بيت جدّي الرابع


في ذلك الصيف هبّت رياح حارة .. حارّة جدًا كادت تحرق كل ما أتت عليه من بشر وحجر وشجر... كان صيفًا حارقًا يتيمًا ذلك الذي – لأول وآخر مرة -  فوتنا فيه التسجيل للنشاط الصيفي لواحات القرآن الكريم، بالتحديد قبل أكثر من عشر سنوات خلت ...
عزّ على أبي منظر ذبول فتياته اليانعات تحت وطأة تلك الرياح، فسارع إلى استجداء وساطاته العديدة والرفيعة المستوى، إلا أن هذه الوساطات ذابت أيضًا جرّاء هبوب تلك النسائم الحارقة...
مرور أكثر من عشر سنوات لم تزد ذكرى ذلك الصيف اليتيم إلا رسوخًا وثباتًا ... أتذكر بوضوح تام تلك الإجازة الصيفية في عام 2003 التي قضينا صباحاتها الرطبة أنا وأخواتي في المنزل على غير العادة!!
تلك الإجازة التي لم يتجشّم فيها والديّ عناء الاستيقاظ في الصباح الباكر لإيصالنا إلى إصلاح المحرّق .. والديّ اللذان أبقيا على "الروتين" الصباحي بنفس الوتيرة بغض النظر عن كونهم على رأس العمل أو رأس الإجازة.. والديّ اللذان دلانا على الأنشطة الصيفية وقدّما لنا دليلًا حسيًا على أهميتها ...
تلك الإجازة التي لم أضطر فيها للتوسّل إلى إحدى أخواتي حتى تسمّع لي مقرري من الحفظ ...ولم أرَ فيها الغبطة على وجه جدّي " بابا تركي[1] " -أطال الله في عمره- وهو يرانا خلال لحظة التسميع هذه في غرفة الجلوس في منزله...
تلك الإجازة التي لم أحصل فيها على الملف الذي يُوزّع في بداية النشاط على المشاركين؛ حتى أضيفه إلى مجموعتي من حقائب وملفات النشاط الصيفي عبر التاريخ... – أعتقد بأنه لا بدّ من وجود ملف واحد من هذه الملفات على الأقل في بيت كل من يقرأ هذا المقال -...
ما يزال هذا الصيف بمثابة الحفرة التي أتعثر فيها كلما تجولت في ذاكرتي، بالتحديد عندما أتجول في حديقة الأنشطة الصيفية التي شاركت فيها منذ صغري ...
لن أدّعي بأني شعرت بالرضا والاستحقاق لما حصل من رفض قاطع لتسجيلنا بسبب تخلفنا عن الأيام المحددة لذلك، لا ... لا بل على العكس تمامًا كانت مشاعر الاستنكار والسخط والحسرة هي المسيطرة عليّ...
 الاستنكار من عدم وجود استثناء للمشاركات الأكثر إخلاصًا ووفاءً للأنشطة الصيفية ...
 السخط على أصحاب القرار الذين لم يُنزلوا الناس منازلهم الحقيقية ...
الحسرة لاختلال النظام الصارم السنوي الذي اعتدناه في منزلنا ...
أحمد الله بأن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن منتشرة حينها وإلا لتضاعفت لديّ المشاعر أعلاه أضعافًا عديدة وأنا أتابع تغطيات الأنشطة الصيفية...

لكن مهلًا ... هل كان هذا الموقف إيذانًا بقطع العلاقات مع الأنشطة الصيفية أو أنشطة الجمعية عمومًا؟
ربما كان الشخص العادي ليجيب بديهيًا بـ"نعم"...
أما أنا فإجابتي القطعية كانت "لا" ..
كيف تتوقع من أحد أحفاد العائلة أن يعلن قطيعته ببيت جدّه بسبب مشكلة عابرة كهذه ؟
الذي يقوم بذلك هو حفيد جاحد وعاقّ ومتكبر ... حفيد ظنّ أنه خرق الأرض وبلغ الجبال طولًا ...
سوء الفهم وارد الحدوث كثيرًا في "أحسن العائلات"...
الهروب من مواجهة هذا الموقف والرضا بالقعود ليس بالحل الشجاع جدًا ...
البدء بلعبة الاختفاء حتى ترى من سيتفقدك في غيابك من أفراد عائلتك خيار غير لائق لأنه سيؤدي بك إلى القطيعة العظمى عن عائلتك....
أخبرني بالله عليك ما المشكلة في التقدم إلى جدّك ومناقشته فيما ضايقك؟ لا توجد مشكلة .. أرأيت؟ أنت لم تجرّب هذا الحل قط، أنت سمعت من ابن عمك أن جدّك صعب المراس ولا يقبل النقاش وفضلّت الأخذ بالكلام على التجربة في الواقع ...
حسنًا .. ربما تكون قد جرّبته ولم يؤدِ إلى نتيجة واضحة .. مرة أخرى ما المشكلة في ذلك؟ لا يوجد قانون ينصّ على أن أفراد العائلة يجب أن يتوافقوا في كل أفكارهم أليس كذلك؟ المودة والاحترام من الممكن أن تظلّ بوجود هذا الاختلاف إذا أحسن الطرفان إدارة هذا الخلاف...
حسنًا إذًا حُلّت المشكلة ببساطة .. ثقافة الاختلاف هي الحلّ ...
منذ صغري، أنعم الله عليّ بنعمة وجود ثلاثة بيوت لأجدادي في المحرق ... جمعية الإصلاح هي بيت جدّي الرابع ...
الآن دعني أنتقل بك إلى مشهد آخر في صيف عام 2013 أي بعد عقد كامل من الزمن ...
بالطبع الصيف هو ذاته بنسماته الرطبة ورياحه الحارقة، الذي اختلف هو مكان إقامة النشاط الصيفي فقط، فقد تحول من إصلاح المحرق إلى "بيت الواحات"[2] في البسيتين...
وموقعي قد تغيّر أيضًا من كوني الشخص الذي يسجّل بياناته للمشاركة في النشاط، إلى الشخص الذي يجلس على الجانب الآخر من الطاولة، أضحت مهمتي هي تسليم استمارات التسجيل للمشاركات واستلام الرسوم....
فوجئت بتكرار مشهد صيف 2003 الحارق مرات عديدة، وفوجئت أيضًا بأني أمسيت قريبة من أصحاب القرار الذين سخطت عليهم حينها ... إلا أنه ولحسن حظّي كان هناك من ينسحب في اللحظة الأخيرة أو من يتخلف عن تثبيت تسجيله فيتوفر مقعد أو مقعدين إضافيين لتسجيل الاستثناءات...أحمد الله بأني لم أوضع أمام هذا المحكّ الحقيقي إلى يومنا هذا، لأني دائمًا ما كنت أفكر .. ما هو الإجراء الأصح عمله في هذا الموقف؟ هل هو تطبيق القانون بغض النظر عن الشخص الذي يطلب الاستثناء؟ لكنّي جرّبت بنفسي كيف أن تطبيق هذا القانون قد يؤثر على عائلة بأكملها ولا أريد أن أكون هذا الشخص الذي يتسبب بهذه النُكتة السوداء في قلوب العائلة!! في الحقيقة .. إلى اليوم لا أملك الجواب المناسب.
ختامًا .. هذه المشاعر ليست مبتذلة ولم أفتعلها لأجل "البرودكاست" الذي نُشر في "قروبات الواتس أب" بشأن إرسال مساهمات بمناسبة مرور 75 عامًا على تأسيس الجمعية، بل هي مشاعر دافئة تعتمل في صدري منذ أمد بعيد وأعتقد بأن مناسبة مرور 75 عام على تأسيس منارة الإصلاح هي الفرصة المناسبة لهذه المشاعر بأن تُنشر وتُقرأ...

نعم جمعية الإصلاح كانت وما زالت تمتلك قدرة سحرية.. خارقة.. استثنائية.. على توفير أجواء الاحتواء والألفة والأمان لمن يرتادها...
جدران مقر جمعية الإصلاح في المحرّق ، غرف المقر القديم العتيق لجمعية الإصلاح في الحدّ، "الكبينة" الخشبية المخصصة لمصلى النساء في مسجد الإسراء في عراد، بيت الواحات في البسيتين، كل أولئك شهدوا مراحل تطوري العمرية، شهدوا اليوم الأول لارتدائي الحجاب، شهدوا تخرجي من المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية، شهدوا ختمي لأجزاء عديدة من المصحف الشريف، شهدوا اكتسابي لمهارات عديدة، شهدوا صداقات كثيرة وعلاقات أخوية سماوية نقية، شهدوا مشاركاتي في فعاليات كبيرة، بالمختصر شهدوا ما يشهده الجدّ والجدّة على أحفادهم...
الجدّ عليه العطف والاحتواء والأمان والتفهم وله من الحفيد البرّ والاحترام والتقدير والامتنان ....
منذ صغري، أنعم الله عليّ بنعمة وجود ثلاثة بيوت لأجدادي في المحرق ... جمعية الإصلاح هي بيت جدّي الرابع ...



 


[1] محمد تركي هو اسم مركب، بابا تركي هو اللقب الذي أطلقناه نحن الأحفاد لمناداة جدّي محمد تركي آل محمود
[2] بيت الواحات" هو مصطلح يطلقه أبناء الواحات على مركز واحات القرآن الكريم النسائي في منطقة البسيتبن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر