينصرف البعض إلى مشاهدة المسلسلات أو الأفلام أو الاكثار من الطبخ أو ممارسة نشاط بدني شديد أو غيرها بحيث يساعده ذلك على الانفصال عن الواقع بغرض عدم التفكير فيه ... وهذا مما  لا ضير فيه طالما أنه يعمل كمهدئ ومخفف أو كمخدر عن الاحساس بالواقع طالما أنه لا يتعارض مع أساسيات الإسلام.

هناك مخدر آخر اكتشفته مؤخرًا ... هو مخدر من الصعب البدء في تعاطيه والمداومة عليه ،لكن ما أن تبدأ فيه حتى يصبح نوع من الادمان الذي لا فكاك منه ... هذا المخدر هو القراءة السردية... ليست القراءة بمفهومها العام والذي يشمل الكتب النافعة أو التي تحث على التفكير واكتشاف وقائع عديدة لم تمكن تعلم بها أو سجون لم تسمع بوجودها قط أو خيال مريض يجرك إلى الدخول في كوابيس... لا .. لا ... بل هي قراءة لروايات سردية بحتة قد تكون خيالية أو واقعية ... روايات لا تحوي شي إلا السرد ... سرد مخلوط بماء جعل منه جرعة مخففة للغاية.. سرد كأنك جالس في قاعة انتظار ومن أمامك ناس يعبرون لا تعرفهم ولا تريد أن تتعرف عليهم .. تريد مراقبة تحركاتهم فقط لقتل وقت الانتظار هذا ... سرد يشبه تلك اللحظة التي تكون جالس فيها وسط حشد من الناس إلا أن رؤيتك يتسلل إليها شيء من الغمام حتى لا تعود ترى إلا خيالات لهيئات أشخاص دون تبين ملامحهم .. سرد يشبه اللحظة التي تبدأ فيها أذنيك بتحويل الكلام الذي يدور إلى حولك إلى مجرد أصوات لا تفقه معناها ... سرد يشبه اللحظة التي تركز فيها نظرك على السماء بحيث تبدأ بملاحظة الغيوم وهي تتحرك ويبدأ كل شيء آخر بالتلاشي من حولك ... كل هذه اللحظات وجدتها في نوع معين من الروايات ... روايات سردية بحتة ... روايات تشبه المشي على أرض منبسطة في يوم صحو لا بارد ولا حار دون عواصف وأمطار ورطوبة وغبار ... يشبه المشي في أرض سهلة دون مرتفعات ولا منخفظات ولا أودية ولا جبال ولا برك من الماء ولا أشواك ولا حرائق ... سرد عن سير حياة عائلة عادية من بدء استيقاظها إلى انتهاء يومها ... سرد عادي يحتوي على أحزان عادية مثل احترق وجبة الغداء و أفراح عادية مثل شراء فستان جديد مثل الذي تجدها في رواية سيدات صغيرات لـ "لويزا ماي ألكوت".. سرد خيالي عن الـ Neverland في قصة "بيتر بان"  ... سرد عادي عن فتاة غير عادية مثل "جودي آبوت" ... سرد عادي عن رجل يدّعي السحر مثل " ساحر أوز العجيب" .. سرد عادي للغاية يعمل كمخدر مؤقت ولحظي لأحاسيسك على فترات متقطعة حتى لا تكاد تشعر معه أن الزمن قد مارس سحره وأنك الآن قد تعافيت وأن الشدّة أمست ذكرى أو روتين تكاد لا شعر به.

ابحث عن مخدراتك ... اصنعها إذا تطلب الأمر ... وأنا أضمن لك بأنك لن تدمنها لأنك ستمل منها بعد مرور من الزمن ...  لن تدمنها لأنه لا يوجد ما يثير الدهشة فيها ... نفسك ستملّ منها رغمًا عنك... ستبتعد عنها بمحض إرادتك بعد مرور فترة من الزمن كافية لتحويل الشدّة إلى روتين أو ذكرى.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر