كادت فرح أن تكون رسولًا - رواية


-إهداء-
إلى مدرسات مادة اللغة العربية في جميع مراحلي الدراسية  ...
 فرح الصالحي- فاطمة عيسى- ليلى الوزان- ابتسام جاسم- فخرية- شيخة بن هندي- جنات علي ...
إلى الدكتورة نورة جمشير ...
ابنة خالتي التي كانت أول من عرفني على لعبة المدرسة ....
إلى فجر...
شكرًا لأنك كنت المرجع والملاذ لي في جميع المراحل مرحلة دراسية .. شكرًا لأنك قبلتِ بمهمة فوهة المدفع ... شكرًا لأنك مهدتِ لي الطريق ...
إلى فجر وضحى ...
مع فارق السن بيننا والذي يبلغ سنتين ... معًا شكلنا دعامة الأمان النفسي لأنفسنا في المدرسة وفي الأنشطة الصيفية وفي الجامعة... معًا هوننا على أنفسنا رهبة اليوم الأول..  معًا شكلنا المثلث الذي لا يُخوَف ولا يُقهر ...
إلى أمي ...
التي بلغت درجة احترامها وتقدريها لمهنة التعليم والمعلمات إلى أن تقف في صف المعلمات بغض النظر عن الطرف الآخر في الصراع ...
إلى أمي...
 التي أخبرتها يومًا في المرحلة الثانوية بعد صدام حصل لي مع مشرفة اجتماعية في المدرسة بأنها تفضل المدرسات على بناتها.. ففاجأتني بوجودها في المدرسة في اليوم التالي لبحث المشكلة مع المشرفة الاجتماعية ...
إلى أبي...
 الذي حاول الخروج من منطقة الأمان التي وفرتها له مهنة التدريس الجامعي مرارًا ... لكن ما لبث أن عاد إليها بعد كل محاولة خروج...
إلى أبي ...
الذي أخبرني يومًا بأن جميع من يعمل يلقب بالموظف ما عدا المهندس والطبيب والمعلم...
إلي أبي وأمي...
شكرًا لمشاعر الاحترام والتقدير التي أورثتموها لنا
إليكما أبي وأمي ويهطل المطر...*























-خوذة-
كانت الدولة قد أصدرت أمرًا مؤخرًا بإنشاء مدينة "شرق الحدّ" السكنية، وقد وُكل أمر الإشراف على عملية بناء أساسات مساكن هذه المدينة إلى المهندسينالمبتدئينفي وزارة الإسكان كما هو متعارف عليه، وكانت "فرح" هي إحدى أعضاء هذا الفريق الذي تم تكوينه.
 كانت الظهيرة حادة، والشمس قد استقرت في كبد السماء وهي تعب من بئر عرق العمال والمهندسين، أما الغيوم فقد غابت عنذلك اليوم بدون مبرر، أما"فرح" فقد وجدت لها مصطبة خرسانية للجلوس والإشراف على العامل وهو يثبت أساسات المنزل بعد أن أنهكها التعب من الوقوف الطويل منذ الصباح، على الرغم من أن المصطبة كانت هي الأخرى قد اكتوت من حرارة الشمس، إلا أن التعب قد بلغ بـ "فرح" للقبول بأي مكان مرتفع للجلوس والمراقبة، وبينما كانت تدون القراءات بشرود وملل، كان ذهنها يعمل بنشاط في تقسيم الوقت الباقي من اليوم على التزاماتها بعد الانتهاء من العمل، فأولًا سترجع إلى المنزل للاغتسال وتناول وجبة الغداء ثم الساعة الثالثة ستبدأ بتدريس الصف الثالث ثانوي مقرر التفاضل والتكامل حتى الساعة الخامسة، ثم بعدها ستحضر طالبات كلية إدارة الأعمال لشرح مقرر التفاضل والتكامل الخاص بكليتهم حتى الثامنة مساءً، وأخيرًا عليها تدوين جميع ما شرحته وتحميله على الـ Dropbox، لم يقطع عليها استرسالها في استرجاع مهامها اليومية، إلا دغدغة قطرات العرق على وجنتيهاورأسها النابض بقوة من ضغط الخوذة عليه لفترة طويلة.
-الطفلة الشغوفة والمراهقة المحبة-
منذ أن كانت "فرح" طفلة كانت لعبتها المفضلة هي لعبة المَدرسة، بحيث تكون قريبتها " نورة" التي تكبرها بستة أعوام هي المعلمة وتكون "فرح" الطالبة، أما متعتها فكانت تكمن في الحصول على دفتر جديد لهذه اللعبة، وبعد أن دخلت المدرسة كانت تتعلق بأغلب المعلمات اللاتي درسّوها، وتحرص على كتابة رسائل لهن، وتبدي إعجابها الشديد لما ترتديه المعلمات وتحاول أن تتوقع ماذا ستلبس المعلمة في اليوم الذي يليه، حتى أنها في إحدى المرات عندما دخلت المعلمة الفصل في الصباح، سألتها:
فرح بحماس شديد وهي تشير إلى حذاء المعلمة: معلمة ... معلمة ... لديكِ نفس هذا الحذاء باللون البني، أليس هذا صحيحًا؟
المعلمة وهي مندهشة بامتعاض: نعم ... ماشاءالله يا "فرح" إنكِ قوية الملاحظة.
وبعد أن أنجبت والدتها شقيقتها " بشرى " التي تصغرها بأربعة أعوام وشقيقها "بدر" الذي يصغرها بخمسة أعوام، نصّبت "فرح" نفسها المعلمة في لعبة المدرسة، فكانت تلبس حجاب والدتها وتتقمص دور المعلمة بإتقانٍ واضح.
 كبرت "فرح" ودخلت المرحلة الإعدادية والثانوية وهي لا تزال على حبها وإعجابها بالمعلمات والذي تحول إلى احترام شديد في تلك المرحلة، فهي إلى جانب تفوقها كانت تتعامل مع المعلمات باحترام كبير الأمر الذي أدى إلى وضعها في منزلة خاصة بين الطالبات، ظهر تميزها المبكر في مادة الرياضيات منذ الصغر، ففي حصة الرياضيات عندما تنتهي المعلمة من شرح المادة المطلوبةلليوموتعطيهم تمارين للحل كانت أول طالبة تنتهي من حل التمرين، لذا فإن المعلمة كانت توجهها إلى مساعدة بعض الطالبات في الحل، وهكذا استطاعت توظيف نبوغها في الرياضيات في تقديم دروس تقوية، أو في شرح بعض المسائل للطالبات قبل الامتحان، حيث أن زميلاتها كانوا يطلبون مساعدتهاويفضلون شرحها المبسط للمسائل على شرح بعض المعلمات المعقد.
فضلًا عن ذلك كله، والدة "فرح" كانت مدرسة كيمياء محبة لوظيفتها شغوفة بها، ولطالما أعجبت "فرح" بحب الطالبات لوالدتها وبإقبالهن عليها عندما يلاقونها في الأماكن العامة، وتسعد بالطالبات الأكبر سنًا اللاتي يسألنها: هل أنتِ ابنة معلمة "لبنى"، وكثيرًا ما سرحت بخيالها لترى نفسها في بدلات والدتها التي ترتديها للمدرسة .. لترى نفسها تمسك بقلم والدتها الأحمر لتصحيح أوراق الامتحانات ... لترى نفسها وهي تعزف بخفة على أزرار الآلة الحاسبة لترصد درجات الطالبات ... لترى نفسها وهي تبحث في موسوعات والدتها للتحضير لتجربةٍ ما ... لترى اسمها على وسيلة توضيحية مذيلة بـ عمل الطالبة ..... إشراف الأستاذة فرح عبدالله....
وصلت "فرح" إلى السنة النهائية في المرحلة الثانوية...
سنة الاختيار وتحديد المصير...
السنة التي يخفق فيها عدد كبير من الطلبة في تحديد التخصص الجامعي الأنسب لهم...
السنة التي تتسبب بضخّ كمية هائلة من القلق والتوتر والإلحاح والإجبار في المنزل...
السنة التي يشعر فيها الطالب من الخوف من احتمالية اختيار التخصص الخاطئ وضياع المستقبل...
السنة التي يتمنى فيها الطالب أن يتخذ أحدهم عنه هذا القرار المصيري ليحلله من وزر تحمل تبعات القرار...
بيد أن عدد لا بأس به من الطلبة أيضًا على الجبهة المعاكسة،يستطيعوناتخاذ قرار اختيار التخصص الجامعي بثقة تامة وإصرار كبير وأريحية واضحة، كانت "فرح" تغبطهم وتتمنى لو امتلكت نصف ثقتهم، لأنها تعيش في دوامة هائلة من التخصصات التي تتطابق شروط القبول لها مع مؤهلاتها، كونها طالبة في المسار العلمي بمجموع 98% فالخيارات أمامها عديدة،التخصصات العلمية مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والعلوم ترحب بها، وعلى الجانب الآخر توجد رغبتها الدفينة التي لطالما أسرّتها في نفسها بالدخول إلى كلية المعلمين، لكنها لم تبح بها لأحد خوفًا من ردود الأفعال...
أولًا هناك أسرتها التي أقل ما يقال عنها بأنها تتوارث مهنة الطب من الجدّ الأكبر الذي كان يمارس الطب الشعبي، ونقل شغفه بذلك إلى جّد "فرح" حيث جمع الأب مدّخراته جميعها وأرسل ابنه إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الطب في ثلاثينيات القرن الماضي فكان أول طبيب بحريني يحوز على زمالة البورد الأمريكي من جامعة هارفرد بالولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الذي كان التعليم النظامي قد بدأ بالكاد في البحرين، ثم والدها الذي تشرّب مهنة الطب منذ صغره حيث كانت جدّة " فرح" تناديه بالدكتور" عبدالله" هكذا حتى بدء في دراسة الطب وتخصص في جراحة القلب وحاز على زمالة البورد الاسكتلندي، أما عمها الأكبر "عبدالعزيز" فقد كان استشاري كبير في الجهاز التنفسي وعمتها الوحيدة "إيمان" كانت ممرضة، وحيث أن "فرح" كانت أكبر الأحفاد والأبناء، كانت مناسبة تخرجها من المرحلة الثانوية هي مناسبة عائلية وليست أسرية، كان الجميع قد سلّم بأن الطب هو التخصص الذي ستختاره "فرح".

-مكاشفة السبع العجاف-
قبل سبع سنوات خلت، كانت "فرح" في سنتها الأخيرة من المرحلة الثانوية....
في ليلة من ليالي يناير الباردة الطويلة التي اعتادت فيها على السهر لمراجعة دروسها في فترة الامتحانات النهائية للفصل الأول...
"فرح" تجلس على الأرض في غرفة التلفاز مقابل المدفأة ... ظهرها يستند على الأريكة خلفها... كتابها استقر في حُضنها ...  كوب فارغ إلا من كيس الشاي الأخضر المتعلق بحافته يشاركها جلسة السمر الأرضية... أرجعت رأسها على مقعد الأريكة ... أغمضت عينيها ... أنصتت إلى الحوار الدائر بين سكون الليل وصوت الرياح من خلف النوافذ ... أثار هذا الحوار الشفيف في نفسها رغبة دفينة ... رغبة بتفريغ النفس ... رغبة بالحديث بصوت عالٍ ...رغبة بأن يُنصَت إليها دون مقاطعة ... رغبة بأن تصدح بما تراودها به نفسها ... رغبة بأن تتحدث دون أن تُصدَر أحكام عليها .. رغبة بأن تتكلم دون قيود .. دون تفكير بعواقب ما ستقوله ...
استيقظت على طبطبات والدها على كتفهاوهو يغلق المدفأة ويؤنبها على تركها تعمل وهي نائمة ... كان الوالد قد رجع للتو من صلاة الفجر في المسجد..
فرح: آسفة يا أبي يظهر أني استغرقت في النوم دون أن أشعر...
الأب: لا بأس يا ابنتي لكن كوني حذرة من ترك المدفأة تعمل وأنت نائمة ...
 ثم شرع بالنهوض لمغادرة الغرفة إلا أنه عاد أدراجه وأضاف وهو يبتسم: ...واخلدي للراحة قليلًا، صحيح بأننا نتحرّق شوقًا للمعدل العالي الذي سيؤهلك للتفرد بالحصول على إحدى بعثتي وزارة التربية والتعليم لدراسة الطب وتعزيز إرث العائلة بحصاد هذه البعثة، إلا أن قسطًا من الراحة سيكون مفيدًا جدًا لكِ حتى تسترجعي نشاطكِ. واستدار مغادرًا الغرفة.
تذكرت "فرح" الخواطر التي جالت بصدرها قبل أن تغط في السبات الغير متوقع، ولا شعوريًا تجافى جنبها عن الأريكة ونهضتمناديةً والدها بصوت مرتفع: أبي ... أبي...التفت الأب عليها وقد علت وجهه أمارات الدهشة من هذا النشاط المفاجئ.
فرح: بخصوص موضوع بعثة الطب أريد أن أتحدث معك بهذا الشأن إن أمكن.
الأب: ألا يمكن نؤجل هذا الحديث إلى ما بعد رجوعي من العيادة ظهرًا؟
فرح وقد تقدمت إلى أبيها وهي تمسك بيده وتدفعه للجلوس على الأريكة: لا .. لا هذا الحديث غير قابل للتأجيل..
جلس الأب ولا زالت علامات الدهشة بادية على وجهه: أرجو أن لا تقولي لي بأنكِ ترغبينبالتنازل عن البعثة إلى من لا يستطع تحمل نفقات دراسة الطب، تعلمين بأننا قادرين على تغطية التكاليف دون الحاجة إلى أموال الابتعاث، إلا أن هذه البعثة هي بمثابة ميثاق الشرف الذي تتوارثه الأجيال في هذه العائلة ثم إن....
فرح مقاطعة: لا أريد دراسة الطب...
.................................................
حل صمت ثقيل لمدة تقارب الست دقائق ... الأب يتأمل في "فرح" وكأنه لم يفهم ما قالته، أما "فرح" فكانت تنظر إلى لوحة سورة الشرح المعلقة على الجدار خلف والدها...
لم تتمكن "فرح" من النظر إلى ردة فعل أبيها ، قطع الصمت حشرجات صوت والدها وهو يحاول البدء بالحديث، ثم أخيرًا قال بصوت واضح: يا الله ... توقعت كل شيء إلا هذا.. قال عبارته اليتيمة وهو ينظر في الفراغ...
حمدت "فرح" الله في سرّها فقد توقعت ردة فعل أكثر خشونةً وسخطًا وتأنيبًا، أنزلت "فرح" عينيها للنظر إلى والدها كان جالسًا وكأنه قد مُني بهزيمة فادحة في معركته الكبرى، كأن هذه الهزيمة سحبت منكبيه العريضين إلى الأسفل، فبدى ضئيلًا خائر القوى ...وخزها ضميرها فقد بدت خيبة الأمل واضحة على وجه والدها...
عندما حاول الأب التحدث مرة أخرى قال لها: لكن ... لماذا؟
فرح وقد استعادت رباطة جأشها: أبي .. دعني أنا أسألك .. لماذا لم يسألني أحد عن رغبتي الحقيقية لاختيار التخصص؟ لماذا افترض الجميع أن الطب هو التخصص الأنسب لي؟ لماذا تظنون بأن الشرف والفخر والواجهة الاجتماعية المرموقة لا تتوافر إلا في تخصص الطب؟ ما ذنبي أني خُلقت أكبر الأحفاد في العائلة وجميع الآمال معلقة عليّ لمواصلة إرث العائلة الطبي ...
قاطعها الأب وقد أخذت نبرة صوته في العلو وحاجبيه في الارتفاع وعينيه في الاتساع: تساؤلاتكِ مردود عليها ...  لكن اسمحي لي أنا أن أسأل الآن ، أخبريني ماذا أخبر جدّكِ ؟ أن حفيدتك قررت التراجع؟ كيف سيتم تحديث صفحة جدّك في موقع الويكيبيديا بأن حفيدة الطبيب الأعرق والأول في البحرين تدرس حاليًا تخصص .... نعم صحيح أخبريني ما هو هذا التخصص الذي أثار شغفكِ وحرضكِ على عائلتكِ؟
فرح وقد تفاجأت بتغير سلوك والدها قال بصوت منخفض أقرب إلى الهمس: أريد ... أريد الالتحاق بكلية المعلمين..
هنا نهض الأب وهبّت فرح واقفة أيضًا ... اقترب الأب منها إلى درجة أنها استطاعت رؤية عرق الصدغ وهو ينبض ... أشار بيده المرتجفة على أذنه وقال بصوت مرتجف يتصنع الهدوء وقد كادت عيناه أن تخرج من محجريهما: لم أسمع ... لم أسمع ... لــ ... ــــــمممم.... أسسسسمع ؟
فرح وهي تحاول أن تبتلع بدايات البكاء التي تحاول العبور في رقبتها وقالت بثقة دون أن تطرف لها عين: أريد الالتحاق بكلية المعلمين...
التفت والدها عنها بسرعة شديدة ... كان يبحث عن شيءٍ ما .. شيء يصب عليه جام غضبه غير ابنته ... غير "فرح" فرحته الأولى ... وبحركة سريعة التقط كوب الشاي من على الأرض وقذفه بأقصى قوة على الجدار وخرج من الغرفة مخلفًا وراءه تيار هوائي قوي داعب عينا "فرح" فتحرر البكاء المخنوق وخرج على هيئة نحيب ممتزج بصراخٍ عالٍ.
-التشهد الأخير-
سمعت والدة "فرح" صوت الارتطام المدوي في الطابق السفلي وهي تقرأ التشهد الأخير لصلاة الفجر، سارعت إلى التسليم، فتحت باب الغرفة وهي تتمتم بالبسملة، لتجد والد "فرح" يدفعها جانبًا للدخول...
والدة فرح تضع يدها على صدرها وبأنفاس متلاهثة: عبدالله ... عبدالله ما لذي حصل؟
لم يرد والد "فرح"، ولم تنتظر الوالدة الردّ، خرجت مسرعة تنزل الدرج بخفة وسرعة وثوب الصلاة المورّد يتطاير خلفها ناثرًا زهورًا على عتبات السلّم...
 هكذا هنّ الأمهات خطواتهن ورود ... أصواتهن أذان ... قلوبهن بساتين ... أقدامهن جنّان ... وجوههن منارات ... كفوفهن شموس ... دعواتهن سحابٌ ثقال ....
دخلت والدة "فرح" غرفة التلفاز لتجد ابنتها جالسة على الأرض وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها، ودفنت رأسها في حضنها وهي تهتز من شدّة البكاء، جلست الأم على الأرض بقرب ابنتها، سحبتها إلى حضنها، غرقت "فرح" في بستان الورود وواصلت نوبة بكاءها، الأم تتلو أذكار ما بعد الصلاة وتمسح على رأس "فرح"، استغرقت نوبة البكاء ما يقارب الساعة ونصف، حتى انتهت باستغراق " فرح" في النوم، مددتها والدتها على الأرض ووضعت وسادة تحت رأسها، خلعت ثوب الصلاة وغطتها به...
كانت تعلم بأن امتحانات "فرح" لم تبدأ بعد وهي في فترة أسبوع الراحة الذي يسبق بدأ الامتحانات إلا أنها ذهبت إلى المطبخ للتأكد من جداولالامتحانات المعلقة على الثلاجة، مررت الوالدة أصابعها على الأوراق البيضاء جدول امتحانات "بدر" المثبت بمغناطيس على شعار نادي مانشستر يونايتد الرياضي ثم جدول " بشرى" المثبت بمغناطيس على شكل الجدول الدوري ثم جدول "فرح" المثبت بمغناطيس على شكل سبورة سوداء صغيرة مكتوب عليها الأحرف الأبجدية الأولى باللغة الانجليزية ... كانت خيوط الشمس الذهبية الرفيعة تزاحم أصابعها لتنبهها إلى حلول موعد استيقاظ "بشرى" و"بدر"، هرعت الأم مسرعة إلى الطابق العلوي لإيقاظهم.
كانت "بشرى" قد سبقت "بدر" بالنزول إلى الصالة لانتظار أبيهم لتوصيلهم إلى المدرسة وبعد محاولات مضنية من الأم نزل "بدر" وهو يتثاءب وأكمل نومه على الكرسي، نزلت الأم بعد نصف ساعة لتجد أن "بشرى" مستغرقة في مراجعة الأوراق و"بدر" مستغرق في النوم.. صاحت بهم: لماذا لا زلتم هنا؟ أين والدكم؟ ألم تمرّوا عليه للتأكد من استيقاظه؟
بشرى من غير اكتراث وعينيها لا زالت مثبتة على الأوراق: لا لم أمر عليه فـ"بدر" هو الذي نزل بعدي..
بدر: ....* صوت شخير خفيف *.....
صاحت الأم مرة أخرى وهي تهز "بدر" من كتفه: آآآه ... آآآه من انعدام حس المسؤولية لديكم ... يا الله ما لذي فعلته حتى لا أحظى بصباح هادئ مثل صباحات أولئك المتقاعدون من أعمالهم الذين نراهم في الأفلام والمسلسلات..
قالت جملتها الأخيرة وهي تصعد السلّم للمرة الثانية، وصلت إلى غرفتها لتجد أن زوجها مستغرق في النوم، كانت المرة الأولى التي يتخلف فيها عن الذهاب إلى عيادته منذ إجازة وفاة والدته، لم تستغرب فلا شك أن ما حصل مع "فرح" باكرًا لم يكن بالشيء الهيّن على الرغم من أنها لم تعرف ما لذي حصل على وجه التحديد، تركته نائمًا، وذهبت لتوصل أبنائها إلى المدرسة.
وصّلت "بدر" أولًا إلى مدرسته، وقبل أن ينزل من السيارة سألته إذا كان لديه قلم لحلّ الامتحان، قام بحركة بكتفيه تدل على أنه لا يعلم ونزل صافقًا الباب خلفه، تعوذت الأم من الشيطان الرجيم.
قبل أن تصل إلى مدرسة "بشرى" سألتها بهدوء: ألم تلاحظي أن "فرح" لم تكن نائمة في سريرها عندما استيقظتِ صباحًا؟
قالت بشرى بملل وعينيها لا زالت مثبتة على الأوراق: هممممم .... لا لم ألاحظ
الأم وهي تهزّ رأسها ضيقًا: أظن بأنك لا تلاحظين إلا النصف درجة التي تنقصينها في الامتحانات.
بشرى وقد تنبهت حواسها وتوجهت بكل جسدها إلى والدتها حتى كادت تحضنها: أمي ... أمي ... دعواتكِ لي ... لا تنسيني من دعاءك ... هذه النصف درجة إذا نقصتها ستكون نهاية مسيرتي في مجموع الـ 99% أظن بأني سأستنشق غاز أول أكسيد الكربون إذا نقصتها هذا الفصل....
الأم وهي تضحك: لن تنقصي النصف درجة ولن تنتهي مسيرتكِ في مجموع الـ 99% ولن تضطري لاستنشاق غاز أول أكسيد الكربون .. أدعو الله أن يوفقكِ ويسهل عليكِ الأسئلة ويثبت التكافؤات والمركبات في ذاكرتكِ...
بشرى وهي تفتح باب السيارة: آمين ... آمين .. شكرًا لدعواتكِ الصادقة يا أجمل أم...
عادت الأم أدراجها إلى البيت وقد قررت أن توقظ "فرح" لتعرف منها ما حصل بالتفصيل ...

-عناد وراثي-
دخلت الأم إلى حجرة التلفاز لتجد "فرح" لا تزال مستغرقة في نومٍ عميق، أيقظتها برفق، فتحت "فرح" عينيها، ابتسمت لها أمها وربتت على كتفها: لا بأس ... اذهبي للاغتسال الآن وسنتحدث لاحقًا..
نهضت "فرح" وصعدت إلى غرفتها، استرجعت المواجهة الدامية التي حصلت مع والدها، شعرت بأنها منهكة النفسية وخائرة القوى لا تقوى على متابعة جدول دراستها ولا ترغب في خوض نقاش اختيار التخصص مرة أخرى ولا تود القيام بأي شيء في الحقيقة، استلقت على السرير وأخذت تحدق في السقف، لا تعلم كم مضى من الوقت وهي على هذه الوضعية، دخلت والدتها إلى الغرفة، جلست على طرف السرير، قالت بحزم: انهضي يا "فرح".. عدلت "فرح" وضعية جلوسها .. استأنفت الأم حديثها بحزم أكبر: والآن يا عزيزتي أعتقد أن الوقت قد حان لتخبريني بما حصل اليوم مبكرًا مع أبيك...
ظلّت "فرح" تحدق في الفراغ وتيقنت الأم بأن حديث "فرح" لن يكون بالأمر السهل...
قالت الأم بهدوء: بعد ساعات قليلة سيستيقظ والدكِ وقطعًا لن يخبرني بما حصل من البداية، سيخيم جو التوتر على المنزل، وهو آخر الأجواء التي أرغب بتوفيرها في منزلنا في فترة الامتحانات، لذا فإن مصلحة المنزل تعتمد على حديثكِ الآن.
نظرت "فرح" إلى أمها بنظرة متوسلة والأم لا زالت ثابتة على نظرتها الحازمة، عرفت "فرح" بأنه لا فائدة من صمودها وتمنعها عن الحديث.زفرت "فرح" وبدأت تقصّ على والدتها ما حصل من لحظة التي أيقظها والدها إلى أن قام بقذف الكوب على الجدار.
استمعت الأم بإنصاتوبعد أن انتهت "فرح" ضحكت الأم وهي تصفق كفيها ببعضهم: لقد كبرتِ حقًا يا "فرح" لم أتوقع في يوم من الأيام أنكِ ستواجهين والدكِ بهذه الطريقة، وهي مواجهة ممتازة حتى يعلم والدكِ أنه ليس العنيد الوحيد في هذا المنزل ... لكن ليكون الله في عوني  على مزاج والدكِ المتعكر هذه الأيام. ضحكت الأم وابنتها..
الأم: ولكن كيف لم تصارحيني مطلقًا برغبتك بالدخول إلى كلية المعلمين مسبقًا؟
فرح: لم أكن أتجرأ على ذلك، ولم أرد أن أدخل في مواجهات مع أي أحد، ولم أرغب بأن تحدث مشادة وخصومات بين أفراد العائلة، لأني أعلم بحساسية هذا الموضوع، لكن لا أعلم ما لذي حرضني على ذلك اليوم فجرًا!!
الأم: اممممم ... هل هذه هي رغبتكِ الفعلية؟ هل أنتِ مستعدة لخوض هذه الرحلة المضنية؟ هل تعلمين بأن معدلكِ يؤهلكِ لدخول أي تخصص ترغبين به؟ هل تدركين بأن دخولكِ لكلية المعلمين سيحصرك في وظيفة التعليم فقط؟ هل أنتِ متأكدة بأنها ليست نزوة فترة الامتحانات المرهقة؟
فرح بيأس جليّ: نعم ... نعم يا أمي أعلم كل ذلك ولا أتخيل بأني سأنجح في أي تخصص أو وظيفة أخرى غير التعليم ... أنا متيقنة من ذلك قضيت حياتي بأكملها بمراقبة المعلمات  ... درست جاهدة للحصول على معدل أضمن من خلاله قبولي الحتمي في كلية المعلمين ... لكن ....
قاطعتها الأم: هل أنتِ واثقة تمامًا ومستعدة لتحمل تبعات قراركِ ؟؟
فرح: نعم ... ولكن ..
الأم: حسنًا إذا اتفقنا، أعلم بأن ما يخيفك هو ليس مستقبلكِ وتفوقكِ في الدراسة واتقانكِ لمهنة التعليم ولكن ردود أفعال العائلة، لا تخشي ذلك، سأقف في صفكِ وأدعمكِ دائمًا...
فرح وهي تتنهد بصوت عالٍ وقد علت وجهها تعابير الامتنان: تمامًا .. تمامًا هذا ما يقلقني يا أمي ...
الأم: سأناقش هذا الموضوع مع والدكِ لكن بعد فترة الامتحانات، وأرجو منكِ التوقف عن التفكير به والامتناع عن فتح هذا الموضوع معه مرة أخرى إلى حين الانتهاء من الامتحانات. ونعم ... أهلًا بك في السلك التعليمي .... قالتها وهي تبتسم ابتسامة رضا واسعة.
-إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون-
كانت الأم تواجه المرآة وهي تلبس أقراطها: لقد اتصلت بي "ليلى" موظفة الاستقبال في عيادتك تسأل فيما إذا كان يجب عليها تأجيل مواعيدك مع المرضى اليوم مساءً أم لا..
الأب في الخلفية على الكرسي ووجهه مغطى بالصحيفة: أرسلت لها رسالة نصية بتأجيل مواعيد اليوم بأكمله ... أرى أنكِ لم تسأليني عما حدث مع "فرح" مبكرًا اليوم!
الأم وهي تضع الكحل: أرى أنك لم تسألني عن من أوصل الأبناء إلى مدارسهم اليوم!
الأب وقد أنزل الصحيفة: حسنًا ... حسنًا .. أعلم بأنك تعلمين ما حدث، ما رأيك ها؟
الأم وقد جلست على الكرسي الآخر بجانب الأب: اتفقت مع "فرح" على مناقشة هذا الموضوع بعد امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول، الوقت غير مناسب الآن لرفع نسبة القلق والتوتر في المنزل...
الأب وقد طوى الصحيفة وقذفها على الطاولة بين الكرسين: ولكن .. لكن هل تستطيعين تخيل الموقف وأنا أبلغ أبي وإخوتي بهذا القرار المضحك، أخي "عبدالعزيز" انتهى من دراسة إنشاء المركز الطبي ومن ضمن التصور أن تتولى "فرح" قسم الجلدية، وأبي لا ينفك يسألني عن موعد ذهابنا إلى الاستديو لتصوير الصورة الجماعية مع "فرح" لنشرها في ملحق المتفوقين في الصحف المحلية... تصوري معي هذا الموقف المحرج...
الأم: طالما أنت مصر على مناقشة الموضوع، من أعطاكم حق تقرير مستقبل "فرح" دون استشارتها  أو إبلاغها حتى بهذا القرار؟؟!!!
الأب: لأن الموضوع غير قابل للنقاش أساسًا، نحن نحاول أن نبني إرث عائلي طبي، ولا أعتقد بأني أنا أو أي أحد من إخوتي قد تجرأ بمجرد التفكير بتخصص آخر بعد المكانة الاجتماعية التي أسسها لنا والدي أطال الله في عمره.
الأم: تمامًا، لم يسبق لأحد منكم مناقشة هذا الموضوع مع والدك، وطالما هو مؤسس هذا الإرث لنجعله هو الحكم.
الأب باستهزاء: حكم على ماذا؟ على تخصصها في التعليم؟ لو قالت بأنها تريد التخصص في الهندسة أو المحاماة أو حتى المحاسبة لكان الموضوع أخف وطأة على النفس، مدرسة؟؟ طالبة بمعدل فرح تتخصص في التدريس لماذا؟
الأم باستهزاء أكبر: يبدو أن خبرتك بالعالم الخارجي توقفت في ثمانينات القرن الماضي مع حصولك على الزمالة بالتحديد، إذا لم تكن تلاحظ، فالعالم قد تطور من حولك لم يعد الطب هو محور الكون ولقد انتهى عقد " الباش مهندس" وولّت حقبة "سعادة المحامي"، هذه الأفكار البالية قد أكل عليها الدهر وشرب... أضحت هناك تخصصات حديثة ومتطورة تقارع هذه التخصصات في أهميتها والطلب عليها ... ثم أخبرني يبدو أنك تناسيت من الذي أكسبك هذا العلم الذي تتفاخر به أنت وعائلتك، ألا تدين بالفضل لمعلميك في المراحل الدراسية المختلفة؟ ألم تفكر قط في أولئك الأطباء الذين تنازلوا على مهنة الطب وتفرغوا لتدرسيها لكم في المرحلة الجامعية؟
استشعر معي يا أبا بدر بأن "فرح" ستكون سبب من أسباب ارتقاء السلك التعليمي في البحرين، تخيل معي بأنها في المستقبل القريب ستبتكر طريق ونظريات تعليمية تُنسب إليها وتُعمم على مدارس المملكة لتطبيقها، تخيل مدى فخرك بها في تلك اللحظات، تأكد يا أبا بدر بأنها ستبدع في المجال الذي تحبه وتشغف به، لا في المجال الذي تُجبر عليه ويُفرض عليها...
سكت الأب وأخذ يبحث عما يتهرب به من الرد على الأم، تناول الصحيفة مرة أخرى، حاول تصنع قراءة خبر زواج إحدى المغنيات في الصفحة الأخيرة، لم يتمكن من ذلك، طوى الصحيفة مرة أخرى، التفت إلى الأم: يجب أن أفاتح أبي وأخي "عبدالعزيز" بهذا الموضوع قبل أن تقدم "فرح" أوراق التحاقها.
الأم: افعل ما شئت، لكن لا تدخل "فرح" في هذا الموضوع إلى حين عطلة الربيع، أما بخصوص تقديم أوراق الالتحاق، فبغض النظر عن نتيجة تشاوركم، ستتقدم "فرح" بأوراق قبولها في مختلف الجامعات كما هو العرف لخريجي الثانوي، ستتخذ بالأسباب وعلى الله التيسير... نعم وأرجوك أن تتعامل مع "فرح" بطريقة طبيعية، لا داعي لأن تزيد من حدة توترها في هذه الفترة...
الأب وهو يعبث بالهاتف: هممممم....


-قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي-
بعد صلاة الجمعة أخذت أسرة "فرح" طريقها إلى المخيم في منطقة الصخير، كانت هذه هي الجمعة الأولى من عطلة الربيع وعوضًا عن التجمع الأسبوعي في بيت الجدّ قررت العائلة الخروج في رحلة برّية، خاصةً وأن الجدّ قد خرج لتوه من المشفى بعد إجراءه للفحوصات الدورية...
بعد وجبة الغداء خرج الجميع من الخيمة للتمتع بالجو الربيعي ... الأطفال يلعبون بالرمل ... الجدّ يجلس في العريش وحوله أبناءه ... الفتيات في طريقهن إلى تسلق التلّة المطلة على المخيم... فجأة انطلقت موسيقى شاحنة المثلجات تعلن عن وصولها إلى المخيم ...هرع الأطفال مسرعين إلى آبائهم لأخذ المال .. وعادت الفتيات أدراجهن لشراء المثلجات ... غمز العم " عبدالعزيز " إلى أخيه " عبدالله" وإلى أخته " إيمان" .. هبّوا واقفين جميعًا .. نادت "إيمان" على "فرح": فرح ... فرح ... تعالي يا عزيزتي..
فرح وهي تغير اتجاهها من شاحنة المثلجات إلى عمتها وبأنفاس متقطعة: نعم عمة "إيمان"...
العمة وهي تربت على ظهر "فرح": تعالي يا عزيزتي أريد أن أتحدث معكِ قليلًا...
مشت "فرح" وعمتها إلى أن وصلوا إلى أبيها وعمها "عبدالعزيز" الذي رحّب بها: مرحبًا .. مرحبًا .. بالدكتورة "فرح"...
فرح وقد أصابها الوجوم وأخذت تنظر إلى أبيها الذي حوّل نظره عنها بمجرد التقاء عينيهما: أهلًا عمي...
العم وقد أخذ دور العمة في التربيت على كتفها: ما هذا الي سمعته أصحيح أنكِ لا ترغبين بالسير على خطى العائلة؟ أصحيح أنكِ تريدين إغضاب جدّك الطاعن في السن؟ أصحيح أنك ترغبين بأن تصبحي مدرسة؟
فرح وقد تملكتها حالة الجرأة التي اعترتها عند مواجهة أبيها الدامية قبل حوالي شهر: نعم أرغب بأن أكون مدرسة، لكن لا أرغب بإغضاب جدّي..
العم وهو يواصل تربيته: وكيف ذلك يا ابنة أخي؟ تعلمين بأن خبر كهذا سيصيب والدي بالصدمة، لن يقوى على تحمله.. لقد استثمر جميع أمواله في بناء المركز الطبي وخصص الجزء الأكبر منه لقسم الجلدية الذي سترأسينه بإذن الله ... ها يا "فرح"؟
فرح: ولكن يا عمّي، لماذا افترضتم ذلك ولم تسألوني عن رأيي ورغبتي وميولي؟
العمة وهي تغمز لأخيها "عبدالعزيز" وتدفع "فرح" بلطف من كتفها:تعالي يا عزيزتي... لنتمشّى قليلًا...
وابتعدت "فرح" والعمة "إيمان" عنهم...
التفت "عبدالعزيز" على أخيه "عبدالله": ما العمل الآن؟ هل هناك مجال لتغيير رأيها؟ أم يظهر أنها قد ورثت العناد منك؟ حسب تصوري الأولي للمركز الطبي، فإن المستشفى سيكون قائمًا على قسم الجلدية الذي سيدخل علينا المدخول الأكبر، من خبرتي مرضى الجهاز التنفسي ليسوا بالزبائن الدائمين كما هو الحال مع مدمني التجميل، أضحت عمليات النفخ والغرز والتكبير والتصغير والليزرهي الرائجة الآن، المزعج في الموضوع هو أن أيًا منا يستطيع القيام بهذه العمليات البسيطة ومن ثم تفويض إحدى الممرضات بها، لكن المجتمع الطبي لن يرحمنا، إذا انطلت الحيلة على المرضى أتوقع بأنناسنواجه مقاومة من زملاء المهنة ومن ثم تشهير إلى أن يصل الموضوع إلىجمعيةالأطباءوهيئة البحرين لتنظيم المهن الصحية وهنا سنواجه القضاء....
الأب وقد وضع يديه في جيبي سترته وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا: لا ... لا .. إلا سمعة الوالد لا نستطيع التضحية بها .. لنوجد حلًا غيره...
العم "عبدالعزيز": لو أنك أحكمت قبضتك على ابنتك لما كنا نناقش المسألة الآن من أساسها...
الأب وهو يحكّ رأسه: لنستعين بطبيب من خارج العائــ....
العم "عبدالعزيز" وهو يحرك أصابعه بحركة دائرية بالقرب من رأسه: هل جننت؟ هذا الطبيب الذي سنحضره سيقتسم معنا المدخول بالفلس ... لا .. لا .. أفضل أن يتم مقاضاتنا على أن ندخل في متاهات الأطباء الغرباء.
-غروب شمس ودفن أمنية-
في العريش جلست العمة " إيمان" مع ابنة أخيها "فرح" وهم يراقبون مغيب الشمس خلف التلال وقد اكتست السماء باللون الوردي يتخلله خصل بنفسجية من الغيوم..
العمة: اعلمي أن لكِ مطلق الحرية في اختيار التخصص، ولا يحق لأحد أن يجبرك على أي تخصص، وأرى أنك اخترتِ تخصص التدريس، لكن يبدو أن أحدًا لم ينبهكِ إلى عواقب هذا الخيار، ألم تخبركِ والدتكِ عن فساد مجتمع المعلمات على المستوى الشخصي...
فغرت "فرح" فاهها غير مصدقة لما تسمعه..
العمة وهي تكمل باستمتاع: نعم .. نعم غرف المعلمات عبارة عن أوكار للغيبة والنميمة والتآمر، أعلم بأنكِ نظرتِ إلى جانب حياة المعلمة في الفصل الدراسي فقط وقد بدى لكِ بأنه التخصص الأمثل والمهنة الأسمى، لكن هذه هي الحقيقة، حتى وإن نأيتِ بنفسكِ عن التحزبات، ستضطرين إلى الاستماع إلى هذه التفاهات حتى وإن لم تشاركي بها، ناهيكِ عن التطرق إلى بعض الأحاديث الخادشة للحياء، تخيلي نفسكِ وأنت تعايشين هذا الظروف يوميًا، هذا من جانب أما الجانب الآخر الأكثر عتمة هو المتطلبات الغامضة من إدارة المدرسة، فبغض النظر عن أدائكِ لمهامكِ ستظلين مقصرة، وأقصى فرصة للتطور هي الترقي لوظيفة المدرسة الأولى والحقيقة هي أنه مسمى لطيف للمهنة الحقيقة وهي "الخادمة الأولى" حيث ستوكل إليكِ أسوء وأصعب المهام دون مردود مادي يُذكر، أما إذا أردتِ التقدم إلى وظيفة المدير المساعد أو المدير، فالمتطلبات تعجيزية، من توثيق ورقي لمسيرتك المهنية وخوض امتحانات ومقابلات شخصية لا نهائية ... ثم مسألة الإجازات إذا الله بلغنا بزواجكِ لن تهنئي بحياتك إن لم يكن زوجكِ مدرس له نفس إجازاتكِ في الربيع والصيف، وقد لا تسمح ظروفكم بالسفر معًا في سفرة عائلية مطلقًا ... نعم وسترين أن من يتقدم للزواج بكِ سيتقدم إما طمعًا في راتبكِ أو رغبةً في أن تكون من يرتبط بها تعمل في وسط نسائي 100%  لن يتقدم لكِ حبًا في شخصيتكِ أو إعجابكِ بنسبكِ أو خلقكِ ... أما إذا تم توظيفكِ لتدريس المرحلة الابتدائية فستصابين بالأمراض التي تصيب الأطفال دوريًا من حمى والتهابات وفيروسات خصوصًا وأن مناعتهم قليلة في هذه المرحلة العمرية .. بالتأكيد أنا لا أعمم الوضع على جميع المدرسات... نصيحتي لكِ يا عزيزتي أن لا تنخدعي بالمظاهر فكري بالمهنة التي تريدين ربط نفسكِ بها طوال حياتك.. وطبعًا لكل مهنة سلبيات وإيجابيات لكن وجدت إندفاعكِيستدعيالتنبيه..
واصلت "فرح" تأملها في السماء التي شارفت على الاسوداد .. سالت من طرف عينها دمعة لا إراديًا ... أحست برغبة في الاستفراغ ... شعرت بالخواء ...  أصابتها رعشة خفيفة ... نزعت عمتها "إيمان" عن كتفها شال الصوف البني وغطّت به ظهر ابنة أخيها ... منحتها دفء مؤقت وسلبت منها أمنية الطفولة..
-م. فرح-
في صباح اليوم الذي يليه بينما كانت "فرح" تجلس مع والديها على مائدة الطعام لتناول طعام الإفطار حيث أن  "بشرى" و"بدر" لا زالا نائمين ... كان نظر "فرح" مركز على طبق والدها وهو يقطع البيضة من المنتصف وعندما سال صفارها رفعت نظرها إلى والدها، قررت أن تراه في عينيه هذه المرة: حسنًا يا أبي، لن ألتحق بكلية المعلمين، قررت أن ألتحق بكلية الهندسة ... لم يكن لدى "فرح" ما تخسره إلى درجة أنه لو طلب منها والدها الالتحاق بكلية الطب في تلك اللحظة فستلبي طلبه ...
الأب وهو يترك الشوكة والسكين ويرفع يديه في الهواء: الحمدلله ... الحمدلله ... بارك الله فيكِ يا ابنتي ... لن أجبركِ على تخصص الطب ما دامت الهندسة هي رغبتك...
كانت الأم على وشك أن ترتشف الشاي، إلا أنها أنزلت الكوب سريعًا ونظرت إلى "فرح"، سارعت "فرح": لا بأس يا أمي أصبحت هذه هي رغبتي الآن، يبدو أن شغفي بالتدريس كان نزوة فترة الامتحانات العصيبة كما قلتِ وقد زالت هذه النزوة الآن، شكرًا لإيمانكِ بي وبرغباتي في جميع الأحوال، ابتسمت ابتسامة خفيفة لأمها وواصلت فرد المربى على قطعة الخبز.
فرغ الأب من طعامه مسرعًا وخرج من غرفة الطعام، توجه إلى هاتفه مسرعًا واتصل بأخيه "عبدالعزيز"، سمعت "فرح" كلمات متفرقة ... نعم نعم ستتولى فرح مهمة الإشراف على البناء ... لا حاجة لمقابلة المهندس الآسيوي ... أنا سأخبر والدي .. أبلغ أنت "إيمان"...
الأم بصوت أقرب إلى الهمس: ما لذي غير رأيكِ يا ابنتي؟ هل هي عمتكِ رأيتكم بالأمس وأنتم تتحدثون طويلًا؟ أخبريني ما لذي حصل؟ ما الشيء الذي قالته لكِ؟
فرح وهي تحاول تصطنع الرضا: لا يا أمي، عمتي لا دخل لها، فقط شعرت بأني سأبلي بلاءً حسنًا في تخصص الهندسة المدنية حيث أن جزء كبير منه يعتمد على الرياضيات التي أحبها..
الأم وهي تنظر إليها متشككة: حسنًا، ما دامت هذه هي رغبتكِ.
-أول يوم عمل-
وقفت "فرح" أمام المرآة للتأكد من مظهرها قبل الذهاب إلى الوزارة، حيث أن اليوم هو أول يوم عمل لها، نظرت إلى قصاصة الصحيفة المعلقة على المرآة، كان جدّها يتوسط الصورة وعلى يمينه توجد فرح تليها والدتها وعلى اليسار والدها، على زاوية الصورة يوجد شريط أحمر مكتوب عليه 98.2% وتحت الصورة كُتب " المهندسة فرح تفرح عائلتها بالمركز الأول على مستوى المدرسة"، ترحّمت "فرح" على جدّها الذي توفاه الله وهي في سنتها الجامعية الثانية بسكتة قلبية.
لم تنم "فرح" في الليلة السابقة، كانت تفكر بما ستواجهه غدًا في العمل..
 من هم زملاء عملها؟
هل سيكون مكتبها من مثل مكاتب المعلمات التي صورتها لها عمتها؟
هل سيلبي العمل مستوى طموحها؟
 هل ستحصل فيه على السلوى عن رغبتها الحقيقية؟
هل سيتقبلونها في العمل أم سيحيكون حولها المؤامرات؟
هل سيكون مسؤولها في العمل مثل أولئك الذين تسمع عنهم ممن حولها ممن يرفضون إجازات موظفيهم وينسون ترقياتهم ويتغافلون عن تعليم الموظفين الجدد المهام؟
العجيب بأنها لم تفكر في أي فكرة إيجابية عن العمل، لم تفكر في احتمال آخر غير الاحتمال السيء، آذت "فرح" نفسها بنفسها من هذه الأفكار والوساوس، وغوّلت أول يوم عمل حتى جعلته  يهجم عليها ويؤدي بها إلى الأرق. ربما حماسها الوحيد كان في كونها قد قضت ما يقارب السنة في المنزل دون عمل، وقد ضاقت بهذا الوضع، لذا كانت تتحرّق شوقًا إلى ملئ وقت فراغها وترتيب جدول حياتها وتوقيت يومها بصورة منظمة.
أوقفت "فرح" سيارتها في مواقف سيارات المراجعين حيث لم تكن متأكدة من استحقاقها لموقف في مواقف الموظفين، عندما نزلت من السيارة أصابتها غصّة لا شعورية واختنق البكاء في صدرها، غصة كتلك الغصّة التي أصابتها في أول يوم في المدرسة الابتدائية وفي أول يوم في المدرسة الاعدادية وفي أول يوم في المدرسة الثانوية وفي أول يوم جامعي وفي أول يوم دوام دراسي بعد كل عطلة صيف أو ربيع وربما عطلة عيد طويلة، غصّة كتلك التي أصابتها يوم قررت مكاشفة أمنيتها الحقيقية لوالدها، غصّة كتلك التي أصابتها يوم صارحتها عمتها بما يحدث في كواليس المدراس، غصّة كتلك التي أصابتها يوم وفاة جدّها، غصّة كتلك التي أصابتها يوم قرر عمها وأبيها إلغاء مشروع المركز الطبي الذي كان حلم جدّها الأعظم، غصّة كتلك التي أصابتها يوم انقطعت جمعة بيت جدّها الأسبوعية، غصّة كتلك التي أصابتها يوم بيع منزل جدّها، المنزل الذي يؤرخ حياتها كاملة، المنزل الذي لطالما اعتدّت بموقعه الاستراتيجي لإحياء جميع المناسبات ودعت صديقاتها لمشاركتها الفرحة فيه، المنزل الذي ظلّ يجمع ولكنه يوم أُغلق أمسى يفرّق.
حبست غصّتها وذكّرت نفسها بأنها لم تعد تلك الطالبة التي إذا بكت ستحتويها مدرساتها، أو إذا مرضت ستأتي والدتها لأخذها من المدرسة، أو إذا استصعب عليها أمر ستطلب المعونة من صديقاتها، توكلت على الله ودخلت بثقة، أنهت إجراءاتها مع قسم الموارد البشرية وتوجهت إلى إدارتها في الطابق الخامس.
بعكس توقعاتها كان الوضع أفضل من المتوقع فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، فالموظفين متعاونين، وبعد فترة تعرّفت على التحزبات الموجودة لكنها استطاعت النأي بنفسها عن الاحياز إلى أي منهم الأمر الذي أدى إلى ابتعادها قليلًا عن الدخول في صداقات وثيقة، كانت تقوم بعملها بجدّ لكن برتابة ... بإتقان لكن من غير إبداع ... بالتزام لكن من غير شغف. لم يكن يعجبها الفراغ اليومي الذي تعيشه بعد انتهاء فترة الدوام في الساعة 2:15 وقت انتهاء الدوام الحكومي، كم أنها لم تعتد على الفراغ بعد الحياة الدراسية الحافلة التي عاشتها...
-رد الجميل-
في أماكن العمل حتى وإن نجحت في ضرب جذورك في منطقة الحياد وسط الأحزاب المحيطة بك، ستجد أن جذورك تشق طريقها بين التراب والصخور لأحد هذه الأحزاب رغمًا عنك...
هذا ما حصل مع "فرح"، فبالرغم من أنها قد وُفقت إلى حد كبير في ضرب جذورها في منطقة الحياد تمامًا، إلا أن جذورها خرجت عن طوعها ذات صيف.
بينما كانت تنتظر عند الآلة الطابعة لاكتمال طباعة الأوراق، سمعت زميلتها "شيماء" والتي تكبرها بحوالي خمس عشرة سنة تتحدث بانفعال على الهاتف مع زوجها:
شيماء وهي تشير بيدها: أحمد يجب أن تأخذ "ريم" إلى المعهد الساعة الواحدة ظهرًا .. لا لن أتمكن من الاستئذان للخروج ... أحمد هذه هي فرصتها الأخيرة للنجاح في الدور الثاني وإلا ستعيد السنة  وسيتأخر تخرجها سنة كاملة... أحمد ما المهم في الذهاب إلى الحلّاق في هذه الساعة؟ لا .. لااا ... لا .. لا .. أحمد ... أحــ... نعم لا .. الساعة الواحدة ... تعلم بأنها تستثقل الرياضيات فما بالك بالتفاضل والتكامل .. ولماذا أنا التي يُفترض أنها أدرسها؟ لطالما تشعر أن المعاهد لا تنفع تفضل بتدرسيها أنت .. آآها نعم الآن أصبح من واجبي....
عند تلك النقطة من الجدال العقيم تنبهت "شيماء" إلى وجود "فرح" بالقرب من الآلة الطابعة، فسارعت إلى انهاء المكالمة بصوت أقرب للهمس: سأتصل بسائق والدتي ليأخذها إلى المعهد .. وأغلقت الهاتف وألقته على الطاولة بقوة..
كانت الطابعة قد أنهت وظيفتها الرتيبة.. خطفت "فرح" الأوراق ورجعت إلى مكتبها .. ألقت نفسها على الكرسي .. وأخذت تحدق في شاشة الحاسوب أمامها ... حاولت أن تتذكر المرة الأخيرة التي راودها هذا الشعور فيها ... لماذا الآن؟ ما لذي حفزه على الظهور؟
ذات غروب وفي المرة الأخيرة التي راودها هذا الشعور فيها، كانت قد ودعته و سارعت إلى التخلص النهائي منه بدفنه وبناء جبل على قبره كشاهد عليه .. فكرت قليلًا ربما أخطأت في بناء الجبل عليه، ربما كان من المفترض أن تتركه دون شاهد ودليل حتى لا تهتدي إليه يومًا ما، ولا يتسلل إليها هو ويستولي عليها...
كانت أمنية الطفولة تتجسد أمام عينيها بوضوح ونقاء شديدين، تمامًا كما كانت تتمناها قبل أن تُشوه وتبهت وتتداخل معها أمانٍ أخرى مزيفة حتى فقدت رونقها واضطرت "فرح" إلى دفنها في تلك البقعة في منطقة الصخير في نفس اللحظة ...
شعرت بحنين قديم ... حنين عظيم إلى مهنة التدريس .. أحست بدفء يتسلل إلى قلبها وينتشر في جسدها مع كل ضخّة دم ... أحاسيس دافئة تتصارع للظهور ... الحياة جميلة ... المستقبل مشرق ... الناس طيبون ... طاقة هائلة بُثت في جسمها دفعتها إلى الوقوف لا شعوريًا ... لم تكن تدري ما لذي كانت تفعله على وجه التحديد ... كأن هذه الطاقة قد ألبستها لجامًا وأضحت تقودها رغمًا عليها لتجد نفسها تقفعند مكتب "شيماء"ولا شعوريًا انطلقت الكلمات من فمها كسيل جارف: شيماء ... أرغب بتدريس ابنتك مقرر التفاضل والتكامل أحضريها إلى منزلي اليوم الساعة السادسةمساءً .. سأرسل لك موقع منزلنا على "الواتس أب" ...
قالت جملتها هذه بنفس واحد ثم استدارت عائدة، لكن ما لبثت أن رجعت مرة أخرى: نعم ومتأسفة لأني استمعت إلى مكالمتكِ مع وزجكِ عن غير قصد بالطبع.. واستدارت مرة أخرى.
دُهشت "شيماء" ولم تستوعب ما قيل لها للتو، نهضت من مكتبها وذهبت إلى "فرح" وبتشكك قالت:
هل أنتِ جادة يا "فرح"؟
فرح بابتسامة عريضة: نعم .. نعم جادّة تمامًا ... فقط أحضريها إليّ وسأتولى تدريسها..
شيماء ولا زالت تعابير الشكّ تعلو وجهها: عذرًا .. لكن ما هي خبرتكِ في التدريس حتى تجازفي بتقديم هذا العرض لتدريس طالبة لديها امتحانات دور ثاني في السنة الأخيرة للمرحلة الثانوية وتتحملي نتيجة امتحاناتها ... أود أن أخبركِ بأن الوضع على المحك..
فرح وهي تضم يديها إلى صدرها: مستعدة تمامًا لتحمل النتيجة ولخوض هذا المحك معها ..امممم ولكن ليطمئن قلبكِ دعيها تذهب إلى المعهد الآن، و أحضريها لي الساعة السادسة ولتحكم هي بنفسها على المكان الأنسب لها...
شيماء وقد زادت شكوكها: حسنًا .. سنرى ..
بعد أن هدأالإعصارالهائجالذيعصفبـ"فرح" بدأت الشكوك تتسلل إلى نفسها عن الفعل الذي أقدمت عليه .. ربما تهورت في عرض خدماتها ... ربما أصاب العطبمَلَكَة التدريس لديها وضرب الصدأ قدرتها على إيصال المعلومة بسهولة ويُسر .. ربما أمست لا تصلح للتدريس ... ربما خمل عقلها عن العمليات الرياضية والأرقام والأعداد ... ذكّرت نفسها بأن المكالمة التي استمعت إليها لم تكن هي السبب الوحيد الذي دعاها إلى عرض خدماتها على "شيماء" ... كانت تدين بفضل سابق إليها .. ففي اليوم الأول لـ"فرح" في العمل .. كانت "شيماء" هي الموظفة الأولى التي بادرت لإرشادها إلى مكان الصلاة ودورة المياه والمطبخ على الرغم من أنها لم تكن زميلتها في نفس القسم أو مشرفتها المباشرة .. كانت الموظفة الأولى التي أعطت "فرح" قنينة ماء وصنعت لها شاي الصباح ... وبعد أن انتهت من كل ذلك ربتت على كتفها وطلبت منها التوجه إليها إذا احتاجت لأي مساعدة، كانت هذه الطبطبة المؤازِرة اليتيمة بمثابة السدّ في نهاية مجرى الدمع ... بمثابة الشمس التي جففت الدموع في مجاريها ... بمثابة الشجرة التي نبتت على قلبها لتظلله ... بمثابة الزهور التي انبثقت عن مكتبها لتضفي روحًا على المكان ...
في نظر البعض ربما العمل الذي قامت به "شيماء" عمل بسيط، ربما "شيماء" ذاتها لم تشعر بأهميته وهي تقوم به، لكن "فرح" شعرت بالامتنان الشديد لكل كلمة قالتها "شيماء" وبالفضل والدَينعلىكلفعل قامت به، أيقنت "فرح" بعد أن شهدت الأيام الأولى في العمل للعديد من الموظفين الذين توظفوا بعدها وطريقة تعامل الموظفين القدامى معهم، أن العمل الذي قامت به "شيماء" هو عمل يتطلب روح المبادرة وحسّ الأخوة وصدق العاطفةوربما التنازل أيضًا عن الالتفات إلى المنصب الوظيفي الذي يشغله الفرد وإلى العائلة التي ينحدر منها الموظف الجديد ... أدركت "فرح" أن صنم التعصب القبلي الذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليهدمه قبل ألف وأربعمائة سنة أمسى يُبنى الآن من جديد في أروقة بعض جهات العمل بل ويُسجد له مع بصمة الحضور والانصراف ويُتبَرَك به في منتصف الدوام.
كانت هذه الذكرى البسيطة قد أعادت لـ "فرح" ثقتها بالعرض الذي قدمته، فسارعت إلى البحث عن كتاب مقرر التفاضل والتكامل الخاص بالمرحلة الثانوية على الانترنت وتنزيله لمراجعته قبل حلول موعد قدوم "ريم" إلى منزلها.
- درس خصوصي-
على وجبة الغداء جلست كل من "فرح" وأمها وأبيها و"بدر" الذي وصل للتو من المدرسة أما "بشرى" فكانت لا تزال في الجامعة حيث أن حصص المختبرات لمواد الكيمياء والتشريح في جامعة الخليج العربي تبدأ بعد الساعة الثانية ظهرًا، كانت "بشرى" هي التي حققت رغبة جدّها الصادقة في الحصول على بعثة وزارة التربية والتعليم وفي الالتحاق بتخصص الطب ... كانت "بشرى" هي التي حققت رغبة عمها "عبدالعزيز" التجارية ... ورغبة عمتها "إيمان" العنصرية ... ورغبة والدها القبلية ... ورغبتها الحقيقية ... حققت هذه الرغبات دون خوض صراعات والدخول في مواجهات والقتال في معارك والخروج في غزوات ... حققت هذه الرغبات دون تلفيق الحقائق ونشر الأكاذيب والتقول على الغير... حققت هذه الرغبات بهدوء دون صخب وجلبة ... حققت هذه الرغبات دون احتفاء يُذكر ... تحقيق هذه الرغبات جاء بعد فوات الأوان، لم يحفل أحد بتخرجها ولا بحصولها على البعثة، ربما كانت الصحف هي التي احتفت فيها أكثر من عائلتها كوريثة لأول طبيب بحريني...
بعد أن فرغت "فرح" من الأكل، قالت لوالدتها بوضوح وبساطة بأن ابنة زميلتها في العمل ستأتيها اليوم حتى تدرسّها مادة الرياضيات وبأن غرفة المجلس ستكون مشغولة من الساعة السادسة مساءً، استغربت الأم من هذه الزيارة الغريبة لكنها لم ترغب بمناقشة "فرح" أما الأب فلا يبدو بأنه استمع إلى ما قالته، فقد كان يرجع من عيادته كل يوم ظهرًا وكأنه قد مُني بخسارة في معركةٍ ما، لا رغبة له في الأكل أو الحديث أو الخروج من المنزل، كان يخرج إلى المسجد والعيادة فقط، فبعد وفاة أبيه وبيع المنزل الكبير، أُلغي مشروع المركز الطبي المفترض إقامته، كان هذا المشروع هو المستقبل بالنسبة للأب، ومع كل هذه الأحداث التي مرّ بها، استسلم وأضحى بلا رغبة في الحياة بأكملها، وكانت والدة "فرح" تحمد الله في سرّها أنه لا زال يمارس مهنة الطب، كانت تعلم بأنه يدفن حزنه في عمله، وقد حاولت مرارًا أن تدفعه إلى زيارة أخيه فهو الأكبر في نهاية المطاف إلا أنه كان يرفض نقاش هذا الموضوع حتى، كان يشعر بالخيانة والغدر، فقد ضحّى وتنازل كثيرًا في سبيل تحويل هذا المشروع إلى حقيقة ولم يكن هدفه المال أبدًا، كان يسعى وراء تخليد اسم والده وبناء صرح يليق بالمكانة التي أسسها إلا أن أخيه كان يرى في هذا المركز نبع أموال ومصدر دخل جديد، وعندوفاة والده وجد أن نصيبه من الإرث سيغنيه عن التعب والجهد الذي سيضعه في هذا المشروع ففضل راحته الفردية على التعب الجماعي وفضّ "عبدالعزيز" المشروع وانفضت معه روح "عبدالله"، أما أختهم "إيمان" فقد حاولت في بادئ الأمر التدخل لإصلاح العلاقات إلا أن عناد أخويها الشديد أدى بها هي الأخرى إلى الاستسلام والتركيز على عملها فقد تم ترقيتها قبل وفاة والدها بقليل إلى منصب رئيس قسم التمريض بمجمع السلمانية الطبي، أما نصيبها في الإرث فقد خصصته لرسوم تسجيل الجامعة لابنها الأكبر في تخصص المحاسبة في بريطانيا.
ذهبت "فرح" إلى المخزن وأخرجت السبورة التي اقتناها لها والديها مع دخولها إلى الصف الأول الابتدائي، كانت سبورة خشبية ذات وجهين الأول أبيض والثاني أسود ولها قاعدتين بحيث تكون في مستوى طول طفل في الابتدائي أما الآن فهي تصل إلى كوع "فرح"، حملتها إلى المجلس وشرعت في تنظيفها كان السبورة السوداء نظيفة تمامًا، أما السبورة البيضاء فقد كانت مقسمة إلى قسمين في بداية القسم الأول مكتوب اسم "فرح" وفي بداية القسم الثاني مكتوب اسم "بشرى" وتحت كل اسم يوجد جدول لعبة " اسم .. حيوان .. جماد .. " والنتائج تظهر أن "فرح" كانت متقدمة على أختها، ابتسمت وهي تتذكر طفولتهم وعلاقتهم الوطيدة حينها... مسحت هذه الذكريات بمنشفة مبللة، وجلست بانتظار اتصال قدوم "شيماء"، كانت الساعة قد تجاوزت السادسة مساءً بخمس دقائق فأخذ الشك يتسلل إليها وقبل أن تستسلم إليه رنّ هاتفها، أجابت وإذا بـ"شيماء" تخبرها بأنها قد وصلت وهي في الخارج، أغلقت الهاتف وفتحت لها الباب مسرعة...
لم تكن تعلم في تلك اللحظة بأنها فتحت باب المنزل وفُتحت لها معه أبواب السماء بماءٍ منهمر، لم تكن تعلمبأنهافي تلك اللحظة قد فتحت باب المنزل وافتتحت معه حقبة زمنية مباركة سرمدية على هذا المنزل الذي عانى طويلًا من الخيبات والجمود والبرد والخواء والحزن واللاجدوى والانعزال والفقد، لم تكن تعلم بأنها في تلك اللحظة قد نبشت قبر أمنية الطفولة المدفونة في الصخير.
استقبلت "ريم" و"شيماء" بترحاب دافئ ودعتهم للجلوس ... دردشت مع "ريم" قليلًا وتحاشت سؤالها عن سبب رسوبها أو عن طريقة معلمة الرياضيات في التدريس ... ضحكت في سرّها على أسلوب "ريم" المتمرد والهجومي في الحديث ... تذكرت مراهقتها لم تكن تشبه "ريم" في حينها ... التفتت إلى "شيماء" وقالت وهي تبتسم:سنبدأ الآن، بإمكانكِ الانصراف والحضور بعد ساعتين، إلا إذا كنتِ تفضلين الاستماع إلى درس الرياضيات..
شيماء وهي تبتسم بتشكك: سأبقى قليلًا ثم سأنصرف.
وقفت "فرح" بشموخ واتجهت إلى السبورة ... التقطت القلم بحبّ ... وشرعت بشرح قواعد الاشتقاق ... كانت تلتفت إلى "ريم" من فترة إلى أخرى لتجد أنها ترمقها بنظرات حقد .. لم تأبه ... واصلت الشرح وبعد مرور عشرين دقيقة شعرت بأنها لم تستطع جذب انتباه "ريم" التي كانت تسترق لحظات التفات "فرح" على السبورة للنظر إلى هاتفها ... فورًا نادت "ريم" ودعتها إلى الجلوس على الأرض بقرب الطاولة في منتصف المجلس وجلست هي على الطرف المقابل لها ... أخذت تشرح من البداية لكن على أوراق وحاولت أن تشرك "ريم" في الشرح أكثر ... كانت تسألها و"ريم" تجيب لكن بتردد كبير ... شجعتها "فرح" وأكدت لها أنه لا بأس في الخطأ البأس كل البأس في السكوت عن عدم فهم المعلومة ... تشجعت "ريم" أكثر وبدأت تسأل عن بعض القواعد التي تجدها غير منطقية في الاشتقاق و"فرح" تجيب بطريقة مبسطة واضحة ... وجدت "فرح" أن ما كان يعيق "ريم" في الحقيقة عن استيعاب المادة لم يكن قصور في عقلها بل كرهها لعدم معرفة أصل القاعدة التي فُرضت عليها ... طبيعة "ريم" المستهترة لم تكن تعبأ بذلك بالإضافة إلى مكابرتها التي منعتها من السؤال والاستفسار أدى ذلك إلى كله إلى رسوبها ... مرّت الساعتان سريعًا ... لم تكن "شيماء" قد انصرفت خلالها..
فرح وهي ترتب الأوراق وتعطيها لـ"ريم": لقد انتهينا لليوم، أتمنى أن يكون المقرر قد اتضح لكِ قليلًا .. وإذا رغبتِ بإمكانكِ الحضور غدًا لاستكمال باقي المقرر...
"ريم" وقد أمست أكثر لباقةً في ردّها: نعم واضح .. شكرًا لكِ ... كانت تنظر إلى "فرح" وكأنها ترغب بقول المزيد لكنها التفتت إلى والدتها وقالت لها سأنتظركِ في السيارة...
ابتسمت "فرح" وعلم  أنها كانت تريد أن تشكرها أكثر، لكنها كانت محرجة ربما من والدتها أو من فظاظتهافي معاملة "فرح" في بداية اللقاء.
بعد خروج "ريم" التفتت "شيماء" إلى "فرح" وقد حلّت تعابير الامتنان مكان تعابير الشك .. أمسكت بيد "ريم": لا أعلم كيف أشكركِ .. لم أرَ "ريم" قط بهذه الجدّية والاهتمام في الدراسة .. أسئلتها العديدة أفرحتني وإجاباتك البسيطة أثلجت صدري ... أشكركِ من الأعماق ..
قاطعتها "فرح": أنا التي أشكرك على بعث هذه الأمنية من مرقدها ... والأهم من ذلك هو أن مؤشر نجاحي هو "ريم" إذا رغبت بالحضور غدًا لاستكمال ما بدأناه سأسجل هذا اليوم كتاريخ انتصار لي...
ضحكت "شيماء": أترقب حكاية بعث الأمنية هذه غدًا في العمل ... شكرًا مرة أخرى وإلى اللقاء...
أوصلتها "فرح" إلى الباب وقبل أن تخرج "ِشيماء" التفتت إليها وقالت لها وهي تضحك: سامحتكِ على استماعكِ لمكالمتي مع زوجي عن طريق الخطأ بالطبع...
ضحكت "فرح" وأغلقت الباب ... استندت عليه ورفعت نظرها إلى السماء بامتنان شديد وحمدت الله في سرّها على هذا الدفء الذي عاد يسري في جسدها..


- فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ-
وفي اليوم التالي قصّت "فرح" قصة اختيارها للتخصص على "شيماء" التي كانت تستمع بإنصات شديد، وأول ما دار بخلدها هي ابنتها "ريم" وفكّرت بأنها لا تريد أن تخضعها للظروف التي مرّت فيها "فرح"، كان من الجيد للأم أن تستمع إلى وجهة نظر الأبناء في اختيار التخصصات الجامعية...
داومت "ريم" على الحضور إلى منزل "فرح" في الأيام التالية ... توطدت العلاقة بينهم ... سقطت الحواجز التي كانت تفصلهم ... حكت "ريم" مشاعرها كلها لـ "فرح" .. أخبرتها عن سبب رسوبها الحقيقي الذي كان كما توقعته "فرح" ... قدّمت "ريم" امتحان الدور الثاني ... لم تكن واثقة مما قدمته ... "فرح" كانت تستخدم "تويتر" في تلك الفترة لمتابعة حساب وزارة التربية والتعليم فقط للتأكد من موعد نزول الدرجات ... "شيماء" تحاول بثّ الطمأنينة في نفسيهما لكنها هي الأخرى هجم عليها الأرق في آخر يومين قبل ظهور النتائج ... في صبيحة يوم النتائج وبينما كانت "شيماء" قد جلست للتو على مكتبها.. رن هاتفها وإذا برقم المدرسة ... كانت المشرفة الاجتماعية تهنئ "شيماء" وتبلغها بنجاح "ريم" في المقرر بدرجة 79% وهي تعرب عن دهشتها من هذا الارتفاع المفاجئ في درجة "ريم" ... أكدت لها "شيماء" بأن الله أنعم عليهم بمعلمة رياضيات متميزة استطاعت معرفة مفتاح "ريم" ... قبل أن تبلغ "ريم" بالخبر ذهبت إلى "فرح" واحتضنتها طويلًا..
بعد مرور أسبوعين على النتائج، قالت "شيماء" لـ"فرح" أن ابنة أختهاقد أخذت مقرر التفاضل والتكامل في الفصل الصيفي في جامعة البحرين وبأنها تبحث عن معهد لتدرسيها وقد اقترحت عليها أن تأتي إليها، رحبت "فرح" بالفكرة كثيرًا لكن "شيماء" استوقفتها وسألتها: لا بد أن تحددي رسوم الساعة الواحدة للدرس..
فرح وقد امتعضت: ماذا؟ رسوم ماذا؟
شيماء وهي تهز رأسها للتأكيد: رسوم التدريس، هل تريدين أن تواصلي إعطاء الدروس المجانية؟ على حد علمي أنك لست بجمعية خيرية..
فرح: نعم لست جمعية خيرية ولا أفكر بأخذ رسوم حاليًا، فقط أعطيني رقمها وسأتواصل معها...
شيماء وهي تهز رأسها يائسة: حسنًا ... سنرى بهذا الشأن لاحقًا...
بدأت "فرح" بتدريس ابنة أخت "شيماء"  وما لبثت المجموعة أن توسعت لتشمل صديقاتها الخمس، ثم أخذن الإذن في تحميل ملخصاتها على منتديات جامعة البحرين باسمها ... انتشرت ملخصاتها بسرعة البرق بين طلبة الجامعة ... كانت تزور المنتدى بين فترة وأخرى لتطلع على التعليقات على الملخصات، وجدت أن الغالبية تطالب بتلخيصات مقررات الرياضيات التخصصية المتقدمة للمستوى الثالث والرابع...
أخيرًا ...  نامت "فرح" جيدًا بعد شعور الرضا الذي غمرها ...  نامت "فرح" جيدًا بعد احساس الجدوى من العمل الذي تقوم به ... نامت "فرح" جيدًا بعد التماس نتائج جهودها ... نامت "فرح" جيدًا بعد أن عبرت أمنيتها على السراط إلى الجنة.
- أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً -
في نهاية ذلك الصيف، قررت أسرة "فرح" السفر في إجازة قصيرة إلى الأردن .. كانت فرصة للم الشمل الأسرة من جديد ومحاولة لإخراج أبيها من الجو الذي أدخل نفسه فيه منذ وفاة والده وصدامه مع أخيه ... كانت هذه الإجازة ...
 فرصة للتغيير ... تغيير موعد الاستيقاظ ... تغير ساعة المنبه ... تغيير مكان النوم ... تغيير نظام الأكل ... تغيير طريقة اللباس ...
 فرصة للمراجعة ... مراجعة النفس ... مراجعة العلاقات ... مراجعة التصرفات ... مراجعة الأولويات ... مراجعة الاهتمامات ...
 فرصة للتأمل... التأمل في زرقة السماء ... التأمل في بياض السحاب ... التأمل في جناحي الطير ... التأمل في جذوع الشجر ... التأمل فيحيوات البشر ..
فرصة للاستشعار ... استشعار تبدل الأحوال ... استشعار النعم المألوفة ... استشعار الحبّ ... استشعارضآلة وجودنا ... استشعار وجود شعوب وقبائل أخرى كثيرةقد تكفل الرازق برزقهم...
فرصة للاستعراض ... استعراض مجرى الحياة ... استعراض التغيير الذي طرأ على "فرح " ... استشعار التغيير الذي طرأ على أفراد أسرتها ... استعراض تسخير الله الارشاد للبشر في بشر ... استعراض أن الحياة لا تستقيم بالوحدة...
انتهزت "فرح" كل هذه الفرص خلال رحلتهم وهي تضع سماعات الأذنين وتنظر من خلال زجاج نوافذ الطائرة والحافلة والسيارة ... تنظر إلى انعكاس شكلها على زجاج النافذة ... تنظر إلى البتراء ... تنظر إلى البحر الميت ... تنظر إلى تلاع العلي ... تنظر إلى دوار عبدون ... تنظر إلى قلعة عجلون ... تنظر إلى وادي رم ... تنظر إلى جرش ... تنظر إلى خليج العقبة ... تنظر إلى قبة الصخرة من على جبل مكاور...
- قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا-
بدأ العام الدراسي وبدأت معه أفواج الطالبات تتوافد على "فرح" في المنزل طلبًا للعلم الميسر ... لاحظ الأب هذه الحركة النشطة في المنزل لكن كالعادة لم تكن لديه الرغبة في السؤال وخوض نقاشات ... وفي مرّة من المرات بعد أن فرغ من صلاة المغرب في المسجد، استوقفه جاره من حيّهم القديم  ... سلّم عليه بحرارة وقال: جئت أصلي اليوم في المسجد لأقلّ ابنتي من منزلكم فسينتهي درسها في الساعة السادسة، رحم الله والدكم يا دكتور فقد أحسن تربيتكم وأحسنتم أنتم تربية أبنائكم، الحقيقة يا دكتور بأن الجهد الذي تبذله ابنتك في تدريس الطالبات جهد جبار، وقد لاحظت زوجتي تحسن أداء ابنتي في مادة الرياضيات بعد أن داومت على حضور الدروس التي تقدمها ابنتك، ومما يدعو إلى التعجب إلى أنها تقوم بكل ذلك بدون رسوم على الرغم من أن زوجتي قد حاولت مرارًا دفعها إلى أخذ أتعابها إلا أنها رفضت رفضًا قاطعًا، أدعو الله أن يجعل هذه الدروس صدقة جارية في ثواب والدكم، فعلًا "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"ولن يبقى إلا العلم الذي يُنتفع به. اسمح لي أن أتبعك بالسيارة يا دكتور حتى أصل إلى منزلك.
الأب وقد اعترته تعابير الدهشة: جزاك الله خيرًا ... هذا من طيبك وحسن ظنك .. طبعًا بالتأكيد حياك الله ولكني جئت مشيًا إلى المسجد.
الجار وهو يربت على ظهر الأب:عظيم،سأتشرف بمرافقتك لي في السيارة ولنسترجع الأيام الخوالي.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يصاب فيها الأب بالدهشة بعد أن أدخل نفسه في قوقعته.
فكّر الأب بأنه لا يريد الاستماع إلى ما تقوم به "فرح" من خلال الأم، كان يريد أن يتحدث إلى ابنته ... يريد أن ينظر في عينيها ... يريد أن يتعرف عليها مرة أخرى ... في الحقيقة كان قد اشتاق إلى ابنته .. اشتاق إلى شغفها وعفويتها وحنانها وفرحها ... اشتاق إلى "فرح" فرحته الأولى...
بعد أن جنّ الليل ... وقبل أن تصعد الأم إلى النوم وجدت الأب على غير عادته يقرأ في الصالة، قالت له: ألا تريد النوم؟
الأب: سأصعد، لكني أريد التحدث مع "فرح" أولًا..
الأم وهي تعود أدراجها إلى الأب: ماذا؟ مرة أخرى؟ ما لذي تريده من هذه الطفلة المسكينة؟ هل تريد قذف التلفاز هذه المرة على الحائط؟ أم ربما تريدها أن تترك وظيفتها الآن وقد حققت رغبتك .. أوووه .. أقصد رغبتكم في الالتحاق بالتخصص الذي تطمحون به... أرجوك أن لا تتدخل في حياتها مرة أخرى؛ لأنك في آخر مرة فعلت فيها ذلك، سلبت منها عنفوان المراهقة وإقبال الشباب، وطبعًا قوقعتك التي باتت تسمكمن حولك كل يوم منعتك من ملاحظة ذلك، منعتك من ملاحظة أي شيء يحصل حولك في الحقيقة... أرجوك يا "عبدالله" دعها وشأنها .. لم أصدق بأن بريق عينيها قد عاد لهما ... وبأن حديثها قد اختلط ببعض الشغف ... لم أصدق بأنها تعافت قليلًا ... وتناست كثيرًا .. ووجدت لها نافذة أخرى تطل على الحياة من خلالها ...  اصعد معي الآن ودعك منها...
الأب وهو ينظر إلى الأم في عينيها: أريد الاعتذار منها....
ألجمت هذه الجملة الأم ولم تستطع الرد حتى على الأب أو سؤاله على التفاصيل فقط قالت: إذا كان الأمر كذلك .. حسنًا ... لكن أريد البقاء...
الأب: كما تشائين .. وواصل قراءة الكتاب...
خرجت "فرح" من المجلس وهي تحمل الحاسب المحمول والأوراق، تفاجأت من وجود والديها في الصالة إلى هذا الوقت المتأخر ... ناداها والدها ... لبت النداء وجلست على الكرسي المقابل له ... لم تعد تخشَ مما يريده منها والدها ... كانت مستعدة لتلبية ما يريد ... كان لديها عالمها الآخر في يديها الذي ستهرب إليه إذا ما اقتضت الحاجة...
الأب: تعالي يا "فرح" واجلسي بقربي..
لبّت "فرح" طلب والدها.. تركت عالمها الآخر على الكرسي ... وذهب للجلوس بين جنتيها ... جلست بين والديها في المنتصف تمامًا...
التفت إليها الأب ونظر في عينيها مباشرة ... في تلك اللحظة تمنت "فرح" أن ترى في عيني والدها أي شيء غير هذه الدموع .. قصّ عليها والدها الموقف الذي حصل معه في المسجد اليوم ... اعتذر الأب بصدق ... قاطعته فرح بأنها نست ما حصل لم تكن ترى في اعتذار والدها لها أمرًا لائقًا... قاطعها الأب مؤكدَا بأنه لن يكون فخورًا بها لو كانت طبيبة بقدر فخره بها الآن ... دخلت الأم في نوبة بكاء صامت ... وبعد أن غابت "فرح" عن حضن أبيها لأكثر من ست سنوات ... هوت إليه ... ذابت فيه ... اختلطت به ... نهلت من حنانه ... تزودت بحكمته ...
 في تلك الليلة السرمدية كسّرت "فرح" قوقعة أبيها وساعدها هو في عملية التكسير..
بعد تلك الليلة، أمسى الأب يأتي بالمأكولات والمشروبات لطالبات "فرح" ... اشترى لها آلة طابعة كبيرة لطباعة الملخصات في نفس الوقت ... بدأ الأب بمتابعة "بشرى" في دراستها ففي نهاية الأمر كان طبيبًا يفقه الشيء الكثير في دراستها ويعرف العديد من أساتذتها ... استبشرت "بشرى" بهذا الملاذ الآمن الذي توفر لها في طريقة دراستها الوعرة ... أسرّت "بشرى" إلى أمها بخوفها من الوثوق في والدها خشيةَ أن يصيبها ما أصاب "فرح" ... ظللت الأم خشية ابنتها بشجرة ياسمين زاكية ... أزالت الأم الشكوك والأشواك من صدر ابنتها ... تحملت الأم في تلك اللحظة وزر انقلاب حال زوجها في أي لحظة من اللحظات ...
 أما "بدر" فالأمر كان معه أصعب قليلًا حيث كان في سنته الثانوية الأخيرة في أوج حدّة مزاج المراهقة... رفض محاولات الأب في البداية وتفوه ببعض الكلام الجارح "ماذا تريد الآن؟ - كان الوضع أفضل عندما كنت غائب – أمي تقوم بالواجب – لا أحتاج إلى متابعتك – فقط ادفع رسوم دراستي وسأكون شاكرًا" لم يغضب الأب كان مقتنعًا بأنه يستحق هذا الكلام حتى تخف حدّة تأنيب ضميره، ذكّر نفسه بأنه التعامل مع "بدر" سيحتاج إلى سعة صدر، وبأنه لن يستطيع كسب رضاه من أول مرة، وإذا كان الأمر نجح مع "بشرى" و"فرح" من أول مرة فليس بالضرورة أن يكون كذلك مع "بدر"...
شعر الأب بأن "بدر" سيكون الثمن الذي سيدفعه على سباته  وغيابه الروحي عن عائلتها لسنوات خلت...
-وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ -
إلى تلك اللحظة لم يكن العمل مؤسسيًا؛ فكانت "فرح" تسمح لأي طالبة بالحضور، دون تسجيل ولا حصر للأعداد ولا رسوم مالية، لذا فقد بدأت بعض المشاكل بالظهور خصوصًا لطالبات المرحلة الثانوية، مثل: ازدحام المكان- آلية الحصول على الملخصات بعد الانتهاء من الدرس- تأخر بعض أولياء الأمور في استلام الطالبات- حضور بعض الطالبات الغير جادات مع صديقاتهن واعتبار هذا الدرس كفسحة للهروب من سلطة الأمهات في المنزل، حتى جاء اليوم الأخير لإعطاء الدروس قبل امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول، في هذااليومهجم أحد أولياء الأمور على المنزل واقتحم المجلس وصبّ جام غضبه على "فرح" متهمًا إياها بتعاونها مع ابنته على اللقاء مع حبيبها بعد الدرس وبأن هذا المجلس هو وكر من أوكار الرذيلة وهددها بالاتصال بشرطة الآداب للحضور وإلقاء القبض عليها، لحسن الحظ فإن وليّ الأمر الهائج جاء في موعد انصراف الطالبات وحيث أن بعض الأمهات يدخلن إلى المجلس لاصطحاب بناتهن، فقد تصدين له ووقفن في وجهه وألقين عليه اللوم بأنه هو الذي لم يحسن تربية ابنته وجاء ليلقي اللوم على "فرح"، وقامت إحدى الأمهات بقرع الجرس وطلب النجدة ممن في المنزل، جاء الأب مسرعًا وكان "بدر" قد رجع إلى المنزل للتو وشاهد ولية الأمر وهي تستنجد فدخل إلى المجلس وكاد أن يفتك بولي الأمر لولا أن تدخل الأب للوقوف فيما بينهم.
تجمعت الطالبات حول "فرح" في حركة عفوية لحمايتها وتهوين الموقف عليها، أما "فرح" فقد جلست تراقب الوضع بصمت ومن غير تصديق بحصول هذه الهجمة في منزلها ... جاءت أمها مسرعة وأخذت في حثّ الطالبات على الانصراف إذا حضر من يقلهنّ ... جلس الأب مع ولي الأمر محاولًا تهدئته وشرح الموقف له وبأن "فرح" غير مسؤولة عما يحصل بعد الدرس فهذه من مسؤولياتهم إلا أن الرجل كان سوقيًا سليط اللسان، لا تنفع معاملته بالتي هي أحسن، كان لا بدّ من النزول إلى مستواه حتى يستوعب الموقف، قال له الأب كمحاولة أخيرة بأنه يحاول حل المشكلة وديًا لكن يبدو أنه لا يستجيب لذا فسيوكل مهمة التعامل معه إلى ابنه، تنحى الأب وأشار إلى "بدر" بالتقدم، هبّ "بدر" من مكانه .. ووقف أمام الرجل تمامًا الذي هبّ واقفًا هو الآخر ... رفع سبابته في منتصف عيني الرجل وقال له مهددًا: نحن الذين سنبلغ الشرطة للحضور الآن، أولًا اقتحمت منزلًا لا دخل لك فيه، ثانيًا قذفت أختي، ثالثًا تهجّمت بالضرب عليّ، وأخيرًا فإنه يبدو أن ابنتك هي التي تتصرف تصرفات لا أخلاقية تستدعي شرطة الآداب، اخرج الآن واضبط تصرفات ابنتك وإلا سأنفذ تهديدي ... يبدو أن الأب كان محقًا فهذا الرجل لا يفهم إلا لغة التهديد والوعيد، التقط الرجل عقاله الذي سقط على الأرض وخرج مسرعًا حتى كاد أن يصطدم بالباب من سرعته. كان شكله مضحكًا، اضطرت الأسرة للضحك بالرغم من جدية الموقف، استغل الأب هذا الموقف لكسب رضا ابنه الوحيد، ضرب الأب كتف "بدر" بفخر وقال له: رجل ... بناتي محظوظات بوجود أخٍ لهم يحسن التصرف مع أصناف الناس المختلفة... كان تقديم الأب لـ "بدر" ودعوته للتفاهم مع الرجل أشرق في صدر "بدر"شمسًا دافئة أذابت جليد كرهه لوالده ... تقدّم "بدر" وقبّل رأس والده وهو يتمتم: تربيتك يا أبي ...
-رياضياتي فرحي-
في اليوم التالي، حكت "فرح" لـ "شيماء" ما حصل البارحة في منزلهم، استغلت "شيماء" الفرصة ولامت "فرح": قلت لكِ مرارًا أن تأخذي رسومًا على كل درس حتى تنتظم العملية ويشعروا بجدّيتها، هل أنت سعيدة بما حصل؟ أجزم بأنكِ لا تعرفين اسم البنت التي تهجّم والدها عليكِ..
"فرح" بخوف من تصاعد غضب "شيماء": نعم لا أعرف اسمها، لكن...
"شيماء" مقاطعة وقد استشاطت غضبًا: لم تكذب إحدى الأمهات عندما قالت عنكِ بأنكِ لا بدّ أن تكونِ إما ساذجة أو معتوهة حتى تضيعي كل هذا الوقت في تقديم الدروس وإعداد التلخيصات دون مقابل مادي...
"فرح" وقد انتقل غضب "شيماء" إليها: ماااذااااا ؟ هل هذا ما يُقال عني؟ ساذجة ومعتوهة... هؤلاء الأمهات الوقحات ناكرات الجميل وبناتهن المتمردات الغبيات ... لا أريد التدريس مجددًا ... ليتني أخذت منهم مالًا وألقيته في القمامة أمام أعينهن حتى يشعرن بما أشعر به الآن ... تجربة وانتهت ...
ضحكت "شيماء" بصوتٍ عالٍ إلى درجة أن إحدى الموظفات جاءت لاستطلاع الأمر وقالت: آآآه حمدًا لله أنكِ غضبت ... سامحني يا الله على هذه الكذبة .. لكنها أتت بالنتيجة المرجوة أخيرًا... إذًا اتفقنا سآتي اليوم إلى منزلك للاتفاق على التسعيرة...
"فرح" وهي ترمقها بغضب: استغفر الله .. استغفر الله على ما تفوهت به في حق هؤلاء الطالبات وأمهاتهن ...
بعد المغرب دعت "فرح" أمها إلى المجلس لحضور اجتماع تقرير الأسعار مع "شيماء"، أكبرت الأم هذه الخطوة من "فرح" وحضرت بسرور ... تم الاتفاق على آلية التسجيل الإلكترونية من خلال رابط ثم يتم التأكيد على قبول تسجيل الطالبة بإرسال رسالة نصية، أما بالنسبة لطالبات المرحلة الثانوية فيجب أن يحضر ولي أمرهن في أول درس للتوقيع على استمارة التسجيل على أن تتولى "شيماء" مهمة متابعة التسجيل، ثم تم تحديد رسوم الدرس الواحد بخمسة دنانير، حاولت "فرح" تقليل المبلغ لكن "شيماء" كانت لها بالمرصاد وأكدت بأن هذه الرسوم هي الأقل في سوق الدروس الخصوصية، بعد ذلك تم الاتفاق على أن يتم التوقف عن طباعة الملخصات ويتم الاكتفاء بتحميلها على الـ DropBox ولمن ترغب سيتم طباعة الملخص لها برسوم رمزية، وفي النهاية تبقى إيجاد اسم لمشروع "فرح" حتى يتم انشاء حسابات للتواصل الاجتماعي له، اقترحت الأم اسم "رياضياتي فرحي" على غرار كتب اللغة العربية "لغتي فرحي" ولأن الشقّ الثاني من العنوان يحمل اسم "فرح"، رحبت "شيماء" كثيرًا بهذا الاسم المبتكر وتم اعتماده على أن تتولى "فرح" متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، وأخيرًا ألقت الأم بمفاجأتها الأخيرة لـ"فرح" وهي أن والدها قرر تحويل المجلس إلى غرفة فصل وتأثيثه بطاولات وكراسي مناسبة ومريحة للطالبات على أن تتولى الأم و"فرح" مهمة اختيار الأثاث وألوان الأصباغ. سُعدت "فرح" جدَا باهتمام والديها .. لم تعرف كيف تحمد الله على أن بثّ في نفس والدها حب الحياة والاقبال عليها مرة أخرى ... كان شعور الامتنان الذي سعت جاهدة لاستحضاره في أبسط الأمور دائمًا كالدرع الواقي لها من المؤثرات ومعكرات المزاج.
-فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ 
انتهت عطلة الربيع التي استمتعت فيها "فرح" بقضاء معظم وقتها مع والديها وأختها "بشرى" في السوق لاختيار الأثاث المناسب، أما "بدر" فقط أوكل إليه والده مهمة متابعة العمال في المجلس، تحولت الغرفة إلى فصل حديث ودافئ ... طُليت الجدران باللون البيج ... وزُينت ببعض الاقتباسات الشهيرة لعلماء الرياضيات بالإضافة إلى المعادلات الخالدة والقوانين الموائمة للطبيعة بألوان مختلفة ... تم اعتماد الغرفة بالعرض بحيث عُلقت سبورتان متجاورتان... صُفت ست طاولات في الصف الواحد بالعرض وخمس طاولات في الصف الواحد بالطول  ... أصبح المجموع ثلاثين طاولة ... كان العدد مناسب تمامًا ... وُضعت الآلة الطابعة في نهاية الفصل في الزاوية اليسرىوفي الزاوية اليمنى كانت توجد ثلاجة للمشروبات وطاولة عليها إبريق الماء الكهربائي مع عدة الشاي والقهوة... ... ثم هناك نافذة كبيرة في المنتصف بين الآلة الطابعة والثلاجة ... نافذة تصل إلى الأرض وترتفع حوالي ثلاثة أمتار ... تطل هذه النافذة على الحديقة ... وُضعت أريكة واسعة مريحة مقابل النافذة بالضبط ... لم ترغب "فرح" بوجود طاولة معلمة في الفصل ... كانت ترغب بالحفاظ على دفء المكان قدر المستطاع ...
بدأ الفصل الدراسي وبدأت معه التجربة الأولى لنظام التسجيل ودفع الرسوم، وكأي نظام جديد لا بدّ أن يُقابل بالمقاومة في البداية، لكن الاعتراضات كانت أقل من المتوقع حيث أن التعليقات في الانستغرام على إعلان التسجيل قد تنوعت بين مؤيد ومبارك للرسوم الجديدة.. وبين معارض ومشكك ومعمم بأن الجميع يسعى وراء المال ولم يعد يوجد شخص صادق في هذا الزمن.. وبين من يترحم على "صدّام" .. وبين من يسبّ الإخوان ويؤكد بأنهم هم الشيطان الأكبر وليس "أمريكا".. وبين من يمجد "أردوغان".. وبين من يعلن عن تجارته ويسوق لبضاعته .. وبين من يريد أن يتعرف على بنت طويلة بيضاء رشيقة شعرها أسود فاحم.. وبين من يؤكد أن "العريفي" تاج رأس الجميع .. وبين من تطلب متابعة حسابها لأنه يحوي على صور "أفنان الباتل" الحصرية في زواجها ... وبين من تطلب مساعدة إنسانية لها ولأسرتها ولزوجها المقعد ... وبين من يكتب سبّ بذيء بصورة مريضةبينما يعرف نفسه في صفحة تعريفه بـ " اللهم إني أسألك حسن الخاتمة" ، لم يختلف حساب "رياضياتي فرحي" عن بقية الحسابات التجارية جميعها تتلقى نفس الكم والتنوع من التعليقات التي تكشف عن حقيقة المجتمعات في العالم الافتراضي ... الحقيقة التي لا تراها في المجمعات التجاريةأوالتجمعات العائلية أو في المدارس والجامعات، ومع انشغالات "فرح" بالتدريس وإعداد الملخصات أوكلت مهمة مسح التعليقات التي لا تمت بصلة إلى مشروعها بل وتشوهه إلى أخيها "بدر" الذي استقبل هذه المهمة بترحاب مبالغ فيه وتشفّي كبير لم تعلم "فرح" سببه...
في عصر أول يوم للدروس، خرجت فرح للتأكد من أن باب المنزل مفتوح وعندما سحبت الباب وجدت عمتها "إيمان" واقفة مع ابنتها "فاطمة" أمام باب المنزل، فوجئت "فرح" بوجودها كثيرًا واضطربت عمتها لم تدري ما تقول خاصة وأن آخر لقاء بينهن كان في عزاء جدها قبل أكثر من أربع سنوات تقريبًا، سارعت "فرح" إلى قطع هذا التوتر ودعتها للدخول، دخلت العمة مع ابنتها إلى الفصل، أجلستهما "فرح" على كرسيين متجاورين وجلست هي على الطاولة المقابلة لهما، بدأت بالحديث لتلطيف الجو: ما شاء الله لقد كبرتِ يا فاطمة، لم أركِ منذ كنت في المرحلة الابتدائية...
ابتسمت "فاطمة" وقالت: لقد سمعت عنكِ من صديقتي "ريم" التي تخرجت من المرحلة الثانوية في العام الفائت، شجعتني كثيرًا للتسجيل في هذه الدروس، لكن لم أكن أعلم بأنك أنت المعلمة ...
فرح: هذا من حسن حظي ... وأنا لم ألاحظ اسمكِ في قوائم التسجيل لأن صديقتي هي التي تتولى عملية التسجيل حاليًا...
بدأت العمة بالحديث بتحفظ واضح: في الحقيقة أخبرتني "فاطمة" بأنها تريد أن أقلّها إلى منزل المدرسة الخصوصية وبأن وجودي ضروري لتوقيع أوراق التسجيل، لذلك أتيت معها...كانت العمة وكأنها تريد التأكيد بأنها جاءت إلى بيت أخيها عن طريق الصدفة المحضة فقط...
فرح وقد قامت من محلها لتأتي بالأوراق: نعم ... نعم بالتأكيد ... تفضلي يا عمتي هذه هي الورقة التي تتطلب توقيعكِ ...
وقعت العمة ودفعت الرسوم ثم قامت من محلها وتوجهت إلى الباب، سبقتها "فرح" وهي تحاول إغلاق الباب: ولكن يا عمتي، ابقي قليلًا، سيفرح والدي بلقائكِ كثيرًا، أرجوكِ تفضلي إلى داخل المنزل...
لم تستطع العمة إخفاء تعابير الدهشة على وجهها من تصرف "فرح" فيبدو بأنها كانت تظن أن أخيها قد أوغر قلب أبناءه على أعمامهم: شكرًا لكِ يجب أن أنصرف الآن؛ لأن نوبتي في المستشفى توشك أن تبدأ .. اعتني بـ"فاطمة" .. مع السلامة...
كان الوقت لا زال مبكرًا على بدء الدروس، استغلت "فرح" الوقت وأخذت "فاطمة" إلى والدها قبل أن يخرج لعيادته، فرح الأب كثيرًا وطلب منها أن تنتظره بعد انتهاء الدرس حتى يلتقي بأخته.
وصلت "شيماء" وباشرت عملها في استلام الرسوم والتأكد من توقيع ولي الأمر، اكتمل نصاب الطالبات سريعًا وبدأ الدرس على الوقت، حلّقت "فرح" في عوالم الحسابات وأخذت معها الطالبات في جو تفاعلي حماسي، مرّت الساعتان سريعًا ... بدأت الطالبات بالانصراف ولم تبقَ إلا "فاطمة" التي غلب عليها الخجل والتوتر وهي تطالع هاتفها ...
فرح: نسيت أن أعرفكم على بعض... "فاطمة" هذه صديقتي "شيماء" ... "شيماء" هذه ابنة عمتي "فاطمة" ...
شيماء مستغربة: أنا أعرف "فاطمة" منذ ما يقارب السنة فهي صديقة ابنتي "ريم"، لكن لم أكن أعلم بأنها ابنة عمتك...
ذهبت "فرح" لدعوة أمها للقاء "فاطمة"...
دخلت الأم وسلمت على "فاطمة" بترحاب دافئ وعلّقت نفس تعليق "فرح" بأن "فاطمة" قد كبرت...
فاطمة بانزعاج شديد: شكرًا لكِ يا خالة "لبنى"... أعتذر عن تأخري في الانصراف ... أعتذر جدًا ... والدتي لا زالت في العمل لديهم حالة طارئة .. ووالدي مسافر... لا يوجد من يقلني الآن ...
الأم: لا بأس .. لا بأس يا عزيزتي فأنتِ في منزلكِ لا تنزعجي ... لتتأخر أمكِ قدر ما تشاء.. وهيا لنتناول العشاء الاحتفالي بافتتاح "رياضياتي فرحي"...
حاولت "فاطمة" الاعتراض والرفض لكنها لم تجد أذنًا صاغية ... ووجدت نفسها عوضًا عن ذلك تجلس إلى طاولة طعام جميلة ومنسقة ... قضت "فاطمة" وقت ممتع جدًا بصحبة زوجة عمها وابنتيها و"شيماء" ... ضحكت وهي تستمع إلى شكاوى "شيماء" الطريفة على كسل زوجها واتكاليته ... تعاطفت مع "فرح" والمواقف التي تواجهها في زياراتها لمواقع العمل ... تعجبت من صبر زوجة عمها وجلَدها على تصرفات ابنها "بدر" الذي كان في سن "فاطمة" تمامًا ... أكبرت رغبة "بشرى" باختيار تخصص الطب بالرغم من متطلباته الصعبة... تعاطفن هن معها عندما تحدثت عن نفسها عن قضاءها لأغلب وقتها وحيدة؛ حيث أن والدتها تعمل بنظام النوبات وأخيها الذي يكبرها يدرس في بريطانيا وأبيها يعمل في المملكة العربية السعودية ويتواجد في المنزل في عطل نهاية الأسبوع فقط ...
ودعت "شيماء" الجميع وانصرفت ... ذهبت إلى سيارتها فتحت الصندوق والتقطت لوح طويلة .. عادت مسرعة إلى المنزلووقفت أمام باب الفصل .. علّقت لوحة خشبية فضية ضُربت عليها مسامير متراصة شكّلت كلمة "رياضياتي فرحي" ثم مُرر خيط صوف أخضر على المسامير ليضفي رونقًا على اللوحة .. كانت هذه هي هدية "شيماء" لـ "فرح" على افتتاح المشروع رسميًا ...
وصل الأب من عيادته وجلس إلى مائدة الطعام ... كان ينظر إلى "فاطمة" نظرات سعيدة مرحبة حنونة ... خجلت "فاطمة" من كل هذا الودّ التي أحاطته بها عائلة خالها وشعرت بالأسى على تلك الفترة الفائتة التي قضتها بعيدة عنهم ... رنّ هاتفها فنهضت مودعة لأن أمها قد وصلت ... أمرها خالها بالجلوس ليخرج هو ويدعو أخته للدخول ...
خرج الأب وساد جو من السكون الصاخب ... حيث كن يعلمن بتوتر العلاقات بين الإخوان وأختهم ... توقعن بأن العمة سترفض الدخول ... واستمر السكون الصاخب...
في الخارج ... أشار الأب على "إيمان" بالنزول ... تظاهرت هي بعدم فهم ما يشير إليه .. اتجهإلىباب السائق .. فتح الباب ... خجلت "إيمان" من تمنعها .. نزعت حزام الأمان بسرعة وألقت بنفسها في حضن أخيها ... أخوها الذي شهد ولادتها .. أخوها الذي صحبها إلى المدرسة في أول يوم لها .. أخوها الذي وقف إلى جانبها عندما أصرّت على دراسة التمريض بدلًا عن وراثة الطب ... أخوها الذي اختار صفّ أختهضد ابنته عندما اضطره الأمر إلى المفاضلة بينهم ... أخوها الذي آذته في ابنته ...تفاجئ "عبدالله" من ردة فعل "إيمان" .. لم يعهدها بهذا الضعف .. أدخلها إلى غرفة الفصل ... أجلسها على الأريكة المطلة على الحديقة ... انفجر الكلام كسيل جارف من فم "إيمان" ... شكت له قسوة قلبها وتظاهرها بالقوة منذ وفاة والدتهم ... أخبرته بأنها تدفن حزنها في عملها وتطلب من المستشفى إدراجها في نوبات متصلة وتتظاهر بالانشغال الدائم حتى لا تفكر في الوحدة التي أصابتها منذ وفاة والدها ثم اختلافهم ... زوجها يعمل في الخارج وابنها مغترب للدراسة ... كانت الضحية ابنتها أهملتها ولم تعد ترغب بقضاء الوقت معها ... طمأنها "عبدالله" بأن الهم والمصاب واحد ... حكى لها عن قصة قوقعته وغيابه الروحي عن أسرته .. حكى لها عن مقاومة "بدر" الشرسة له في البداية .. حكى لها عن لقاءه مع جارهم من الحيّ القديم ... انتحبت "إيمان" طويلًا ... بينما "عبدالله" يغالب دموعه وينظر إلى الحديقة أمامه ... تحدث باختناق: هل تعلمين يا "إيمان" نحن الذين أوصلنا أنفسنا بأيدينا إلى هذه الحالة المزرية ... نحن الذين اختلفنا على ذاك الأمر التافه ... نحن الذين انقطعنا عن التواصل ... الشهادة لله كانت لكِ محاولات للم الشمل لكن عنادي وكبرياء "عبدالعزيز" أفشل هذه المحاولات ... تصرفاتنا كانت مطابقة تمامًا لتصرفات الأطفال ... ربما لدى الأطفال حسن تصرف أكثر منّا .. انظري إلى المفارقة ... ابنتينا استطاعتا تقوية علاقتها خلال ساعتين فقط .. ونحن هدمنا ما بيننا في أقل من ذلك ...
إيمان وهي تتنهد لا إراديًا على فترات متقطعة: نعم ... نعم .. على الرغم من حب والدينا الشديد إلا أنهم لم يربونا على المواجهة والمصارحة في الأمور الشخصية ... ونحن لم نحاول تغيير ذلك في أنفسنا وهذه هي النتيجة ... مقاطعة وحواجز وأسوار وأبراج تفصل بيننا ...
عبدالله: هيا .. هيا يا أختي لنذهب إليهم فلا بد أن القلق قد أخذ منهم مأخذه...
أمام زوجته وبناته وابنة أخته ... وقف "عبدالله" وأحاط أخته بذراعه ..
كان مشهد "عبدالله" وهو يحيط "إيمان" بذراعه من أرقّ المشاهد التي شهدتها "فرح" في حياتها...
-فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ-
فرحت الحياة لـ "فرح" من جديد ... والدها عاد منكباه إلى علوهما الطبيعي ... والدتها أشرقت وجنتيها من جديد ... "بشرى" ازدادت ثقتها بنفسها بعد أن وجدت ضالتها في أبيها ... "بدر" استقامت تصرفاته بعد أن أمسى يرافق والده في أغلب الأحيان ... "إيمان" قلّلت من نوبات عملها وقضت وقت أكبر مع ابنتها "فاطمة" وأسرة أخيها ... أحست "فرح" بأن كل صلواتها ودعواتها وابتهالتها لم تعد تكفي حتى تحمد الله على هذه النعم الغزيرة التي تصبح وتمسي وهي تتمتع بالنظر في آثارها على أفراد عائلتها...
كانت الدولة قد أصدرت أمرًا مؤخرًا بإنشاء مدينة "شرق الحدّ" السكنية، وقد وُكل أمر الإشراف على عملية بناء أساسات مساكن هذه المدينة إلى المهندسين المبتدئينفي وزارة الإسكان كما هو متعارف عليه، وكانت "فرح" هي إحدى أعضاء هذا الفريق الذي تم تكوينه.
 كانت الظهيرة حادة، والشمس قد استقرت في كبد السماء وهي تعب من بئر عرق العمال والمهندسين، الغيوم فقد غابت عنذلك اليوم بدون مبرر، أما"فرح" فقد وجدت لها مصطبة خرسانية للجلوس والإشراف على العامل وهو يثبت أساسات المنزل بعد أن أنهكها التعب من الوقوف الطويل منذ الصباح، على الرغم من أن المصطبة كانت هي الأخرى قد اكتوت من حرارة الشمس، إلا أن التعب قد بلغ بـ "فرح" للقبول بأي مكان مرتفع للجلوس والمراقبة، وبينما كانت تدون القراءات بشرود وملل، كان ذهنها يعمل بنشاط في تقسيم الوقت الباقي من اليوم على التزاماتها بعد الانتهاء من العمل، فأولًا سترجع إلى المنزل للاغتسال وتناول وجبة الغداء ثم الساعة الثالثة ستبدأ بتدريس الصف الثالث ثانوي مقرر التفاضل والتكامل حتى الساعة الخامسة، ثم بعدها ستحضر طالبات كلية إدارة الأعمال لشرح مقرر التفاضل والتكامل الخاص بكليتهم حتى الثامنة مساءً، وأخيرًا عليها تدوين جميع ما شرحته وتحميله على الـ Dropbox، لم يقطع عليها استرسالها في استرجاع مهامها اليومية، إلا دغدغة قطرات العرق على وجنتيهاورأسها النابض بقوة من ضغط الخوذة عليه لفترة طويلة.
في طريق عودتها إلى الوزارة مع السائق ... أخذت تقتنص فرصة التأمل من زجاج النافذة ... تجلّت لها "المحرق" من على شارع الغوص وبنايات "المنامة" المتشامخة من خلف "المحرق" وكأن لسان حلها يقول"أنا العاصمة وليست المحرق"، و "المحرّق" تتمنع عن الرّد وتكتفي بتلميع لوحة " أم المدن" المثبتة على مدخلها ... ثم عبرت على جسر " الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة "/"جسر الشراعين" الذي يُشعرك بأنك ستسقط في البحر لا محالة وأخيرًا انعطفت يسارًا إلى المنطقة الدبلوماسية ... خلال هذه الرحلة القصيرة تقافزت بعض من التساؤلات أمام عينيها ... شتّتت تركيزها عن الطريق .. شرعت تساءل نفسها عن جدوى ما تقوم به ..
هل يؤجر الفرد على وظيفته وهو يتلقى أتعاب على أدائها؟
تذكّرت ذي القرنين ... }فَهلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا{  .. ربما نعم ...
هل هناك من ينتفع بوقوفها الطويل تحت أشعة الشمس الحارقة للإشراف على مساكن أسر قد امتدت وأمست عوائل من طول الانتظار؟
تذكّرت ... } وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا {.. ربما نعم إذًا ...
هل تستفيد طالبتها حقًا من جهدها الكبير لتلخيص مقررات الرياضيات بهذه السهولة أم أنهم يحضرون للتسلية؟
تذكّرت بأن عليها نفع الناس بما أنعم الله عليها ...} قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ { ... ثم ترك مهمة الانتفاع من هذا العلم على المتلقي } وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ{ ....
فكّرت بأنها أضحت تتلقى مقابل كل عمل تقوم به؛ عملها كمهندسة في الوزارة وعملها كمدرسة خصوصية ... فكّرت بأن جميع ما تقوم به دافعه المال ... هل يعتبر الدافع المالي أمرًا خاطئًا؟
فكرت أيضًا بأنها بدأت التدريس رغبةً في التدريس فقط .. لكن مسألة الرسوم المالية قد فُرضت عليها لاحقًا .. فكّرت بأنها ستلغي الرسوم .. ثم تذكرت حديث "شيماء" عن وصفها بالعته والسذاجة لأنها أقدمت على هذه الخطوة ... فكّرت بأن تقديم الخدمات تطوعًا ليس بالأمر الخاطئ، لكن ربما أخطأت في انتقاء الفئة التي تقدم لها هذه الخدمات طوعًا ... فكّرت بأن تتوقف ... ثم تذكرت بأنها في مرة من المرات السابقة توقفت عن مطاردة حلمها بناءً على حديث سمعته وفضلت اتباعه على خبرتها الحقيقة الأمر الذي أدى بها إلى الانتهاء في هذه الوظيفة التي يحلم بها العشرات لكنها أصبحت تمارسها كفافًا ... أخيرًا قررت  البدء برحلة البحث عن فئة أخرى تقدم لها "رياضياتي فرحي" ثم تتولى بعدها إلى الظّلدون انتظار مقابل ...
لم تكن واثقة من أين تبدأ هذه الرحلة ....
رجعت "فرح" إلى الوزارة وباشرت عملها المكتبي الذي جفف سيل الأفكار التي اجتاحتها منذ قليل إلا من شعور بسيط غامض بعدم الارتياح....
-موعد طبيب عيون-
جلست "فرح" في غرفة انتظار عيادة العيون الضيقة المكتظة ... فرغت من تصفح مواقع التواصل الاجتماعي في هاتفها ... ثم بدأت في تصفح الناس من حولها ... امرأة طاعنة في السن على كرسي متحرك ترافقها خادمتها وابنها  ... تخيلت الجنّة تحت قدميها...
 طفل يعيث بأثاث الغرفة فسادًا وأمه قد دفنت عينيها ووجهها واحساسها خلف شاشة الهاتف فلم تكن تؤنبه ... ... تخيلتها بعد عشرين سنة بنفس الهيئة والملامح..لم تشيخ ...لم تظهر لها تجاعيد ولم يشتعل رأسها شيبًا ...
 فتاة أخرى في سنها ربما أو أكبر قليلًا تتحدث على الهاتف وتؤكد للطرف الآخر بأنها لن تتنازل على ترقيتها وستلقن مشرفتها المباشرة في العمل درسًا لن تنساه ...  تأكدت من أن هموم الموظف الحكومي هي هموم مشتركة بالإجماع ..
رجل في الثلاثين من عمره يتحدث هو الآخر على الهاتف لكن بصوت أقرب إلى الهمس وبنظرات حالمة وابتسامات غارقة ... لمع انعكاس خاتم الزواج في يدّه اليمنى ... تمنت لهم السعادة الأبدية ...
حاولت أن تتفادى قفزات الطفل على المقعد خلفهافأحنت ظهرها إلى الأمام والتقطت عشوائيًا صحيفة من على الطاولة أمامها ... كانت صحيفة "الرأي" الكويتية ... انتهزت "فرح" الفرصة للتعرف على آخر أخبار الكويت "منارة الأدب" ومهد أعرق أدباء الخليج ورائدة أكثر المجالات إبداعًا ... الكويت "أم الخير" والتي لا يوجد بلد إلا وأنشأت فيه مدرسة أو مستشفى أو مركز صحّي ... ... كما أنها فرصة للتعرف على آخر صيحات الشعب الكويتي ... الشعب المقبل على الحياة من أوسع أبوابها ... الشعب الذي يعتبر ثروة الكويت الحقيقة ... فكرت بأنه من يريد الحصول على دفعة معنوية ودروس في تعلّم كيفية الاستمتاع بالحياة فعليه بشدّ الرِحال إلى الكويت ... طال وقت الانتظار وكادت "فرح" أن تغلق الصحيفة ضجرًا لكنها لمحت كلمة "إنساني" التي دفعتها إلى فتح الصحيفة مرة أخرى ... كانت الكلمة جزء من عنوان المقال " بنات فريق «إنساني» الكويتي " في عمود "خواطر قلم" للدكتور " محمد العوضي " ... بدأت بقراءة المقال ووجدته يتناول قصة تأسيس فريق تطوعي للمبادرات الإنسانية في رمضان 2012 ... انتهت من قراءة المقال سريعًا وسرت في جسدها طاقة محفزة ... طوت الصحيفة ووضعتها في حقيبتها ... هبّت واقفة .. لم تعبأ بدورها الذي حان أخيرًا بعد أن انتظرته لأكثر من ساعتين ... استوقفها ضميرها وهو ينبهها إلى ثمن الصحيفة ... هل يجب أن تدفع ثمنها ؟ قررت أن رسوم دخول الموعد الذي ستتخلف عنه ستغطي تكاليف شراء هذه الصحيفة مدى الحياة ... اتجهت مسرعة إلى المصعد وهي تتجاهل نداءات الممرضة ثم وصلت إلى سيارتها وركبتها .. فتحت تطبيق "تويتر" وفي حقل البحث أدخلت كلمة "إنساني"  ... وجدت الحساب على قائمة الخيارات ... تساءلت لمَ لم تسمع عنه من قبل؟ وجدت رابط للتسجيل في صفحة التعريف، ضغطت عليه ثم أدخلت جميع بياناتها الشخصية حتى وصلت إلى آخر المدخلات المطلوبة ألا وهي الهواية أو الموهبة التي تتمتع بها وستؤهلها للحصول على القبول ... تراقصت أصابعها فرحًا على شاشة الهاتف وهي تسهب في وصف مشروع "رياضياتي فرحي" وطرق التدريس البسيطة التي ابتكرتها ... نست بأنها أدخلت "الهندسة المدنية" في خانة "التخصص الجامعي" في الأعلى ... ودون مراجعة البيانات أو مشاورة أحد ... ضغطت على زر "إرسال" ... تنفست الصعداء وعادت أدراجها إلى المنزل...
في الطريق إلى المنزل استرجعت التفاصيل التي قرأتها بعجل في المقال ... كان المقال يحكي تجربة فريق "إنساني" الكويتي في تعليم اللاجئين السوريين ... تجربة فريدة بحق  ... مما لا شك فيه أن ما جعل هذا الفريق يتميز وسط الزخم الهائل للمجاميع والمؤسسات واللجان التطوعية هو أنه لم يستهدف الحاجات الغذائية والصحية والسكنية ... بل تجاوزها إلى الحاجة الأسمى ألا وهي "التعليم" ...  مع الأخذ بعين الاعتبار أن أساس تقبل التعليم وتلقيه واستيعابه هو الاستقرار النفسي، لذا ركز الفريق على خلق مناهج «إنساني» المبتكرة، وهي عبارة عن مواد بسيطة تُعطى لمدة ثلاثة أيام للأطفال اللاجئين عن طريق إقامة نادي دعم نفسي وتربوي (مدرسة إنساني)، وهذه المواد وضعت بالتنسيق مع أخصائيين نفسانيين وتربويين، مثل مادة الوطن وهي تعزيز مفهوم الوطن وبنائه من جديد، على أن يتم تدريب المتطوعين للعمل في هذه المدارس على تقديم هذه المناهج بحرفية؛ على أن يتم اختيار متطوعين طبقاً للتخصصات المهنية والأكاديمية التي يحتاجها كل مشروع.
بمجرد وصولها إلى المنزل تلقت رسالة " واتس أب" من لجنة التسجيل بالفريق للتأكيد على بياناتها ومهاراتها التي أوردتها في استمارة التسجيل ... أكدت لهم جميع ما ورد ثم زودوها بتفاصيل الرحلة، أولًا أن الرحلة ستكون إلى مخيمات اللاجئين في الأردن في عطلة الصيف مع تحديد تواريخ الذهاب والعودة، وأن السكن سيكون في أحد فنادق العاصمة "عمّان" وأن الخطوة الأخيرة لتأكيد التسجيل هي تحويل رسوم التسجيل والتي ستشمل السكن والمواصلات أما بخصوص تذكرة الطائرة فعلى كل مشارك أن يحجزها بنفسه ... إلى هذه النقطة تذكرت أسرتها التي لم تشاورها في أي مما فعلته واتخذته من قرارات ... شعرت بخواء في المعدة ... هل سيرفضون؟ لم يقم أحد من عائلتها بمثل هذه الرحلة من قبل؟ وما المانع لكل شيء أول مرة ستجرب حظّها مع والديها ...
هرعت مسرعة إلى غرفة والديها ... طرقت الباب ولم تنتظر الجواب ... اقتحمت الغرفة ... فزع الأب الذي كان يقرأ على كرسيه ... سألت عن والدتها فأخبرها أنها في دورة المياه ... ذهبت إلى دورة المياه وطرقت الباب على والدتها ثم تذكرت أن والدتها لا تتكلم داخل دورة المياه ولا ترد على أحد لإيمانها بأحد المعتقدات بهذا الشأن ... رجعت أدراجها إلى والدها وجلست على الأرض في المنتصف تمامًا بين الكرسيين ....
سألها الأب مستغربًا: ما بكِ يا "فرح" لماذا كل هذه الجلبة؟!
فرح وهي تفرك يديها من شدّة الحماس: انتظر حتى تخرج أمي وسأخبركم...
عاد الأب إلى القراءة وأخذت فرح في رسم أشكال عشوائية على بإصبعها على السجادة الخضراء أمامها، رسمت مبنى مدرسة وأولاد من حوله وأرجوحة ... حتى جاءت الأم وجلست
الأم وهي تنظر إلى "فرح" بريبة: الله يستر، دائمًا ما تفجرين قنابلكِ وتتولّين تاركة ورائك عاصفة هوجاء...
ضحكت "فرح" بصوت عالي وقالت: إذًا استعدي يا أمي .. هذه المرة سألقي إعصار هادر وسيل جارف وسأطير بعدها ... أريد أن أسافر إلى الأردن لزيادة اللاجئين وقد سجلت بياناتي لحجز السكن والمواصلات وتبقى أن أحجز تذكرة سفري...
أنزل الأب كتابه وأخذ يصفق: ما شاء الله يا "فرح" ونعم التربية... إذًا أنتِ هنا فقط تكرمًا منكِ لإبلاغنا فقط، وليس لأخذ الأذن ..
"فرح" وهي لا تزال تضحك: نعم تمامًا ... كما وأريد جواز سفري من فضلك ...
دخل الجميع في نوبة ضحك قطعها الأب: والآن لنعود إلى الجدّ ... احكي لي الحكاية من البداية وبالتفصيل...
قصّت "فرح" القصة بدءًا من العيادة مرورًا بالمقال والتسجيل انتهاءً برسالة "الواتس أب" التي تلقتها، ثم ختمت قصّتها باستعطاف والديها بالمشاعر التي راودتها والأسئلة الوجودية التي تساءلتها مع نفسها ...
التفت الأب إلى الأم: ها ما رأيكِ يا "لبنى"؟
دعت "فرح" الله في سرّها بأن لا تتحول عملية الموافقة إلى سلسلة لا نهائية من اسألي أمكِ ... اسألي أبوكِ ... اسألي أمكِ ....
الأم: أن تسافر لوحدها ... لا طبعًا ...
جثت "فرح" على ركبتيها أمام والدتها وأمسكت بيديها: أمي ... أمي ... أرجوكِ ... حسنًا ما رأيكم أن تأتون معي جميعًا؟ ستكون الرحلة في عطلة الصيف فرصة لسفرة عائلية أخرى، كما أن الفرصة لم تسمح لنا بالسباحة في البحر الميت في آخر سفرة لبرودة الجو ... ما رأيكم ؟؟؟
نظرت الأم إلى الأب وقالت: هل تسمح ظروف العيادة بهذه السفرة؟
الأب: لا مانع ...
فرح وهي تقبل رأس والديها بالدور: شكرًا ... شكرًا ... حمدًا لله ...
الأب وهو يهز رأسه: ربما أخطأنا جميعًا بما فيهم أنت ... ربما تخصص الحقوق يناسبكِ أكثر من الطب والهندسة والتعليم ... مهارات الإقناع لديكِ ممتازة ... ومع ذلك أريد قراءة مقال فريق "إنساني" للتأكد ...
فرح وهي تجري خارج الغرفة: فورًا يا دكتوووور ...
ضحكت الأم وهي تحمد الله في قلبها على هذه النعمة العظيمة ... نعمة تلاشي الحواجز بين أفراد الأسرة ... نعمة المواجهة والمصارحة التي أمست أمور طبيعية في المنزل لا ينتج عنها مشاحنات ولا شجار ... حمدت الله على هذه البيئة الصحية في المنزل وتمنت لو أن أخ وأخت زوجها كانوا كذلك منذ صغرهم، لما آل إليه الحال إلى هذا المستوى من القطيعة والشحناء ..
-إنساني في الأردن-
بدأت عطلة الصيف ... توقفت دروس "رياضياتي فرحي" بشكل مؤقت ... سافرت العائلة مبكرًا قبل بدء برنامج "إنساني" لقضاء بعض الوقت معًا قبل انشغال "فرح" بالفريق بالرغم من أنها كانت منشغلة بمراجعة المنهج الذي تم إرساله مسبقًا من قبل إدارة الفريق وتجهيز وسائل الشرح والألعاب التربوية حيث كان من نصيبها منهج "الوطن" من ضمن خمسة مناهج تُدرس في المدرسة "أمل- وطن- إيماني- صلاتي- أخلاقي" ... حلّ أول يوم من أيام البرنامج سريعًا ... اجتمع الفريق للتعارف أولًا ثم لمناقشة ومراجعة الخطوات الأخيرة استعدادًا ليومالغد أول أيام المدرسة ...
كانت "فرح" حديثة العهد بهذه التجربة وبطبيعة الحال تملكتها مشاعر الخشية والخوف من الفشل في التأقلم مع الفريق من جهة ومن الاخفاق من إيصال المعلومات المفترض عليها إيصالها إلى الأطفال وأخيرًا من أن لا تتمالك نفسها أمام قصص اللاجئين المأساوية فتفشل في المهمة بأكملها؛ وبطبيعة الحال لم تنم وأصابها الأرق في الليلة التي تسبق الاجتماع التعريفي وهي تفكر فيما ستواجهه غدًا، كانت هي و"بشرى" تتشاركان الغرفة؛ باحت لها بمخاوفها ولم تتكن تتوقع أن تجد السلوى والمواساة من أختها خاصة وأنها قليلة الكلام وتخصصها في الطب ساهم بشكل كبير في تقليل حديثها، إلا أنها فوجئت بها وهي تأتي إلى سريرها وتجلس على طرفه لتخبرها بأنها فخورة بها جدًا وذكرتّها بأول يوم لها في العمل وسألتها عن الكيفية التي تعاملت فيها معه في حينها، هذه الذكرى التي غابت عن بال "فرح" وتذكرت كيف أنها ضخّمت الموضوع ثم اتضح أن الوضع أفضل بكثير مما تخيلت، حاولت طمأنت نفسها بهذه الذكرى ودعتها تتسلل إلى عقلها لتملأه وتطرد الأرق، وفعلًا اعتذر الأرق عن مرافقتها لتلك الليلة وتنازل للنوم عن عرشه .. وضعت "فرح" جنبها باسم ربها وراحت في نوم عميق ...
في اليوم التالي افتَتحالاجتماع التعريفي بكلمة ترحيبية دافئة لرئيسة هذه الرحلة "عذاري" من الكويت، وتبيّن لـ "فرح" من كلمة الرئيسة أن المخاوف التي راودتها في الليلة السابقة هي مخاوف طبيعية وبأنه مع نهاية الاجتماع ستشعر المشاركات بالثقة والاطمئنان بعد توضيح الأمور بشكل نهائي... وجدت "فرح" أن جميع المشاركات معها من الكويت وبأنها الوحيدة من البحرين وبأنهن ينقسمن إلى مبتدئات بالعمل الإغاثي كما هو الحال معها وإلى من شاركن مع الفريق وأضحين لا يستطعن التوقف عن المشاركة في كل رحلة يقوم بها الفريق أكدن لـ "فرح" بأن الوضع يمسي كروتين لا يمكن التوقف عن أداءه .. تمنت "فرح" في سرّها أن ينتهي بها الحال بإضافة هذا الروتين إلى جدول أعمالها ....
ختمت "عذاري" الاجتماع بالتأكيد على وقت انطلاق الحافلة إلى المركز الاجتماعي الذي تَقام فيه المدرسة على حدود الأردن مع حلب وهو الساعة السادسة صباحًا، واعتذرت لكل فرد سيتأخر عن هذا الموعد بأنها ستضطر إلى تركه في الفندق نظرًا لضرورة التزام الفريق بالجدول الزمني في الثلاثة أيام لارتباط الفريق بمجموعة تطوعية أخرى من سوريا بالإضافة إلى أنه يجب تسليم المركز الاجتماعي الساعة الثالثة عصرًا إلى الإدارة، ناهيك عن الطريق الذي سيستغرق ما يقارب الساعة وقبل أن تأذن لهم بالانصراف شدّدت بحدة وقالت: هذا أمر وليس رجاء ... امتنعوا عن لبس أي قطعة ملابس أو اكسسوار مبالغ فيها سواء كانت من ماركة عالمية أو أقمشة فاخرة أو ألوان فاقعة زاهية كما أرجو أن تمتنعن عن وضع مستحضرات التجميل أو عطورات نفّاذة... أتوقع أن الجميع قد أخذ في اعتباره هذه النقطة دون الحاجة إلى تذكيري أو تبرير ومع ذلك فمن واجبي ذكر الأسباب، أولًا والأهم هو أن غالبية هؤلاء الأطفال لا عهد لهم بهذه الأشياء وقد خرجوا من سوريا قبل أن يعّوا إلى هذه الكماليات، ثانيًا إن فطرة الإنسان تقبل وتنجذب إلى الجمال ومن غير العدل أن نعشمهم فيه لمدة ثلاثة أيام ثم ننصرف عنهم ليواجهوا لجج الحقيقة وحدهم، ثالثًا وأنا أحب أن أذكر هذه القصة في كل اجتماع تعريفي، في النسخة الأولى لمدرسة "إنساني" إحدى المتطوعات نشرت صورة لها وهي تمسح على رأس طفل، وبنفس اليد التي تمسح بها كانت ترتدي أسوارة "كارتيير" التي كانت تستطيع بثمنها تأسيس مخيم مجهز للاجئين، لا أريد أن أتذكر تفاصيل الأزمة الإعلامية التي عشناها في تلك الفترة مع بداية انطلاقنا، ثار علينا الرأي العام مجتمعًا، لم يرحمنا أحد، حتى من ساندونا قبل تدشين المدرسة، ومعهم كل الحق، ونحن نتحمل مسؤولية عدم تذكرينا للمشاركات ... وأخيرًا من المفترض أن تكوني كمشاركة تملكين المحاسبة الذاتية والتفكير في هذه التفاصيل الدقيقة والقدرة على المفاضلة وتحكيم النفس طالما أنك تمكنت من الوصول إلى هذه المرحلة من العطاء والإغاثة ... إذَا اتفقنا .. وانتهينا أيضًا ... نلقاكن غدًا بإذن الله...
خرجت "فرح" إلى ردهة الفندق لتجد أسرتها في انتظارها للخروج لتناول العشاء ووقع الخيار على مطعم "الكلحة" في دوار "عبدون" ... جلست الأسرة في القسم الخارجي من المطعم للتمتع بأجواء عمّان الساحرة في ليالي الصيف اللطيفة أما "بدر" فقد استأذن للذهاب إلى مطعم "ماكدونالدز" لأخذ وجبته من هناك ...حكت "فرح" لأسرتها ما حصل في الاجتماع...
ثم وجهت حديثها إلى أمها: أمي ... تخيلي بأن "عذاري" رئيسة هذه الرحلة متزوجة وأم لطفلين...!!
الأم بدهشة: ما شاء الله ... كيف استطاعت ذلك؟
فرح: تقول بأنها تركت أبنائها في عهدة والدتها خاصة وأن مدة السفرة قليلة خمسة أيام، أما زوجها فقد رافقها في هذه الرحلة ...
الأم: ما شاء الله تبارك الله .. أسأل الله أن يبارك في عملها ووقتها وجهدها وذريتها ... لكن أتعلمين بأن هذه القدرة لا تتوافر عند جميع الأمهات .. أقصد ترك الأبناء والسفر لأي سبب كان ... في بداية زواجي من والدك وبعد أن أنجبتك حاولت أمي رحمها الله كثيرًا دفعي إلى مرافقة والدك للخارج في فترة تخصصه وتركك في عهدتها، لكنّي رفضت رفضًا قاطعًا فأما أن أصحبك معي أو أن أبقى معك في البحرين، وطبعًا المدة التي تواجدها والدك في الخارج كانت لا تستحق أن أغترب ففضلت البقاء...
كانت الأسرة ستنطلق غدّا إلى منتجع في البحر الميت لقضاء أربعة أيام وهي فترة تواجد "فرح" مع الفريق..

تأملت "فرح" في حياة "عمّان" الليلية من حولها وتأكدت بأن "عمّان" من المدن التي يطغى سحرها على من يراها رغمًا عنه...
-مدرسة إنساني-
انطلقت الحافلة في تمام الساعة السادسة صباحًا، تناول الفريق وجبة الإفطار في الفندق بعد أن اتفقت "عذاري" مع الإدارة على تقديمه مبكرًا عن موعده المعتاد، في الحافلة مارست "فرح" متعتها في التأمل من خلال نافذة الحافلة والتفكير بما يجول في خاطرها .. بالطبع شتّت جمال طبيعة الأردن تفكيرها ... خرجت بحصيلة سؤال واحد من التفكير في هذه الرحلة ... تساءلت هل سيستطيعون التأثير والتغيير في هؤلاء الأطفال خلال ثلاثة أيام فقط؟!
تراءت لها إجابة سؤالها بمجرد وصولهم إلى المركز الاجتماعي ... أفواج الأطفال تنتظر وتلوح وتقفز وتحيي الحافلة ... هذا المنظر قد فاق أي ظن أو تصور جال بخاطر "فرح" أطلق في قلبها شرارة الحب الأولى لهؤلاء الأطفال ... الشرارة التي تمادت لتمسي نار موقدة في قلبها ...
كان الإيقاع سريعًا جدًا في المدرسة ففي تمام الساعة السابعة والنصف بدأ الطابور المدرسي واتضح أن المجموعة التطوعية السورية قد درّبت الأطفال على فقرات متنوعة ... بكت "فرح" أو انفجرت بالبكاء بمعنى أصح على قصيدة "سوريا لن تنكسر .. قسمًا سننتصر" التي ألقاها طفل طوله لا يتجاوز ارتفاع ركبتي "فرح" ... ثم أخذت بالنشيج بصوتٍ عالٍ في أثناء نشيدة " موطني ... موطني "  التي غرّدت بها طفلة رقيقة للغاية ...تذكرت "فرح"  الشاعر العماني "إبراهيم الفارسي" وهو يلوح بيديه ويردد بيت الشعر:
"فرضًا .. فرضًا ... كرهنا الظلم في أوطاننا  ... هل يقتضي أن نكره الأوطانا؟؟!!"
تأكدت الآن من إجابة هذا التساؤل ... لم يعبأ أحد بنحيب "فرح" ... كان الجميع يبكي وهو يصفق في عملية عكسية تناقض فيها فعل العينين مع اليدين ... أما الأطفال فكأن السعادة أصبحت تغشّيهم أمنةً .. كأن الخوف غادرهم ... كأنهم لا زالوا في سوريا ... أم ربما عادوا إلى سوريا بعد انتصار الثورة ... لم تتمكن "فرح" من المفاضلة بين الوضعين أيهم أفضل بالنسبة للأطفال ...
انتهى الطابور سريعًا ووُزع الأطفال على الفصول الدراسية ... سبقت "فرح" الأطفال إلى الفصل وسارعت بتجهيز وترتيب مستلزمات الدرس .. ووقفت بانتظار الأطفال عند الباب ... سمعت صوت جلبة بعيدة ... وقبل أن تتمكن من استطلاع الوضع اندفع الأطفال إلى داخل الفصل كأنهم خرزات سبحة انقطع خيطها .. ألجمها  دخولهم الدرامي ... اكتفت بالابتسامة العريضة .. فوجئت ببعض الفتيات وهن يقبلن عليها ويضمننها في منتصف جسدها تماًما ... تشجع بعض الأولاد وقاموا بتقليد زميلاتهن ... إلا أن ما يقارب ثلث الفصل من الأولاد والبنات كانوا جالسين على الكراسي بلا أي أدنى تفاعل أو حماس أو حراك... حاولت "فرح" قبل بداية الدرس المرور عليهم والجلوس في مستوياتهم تمامًا لكسب تفاعلهم لكن بالإجماع لم تجد استجابة، وعندما وجدت أن الوقت بدأ يمضي وباقي الأطفال تململوا .. قررت البدء على أن تستمر في محاولتها معهم أثناء الشرح ... كان المنهج بسيطًا مباشرًا لكنه يحتاج إلى جهد وحذر في شرحه وإيصاله إلى عقول الأطفال ... وجدت أن عقول الأطفال متقدمة واستيعابهم أكبر مما تخيلته ويبدو أن ما أعدته من وسائل توضيحية وألعاب تربوية أقل من مستوى تفكيرهم ...  فاضطرت في الحال إلى الارتجال والعمل على تغيير بعض ما أعدته تذكرت الليلة الأولى التي بدأت فيها بتدريس "ريم" واضطرارها إلى تغيير أسلوبها في الحال .. ضحكت في سرّها وحمدت الله على هذه الموهبة ... لم تنتبه إلى الوقت حتى رنّ الجرس معلنًا وقت الفسحة، هبّ الأطفال الأكبر سنًا واندفعوا نحو الباب، أما الباقي فضلّوا جلوسًا على مقاعدهم، تنبهت "فرح" إلى ذلك وتذكرت أن  بعض الأطفال قد خرج من "سوريا" وهو أصغر من سن المدرسة فلم يعتادوا على هذه الأساسيات، استغلت هذه الفرصة لإيضاح معنى هذا الصوت لهم ... أحد الأطفال الصامتين نطق كمدًا: " آنسة ... آنسة أنا بكرهوا  لهالصوت ... سمعتو مرة في شأتنا في حلب ... بعدين دخل رجّال بشبيهوا لباتمان وأتل بابا ... حط السكين على رأبت بابا هيك" وهو يشير إلى رقبته " أنا ما بحبوا لباتمان" .... صُعقت "فرح" مما سمعته .. لم تفكر قط فيما شاهده هؤلاء الأطفال قبل خروجهم من سوريا ... ربما لم تشأ أن تفكر حتى لا تنجرح ... لكن ها هو طفل لم يتجاوز الست سنوات يتحدث عما أصاب والده ببساطة شديدة وكأنه يشرح شجار حصل مع صديقه في الحيّ .. سارعت "فرح" إليه وضمته طويلًا لا شعوريًا ... لم تشعر حتى قال لها: "آنسة حاجة خنأتيني" ترتكه "فرح" وهي تغالب دموعها وتحاول تصنع ضحكة .. أكدت له ولباقي الأطفال أن ما يوجد بالخارج أحلى بكثير مما في الفصل .. تشجعوا وخرجوا جميعًا ... ظلّت هي وحيدة تنتحب ... حدث ما كانت تخشاه ... دخلت في نوبة بكاء لا إرادية ... بينما كانت "عذاري" تتفقد الفصول للتأكد من خلوها من الأطفال والمتطوعات، دخلت الفصل و"فرح" منحنية على الحقيبة توظب حاجياتها وكأنها تتأهب للرحيل...
عذاري: عزيزتي "فرح" دعي الحاجيات في مكانها فسيرجع الأطفال إلى الفصل بعد الفسحة...
التفتت إليها فرح وقالت بصوت مرتعش: عذرًا يا "عذاري" لا أعتقد بأني أصلح لأداء هذه المهمة سأرحل الآن... وبدأت مرة أخرى في البكاء الهستيري وهي تحكي لـ "عذاري" قصة "يزن" الطفل الصامت الذي نطق ليخبرها فقط بأنه أمسى يكره "باتمان" معشوق أغلب الأولاد في سنه..
عذراي وهي تجرّها من يدها: تعالي ... تعالي وانظري بنفسكِ...
تبعتها "فرح" مستسلمة إلى خارج الفصل ... سطعت أشعة الشمس في عينيها فاضطرت إلى تغطية وجهها بيدها ... وبعد أن اعتادت عينيها على الشمس أنزلت يدها لترى ساحة المركز المفتوحة ... كان الوضع يشبه المهرجان تمامًا ... أصوات الأناشيد تملأ الفضاء ... مجموعة تلعب بالكرة ... مجموعة تنتظر دورها في قسم صباغة الوجه ... مجموعة تتابع عرض مسرح العرائس ... مجموعة تلعب ألعاب مائية ... قسم المأكولات والمشروبات الباردة ... بالونات ملونة ... صوت ضحكات الأطفال يعلو على صوت الأناشيد ليكون مقطوعة موسيقية تبثّ السعادة في النفس رغمًا عن النفس ... فكّرت "فرح" هذه الفسحة لا تشبه الفسحة الحقيقية في المدارس ... لكن هؤلاء الأطفال يستحقون بالتأكيد جميع مهرجانات العالم ...
واصلت "عذاري" طريقها وهي لا تزال تمسك بيد "فرح" حتى وصلتا إلى مسرح العرائس ... أجلستها على الطرف وأشارت إلى أول صف في المنتصف تمامًا كان يجلس "يزن" وهو يرقص ويقلّد حركات العرائس أمامه، ثم سحبت يدها مرة أخرى ودفعتها إلى قسم المأكولات، كانت المتطوعات يعملن كخلية نحل في إعداد وجبات بأعداد هائلة تفوق عدد أطفال المدرسة مجتمعين، تساءلت في  نفسها عن سبب هذا العدد الكبير من الوجبات، ثم سحبت يدّها لآخر مرة واتجهتا إلى غرفة الإدارة، أجلستها "عذاري" مرة أخرى ووقفت أمامها وهي تشير إلى خارج الغرفة وقالت: قصة "يزن" تعتبر قطرة في بحر قصص كثيرة أشد وجعًا وألمًا .. ربما تتساءلين لماذا لا أبكي مثلكِ ... لماذا لا يؤثر فيّ هؤلاء الأطفال بقدر ما تأثرت بهم ... أولًا هناك الألفة والاعتياد .. تقريبًا أنا أقف هنا للمرة السادسة خلال سنتين ... هذه المدّة القصيرة وقتًا والطويلة خبرةٌ ... أكسبتني مناعة ضد قصص هؤلاء الأطفال المساكين ... في البداية مررت بما مررت به تمامًا حتى أنني فقدت القدرة على النوم الطبيعي دون منومات لمدة شهرين بعد أول زيارة لي .. واليوم بعد أن استمعت وعشت كل هذه القصص ... فقدت عنصر المفاجأة ... لم أعد أفاجأ من أي درجة من درجات الوحشية ... ثانيًا، ربما تظنين بأني قاسية أو متحجرة والحقيقة هي أنني بسبب هذه المناعة ... أصبحت أكثر قدرة على العطاء والاستمرار والتطوير دون انهيارات وانهزامات وانكسارات ... ثالثًا، على الرغم من أني لم أحضر معك إلى الفصل لكني بالممارسة أعلم بأن "يزن" من مجموعة الأطفال الصامتين والذين حاولتِ معهم مرارًا لدفعهم إلى الحديث لكنكِ ظننت بأنك فشلت معهم، لكن الحقيقة هي ما رأيته من طاقة وحيوية في الخارج هذا هو تأثيركِ يا عزيزتي... ونعم لا بدّ أنك تساءلت في نفسكِ عن سبب تجهيز وجبات بأعداد تفوق عدد الأطفال .. من خبرتنا في النسخ السابقة من مدرسة "إنساني" فإنه بغض النظر عن بساطة ما نقدمه للأطفال من مأكولات فإن أغلبهم يرفضون الأكل في المدرسة ويطلبون أخذه معهم إلى أسرهم ... لذا فإن عملية تجهيز هذه الوجبات تتم بضبط ودقة عالية حتى يطمئن الأطفال إلى أنهم سيأكلون في المدرسة وسيحملون سهم أسرهم عند عودتهم.
 اذهبي وعيدي ترتيب مستلزماتك قبل أن تنتهي الفسحة ويهجم الأطفال على الفصل بعد الطاقة التي اكتسبوها من أكل كل هذه الحلويات... نعم وتأكدي أنه في المرة القادمة سأترك مهمة المواساة هذه إليكِ، ستقفين محلّي هنا للتهوين على أحدث المتطوعات المنهارات في الفريق.
 ضحكت "فرح" وشكرت "عذاري" بعمق وانطلقت خارجة إلى فصلها...
مضت الثلاثة أيام بحبّ وإقبال وشغف وفرح وحزن ودموع وضحكات وعناق وخناق حتى حان اليوم الأخير ولم يكن يوم الوداع؛ واعدت المتطوعات طلبتهم باللقاء بهم في اليوم الذي يليه، حيث سينظم الفريق زيارات ختامية إلى أسر الطلبة ...
-كلا لا مفرّ -
في الليلة التي سبقت زيارات أسر الطلبة، اجتمع الفريق في غرفة "عذاري" للاتفاق على توزيع الأدوار والمهام لرحلة الغد .. طُرق الباب ... سارعت "عذاري" إلى فتحه وإذا بفتاتين تقفان عنده ... كان عناقًا طويلًا تخللته عتابات واعتذارات " شدعوة ما بغينه نشوفكم يا أهل البحرين" والفتيات يؤكدن "والله تونه واصلين من المطار، حطينه أغراضنه في الغرفة وييناكم دايركت"
عذاري وهي تفسح لهم الطريق للدخول: حياكم الله ... نورتونا ...
أحاطتهن بذراعيها وبدأت فقرة التعارف: "مروة" و"آمنة" من فريق سناد التطوعي من البحرين ... ثم بدأت تعرّفهن على أسماء الموجودات .. عادت إلى "فرح" وقالت: هذه هي "فرح" العضو الأجدّ والأنشط في فريق "إنساني" كسبتها الكويت قبل البحرين...
تعجبت "فرح" لأنها لم تسمع بفريق "سناد" مسبقًا ولم تكن تعرف هؤلاء الفتيات على الرغم من أنهن في سنها تقريبًا، فلم تلتقي بهن قطّ في المدرسة أو الجامعة ... ومن طريقة استقبال "عذاري" للفتيات وطريقتها البسيطة في التعامل معهن تأكدت بأن الصداقة التي تُبنى وتُأسس بأساس تطوعي إغاثي هي من أقوى الصداقات وإن باعدت المسافات بينها...
أخذت السهرة منحنى مختلف؛ فبعد أن تم الانتهاء من التشطيبات الأخيرة لزيادة الغد بدأت فقرة السمر.. حيث دعت "عذاري" "آمنة" للحديث عن مشروع "سناد" الذي جاءوا من أجله إلى الأردن وهو بناء قرية نموذجية على حدود سوريا ستكفل العيش الكريم لأكثر من مئتي عائلة ....
مروة وقد زفرت زفرة أسى واضحة: هل لكنّ أن تتخيلن؟ جاءت معنا "عائشة" مهندسة مدنية من البحرين ذات خبرة واسعة في الإشراف على مثل هذه المشاريع، إلا أنها فور وصولنا إلى مطار الملكة علياء الدولي تلقّت خبر وفاة خالها رحمه الله وسارعت إلى حجز تذكرة الرجوع ... كان الله في عونها لا أستطيع تخيل مشاعرها وهي تضطر إلى عبور المطارات لحضور عزاء خالها .. قدّر الله وما شاء فعل ... كانت مهمة "عائشة" هي الاطلاع ودراسة الخرائط التي أعدها المكتب الهندسي التابع لهيئة الإغاثة الإنسانية –فرع الأردن- ... والآن أنا و"آمنة" في حيرة شديدة هل نرجع إلى البحرين وننتظر إلى حين انتهاء عزاء خال "عائشة" وتحسّن ظروفها أم ماذا نفعل؟فكما تعلمون لا خبرة لي أنا و"مروة" في مثل هذه الأمور ... كما أن "عائشة" من المهندسات القلائل اللاتي وافقن على أخذ إجازة سنوية من العمل وتحمل أتعاب ومصروفات هذه الرحلة بكل رحابة صدر ...
عذاري: عسى الله أن يكتب لها أجر النية والارتحال في سبيله ...
كانت "فرح" تسمع بإنصات وتوتر ... ضميرها يدفعها إلى إخبارهن ولكنها تفضل التزام الصمت لأن وجودها هنا لسبب مختلف ... وقد رتبت أمورها وأمور عائلتها وإجازتها السنوية من العمل على أساس خطة عمل "إنساني" وليس "سناد"...
ساد صمت ثقيل .. قطعته "آمنة": شكرًا على استضافتك الدافئة عزيزتي "عذاري" ... سعدت باللقاء بكنّ أخواتي ... يجب أن نعود إلى غرفتنا الآن لإلغاء موعدنا مع المكتب الهندسي وتغيير حجز تذاكر العودة فلا حاجة لنا للبقاء إلى ما بعد الغد ..
تبعت "عذاري" "آمنة" و"مروة" إلى باب الغرفة .. "فرح" تشيعهن بنظراتها التي تنطق إحساسًا بالذنب على لجم العلم والخبرة التي تملكها .. هذا العلم الذي أُجبرت على اكتسابه في مرحلة من مراحل حياتها السابقة ... العلم الذي هربت منه في البحرين وجاء يلاحقها هنا في الأردن ...
قبل أن تغلق "عذاري" باب الغرفة ... صرخت "فرح": لحظة ... مروة ... آمنة ... لحظة من فصلكن ... التفتن إليها... وعدن أدراجهن ...
"فرح" بتردد واضح: أنا أعمل كمهندسة في وزارة الإسكان ومهامي الأساسية تتركز في الإشراف على مشاريع المدن السكنية .. شعرت أنه من واجبي إبلاغكن بالرغم من أني أعلم أن شروط الانضمام إليكن ومعاييركن لاختيار المتطوعات لا تنطبق عليّ قطعًا .. فأنا مبتدئة في هذا المجال ...
جلست ودعت الله في سرّها أن تشكرها الفتاتان وتنصرفان وينتهي هذا الكابوس المزعج ...
نظرت "آمنة" إلى "مروة" نظرة دهشة وعدم تصديق، ثم اقتربت من "فرح" وأمسكت بيديها: " مالها إلا بنت بلادنا " ... ما هذا الذي تقولينه عن المعايير ؟؟!! لقد ساقكِ الله إلينا في هذا الظلام الحالك بعد أن ظننا أن تقطعت بنا الأسباب..
مروة: نستأذنكِ يا "عذاري" في استعارة "فرح" وتوقيع عقد احترف معها في فريقنا .. وأعتقد بأن "فرح" لن تمانع وستتمكن من تعويض زيارة أسر طلابها في رحلة أخرى.. وأنتِ يا أيتها المنقذة موعدنا غدًا .. في تمام العاشرة سننطلق ... والآن هيا معنا إلى غرفتنا لاستعراض ما سنقوم به غدًا ...
"فرح" هي تنظر إلى "عذاري" بتوسل: ولكن ...
عذاري: اذهبي معهن يا عزيزتي ... هذه فرصة أجر وباب من أبواب العطاء قد انفتح لكِ ... أعدكِ بتعويض زيارات الغد في رحلتنا القادمة ... هذا وعد حتى تلتزمي بالمشاركة فيها ...
"فرح" باستسلام: حسنًا ... على الرغم من أني لم أودع طلبتي وداعًا لائقًا ... سأحضر لكِ الهدايا والرسائل التي أعددتها لهم ... احرصي على تسليمها شخصيًا...
بعد أن انتهت "فرح" من الاجتماع مع "آمنة" و"مروة" والاتفاق على لقاء الغد.. ذهبت إلى غرفتها وفكّرت بأنها لن تحتاج إلى تمديد إجازتها أو إبلاغ والديها وإقلاقهم ... فاللقاء لن يطول لأكثر من ثلاث ساعات مع المكتب ... ومع انتهاء يوم الغد ستكون أسرتها قد رجعت إلى الفندق..
-سناد البحرين-
دُهشت "فرح" عند استيقاظها في اليوم التالي .. بأنها استغرقت في النوم دون التفكير أو التخوف من الفشل في لقاء اليوم مع المكتب الهندسي ... ضحكت بعد أن أرجعت السبب إلى أن تواجدها لن يكون بصفتها كمدرسة بل كمهندسة الأمر الذي اعتادت على ممارسته منذ تخرجها من الجامعة ...
ارتدت ملابسها وتوجهت إلى مطعم الفندق للقاء "مروة" و"آمنة" كما تم الترتيب له ليلة الأمس ... لم تسنح لها الفرصة لتوديع فريق "إنساني" فقد انطلقن من الفندق الساعة السادسة صباحًا .. تناولن الإفطار معًا ثم اتجهتا إلى مرأب الفندق إلى السيارة التي استأجرتها "مروة" .. تعجبت من جرأتها في السياقة في خارج بلدها ...
بعد أن انطلقت السيارة قالت "مروة" وهي تضحك: لا بد أنك مستغربة من إقدامي على السياقة خارج البحرين ...
فرح: تمامًا هذا ما جال بخاطري...
آمنة وهي تضرب "مروة" على كتفها: مروة أصبحت ضليعة في شوارع الأردن عمومًا و "عمّان" خصوصًا ومع وجود خرائط الملاحة الالكترونية وفرنا على أنفسنا أوقات هائلة في التواصل مع السواق وحجز مواعيد، وتلافينا مشكلة تضارب المواعيد التي تحصل معهم، فزياراتنا إلى الأردن عديدة لمتابعة مستجدات مشاريعنا...
أسفر اللقاء مع مهندسي هيئة الإغاثة عن تغيير جذري في الخرائط  نظرًا إلى أن المتطلبات التي تم تقديمها من قبل فريق "سناد" في التقرير لم تكن واضحة ، فكان لا بدّ من هذا اللقاء لشرح المقصود تمامًا ... في أثناء اللقاء تنازلت كل من "مروة" و"آمنة" عن الدخول في النقاش إلى "فرح" ... التي كانت ضليعة جدًا في إيصال المعلومة بحرفية عالية أشاد بها المهندس المسؤول في نهاية اللقاء، حيث أبدى إعجابه بمخرجات التعليم وسوق العمل في البحرين، خصوصًا عندما علم أن فرح خريجة جامعة البحرين وتعمل في القطاع الحكومي هناك...
أسعدها "فرح" هذا الإطراء كثيرًا ... فقد اعتادت على المدح والثناء والشكر في عطائها كمعلمة ... كانت هذه هي المرة الأولى التي تتلقى هذه الكلمات لكونها مهندسة ... في طريق عودتها فكّرت وتساءلت كعادتها..
هل حب الوظيفة والشغف بها شرط للإبداع فيها؟
من غير المعقول؛ فها هي تكاد لا تكن مشاعر لوظيفتها كمهندسة إلا أنه اتضح أنها قد اكتسب خبرة جيدة رغمًا عنها أشاد بها مهندس من خارج البحرين...
هل عبارة " يمكن أن يعمل الناس 8 ساعات يومياً من أجل الراتب، و10 ساعات من أجل المدير الجيد، و24 ساعة من أجل فكرة يؤمنون بها" صحيحة؟
ربما، فها هي تعمل كمهندسة لـ 8 ساعات من أجل الراتب فقط وباقي اليوم تكرسه لمشروعها "رياضياتي فرحي"، لكن يبدو أن هذا الشيء سيتغير الآن بعد هذه المقابلة ....
هل المقولة المملة دائمة الترديد سواء من طلبة المدارس وممن تخرجوا بأنهم لم يستفيدوا من دراسة مقررات الرياضيات والأحياء والكيمياء ولم يرجعوا إليها أبدًا خلال مسيرتهم الحياتية، هل هي مقولة صحيحة؟
وجدت "فرح" بأن هذه المقولة تحمل الكثير من النكران والجحود، ربما معهم حق في جزئية عدم الرجوع إليها أبدًا خلال مسيرتهم الحياتية فقط، لكن ما المانع من اكتساب هذه المعرفة؟ أو ما هو الضرر الذي سيلحق بهم من معرفة الكائنات الدقيقة ودراسة مقرر علوم البحار والتعرف على قواعد الاحتمال والمركبات العضوية وغيرها؟ إذا كان المؤشر الوحيد إلى فائدة المعرفة هي توظيف المعرفة في الحياة اليومية إذًا فلنغلق المدارس والجامعات ولنعيد افتتاح الكتاتيب ولنكتفي بتعلم القراءة والكتابة والحساب ونترك العلوم المهمة لمن يريد التخصص فيها فقط، ولنكتسب المهارات المطلوبة لوظائفنا من الممارسة فقط ونتجاهل المعرفة ... تخيلت حال أمهات وآباء المستقبل وهم في حيرة لا يعلمون كيف يدرسّون أبناءهم في فترة الامتحانات ثم يضيقون ويتبرمون أمام أبناءهم من عدم جدوى هذه المقررات وبأنهم وصلوا إلى هذا السن دون الاستفادة ... إذًا ستتوارث الأجيال هذه الأفكار الصدأة ... وجدت أنه من المؤسف انتشار رغبة الاكتفاء من طلب العلم بالتزامن مع الحصول شهادة البكالوريوس فقط، وغالبية من يواصل دراسة الماجستير رغبةً منه الحصول على ترقية في العمل، وهو ليس بالشيء الخاطئ لكن إذا كانت غالبية الوظائف الحكومية الغير إشرافية لا تتطلب الحصول على هذه الشهادة وبالتالي فإنه هذه الغالبية لن تحصل على الترقية المرتقبة، ثم تصاب بالإحباط وتبدأ بتفنيد أهمية هذه الشهادة وبالتحسر على الأموال الطائلة التي صُرفت للحصول عليها وتنشر فكرة عدم جدوى مواصلة الدراسة وبأنه لا يوجد تقدير لها، وكأن العلم الذي اكتسبه الشخص خلال هذه الفترة لا يعني له شيء طالما أنه لم يترقى ولم يحصل على زيادة في راتبه، وكأن النفس غير جديرة بالاحترام والترقي وتوسيع مداركها إلا لمقابل ومردود مادي... فضلًا عن الدولة التي تكاد تخلو مؤسساتها من بعثات الحصول على درجة الماجستير إلا للقلة القليلة ممن يتقلدون مناصب إشرافية تجبرهم على ذلك أو من المعيدين في الجامعات الحكومية بطبيعة الحال.
قطعت تدفق تساؤلاتها "آمنة" وهي تخبرها بأن عند رجوعهم إلى البحرين سيستأنفون مهام العلاقات العامة للحصول على رعاية من أكبر عدد من الشركات والمؤسسات: وجودكِ مهم جدًا يا "فرح" خصوصًا في المؤسسات الهندسية، لأنك من أهل اختصاصهم وتعلمين ما هي اللغة المناسبة للتفاوض معهم...
"فرح" وهي تنتزع عينيها انتزاعًا من النافذة وتوجهها إلى "آمنة": نعم .. نعم بالطبع ولكن يلزمني التنسيق حيث لديّ مشروعي الذي أعمل به .. وحكت تفاصيله إلى رفيقاتها ...
"مروة" وهي تحاول المعادلة بين رؤية "فرح" في الخلف ورؤية الطريق في الأمام: ما شاء الله .. ما شاء الله .. ما هذه الأفكار ... أنا منبهرة حقًا ... مؤسف بأن تعارفنا تأخر إلى هذه المرحلة .. كان بإمكاننا تأسيس عمل رائد بهذه المهارات والأفكار التي تملكينها ...
ضحكت "فرح": لقد راودني نفس الخاطر تمامًا في أول لقاء معكن في غرفة "عذاري"...يبدو أن القادم سيكون أقوى ...

قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى 
قبل انتهاء العطلة الصيفية سارعت كل من "مروة" و"آمنة" إلى أخذ مواعيد مع الشركات الهندسية قبل أن تنشغل "فرح" مع دروس "رياضياتي فرحي"، وفي أحد الأيام بعد أن انتهين من اللقاء مع الشركة الهندسية كان لديهن على الجدول لقاء مع عيادة طبيب أمراض تنفسية رغبةً منهن في الحصول إما على تجهيزات لعيادة القرية السكنية أو إرسال طبيب زائر للعيادة على الأقل، وحيث أنهن كن في سيارة واحدة، قالت "آمنة": عذرًا يا "فرح" سنضطر إلى تأخيركِ قليلًا لموعدنا مع عيادة الأمراض التنفسية...
فرح: بالطبع .. لا مانع ..
وصلن إلى العيادة، وفي قاعة الانتظار كانت "فرح" منشغلة بهاتفها لإرسال رسائل إلى صديقتها "شيماء" للاتفاق على توزيع الأدوار والإعلان والتسجيل قبل بدء العام الدراسي، فلم تنتبه إلى اسم العيادة أو الأطباء العاملين فيها، حتى جاء دورهم للدخول على الطبيب صاحب العيادة ... عبرت إلى غرقة الطبيب وهي لا تزال منشغلة بالهاتف .. ألقت رفيقتاها السلام وردّ الطبيب التحية ... تناهى إلى سمعها صوت قديم جدًا ... صوت دفع إلى رأسها إلى الأعلى للتأكد من صاحب الصوت ... صوت أثار في نفسها حنين وبعد ... شوق وفراق ... حزن وفرح ... دفء وبرد ... أمان وخوف ... ضحك وبكاء .. صوت استطعمت به طعم مثلجات من شاحنة المثلجات ... صوت استشعرت به يد تربت على كتفها وشال صوف يدفئها ... صوت عمها "عبدالعزيز" كان سبب كل هذه الأحاسيس ... تفرست في هيئته جيدًا ... فور رؤيته تذكرت حال أبيها في فترة حبسه في القوقعة ... المنكبين يتجهان إلى الأسفل في استجابة شديدة إلى جاذبية الكرة الأرضية ... خطوط الضحك أو عفوًا الحزن غائرة على أطراف الوجنتين ... الحاجبان متجهان إلى الأسفل بزاوية مطابقة تمامًا مع زاوية انحدار الكتفين ... كان لا يزال منشغل بجهاز الحاسوب ... وبعد لحظات تركت يداه لوحة المفاتيح والتقط نظارته برعشان واضح في اليدين  .. وضعها على عينيه... عينيه تحدق في الفراغ .. كان نسخة طبق الأصل عن الحال الذي كان عليه أخيه "عبد الله" مع إضافة رعشان اليدين .. بدأ حديثه: بماذا أستطيع خدمتكن؟
ابتدأت "مروة" بالحديث وبأسلوبها المحترف في إدارة الحوارات وعرض المشروع عرّفت بهن ثم بدأت بشرح الموضوع باختصار شديد وحاولت الانتهاء في وقت قصير قبل أن تفقد اهتمام الطبيب ...
العم "عبدالعزيز" وهو لا يزال يحدق في الفراغ: حسنًا .. لا مانع .. أرجو تسليم التصور التفصيلي بالمبالغ والأجهزة المطلوبة إلى السكرتارية بالخارج وسيتم الرد عليكن قريبًا .. شكرًا لكن ...
ثم نزع نظاراته واتجه إلى الحاسوب مرة أخرى غير آبه بنظرات الفتيات المتعجبات من تصرفه ... نهضت الفتيات وهن يتمتمن بعبارات الشكر لكن بالطبع لم يبدو وكأنه سمع أو أحس بمغادرتهن ...
في الخارج، سلمن التصور وأرقام الاتصال ثم هممن بالانصراف ... وقفن بانتظار المصعد ..
مروة: لم ينظر إلينا حتى ... ربما كنا سارقات أو نصابات أو عصابات ... ولم يطلب أي مستندات ثبوتية ... هذه المرة الأولى التي أتعامل فيها مع هذا النوع النادر جدًا من الرعاة .. في العادة أحتاج إلى تناول أربع حبات من المسكن و شرب كمية من الماء تملأ مسبح "أولومبي"؛ للتعافي من لقاءات الرعاة التي تشابه جلسات التحقيقات أو المناظرات من شدة التدقيق والتحقيق والتأكد والتصادم والتفاوض ... أجزم بأننا لن نصادف مثل هذا النوع من الرعاة مرة أخرى ... ليت كل الرعاة مثله ...
عندما وصل المصعد ... استأذنتهن "فرح" بالرجوع إلى غرفة الطبيب وطلبت منهن انتظارها في السيارة وقبل أن تنتظر ردهن استدارت عائدة إلى العيادة ثم دخلت غرفة الطبيب متجاهلة نداءات السكرتيرة ... لم تطرق الباب .. فتحته ودخلت .. تجاوزت المكتب وذهبت للوقف خلف شاشة الحاسوب للنظر إلى عمها في عينيه تمامًا ... لم يرفع عينيه واصل دفن حزنه في شاشة الحاسوب التي تكاد تنطق كمدًا من الشحنات السلبية التي تضطر إلى تحملها يوميًا من الطبيب ...
فرح: عمي .. عمي " عبدالعزيز "...
صدرت عن العم حركة وكأن شيئًا ما قد وخزه ثم رفع عينيه للتأكد من الشخص الذي يقف أمامه ...
فُتح باب الغرفة وإذا بالسكرتيرة تكاد تسقط مغشية من الرعب الذي أحال وجهها إلى  لون مقارب للون الباب الذي تستند عليه، قالت بأنفاس لاهثة متقطعة: عذرًا .. عذرًا يا دكتور ... تجاهلت هذه الفتاة نداءاتي .. لم أستطع منعها من الدخول ... أعلم بأنك تكره أن يدخل عليكم أحدهم دون موعد مسبق بأسبوع على الأقل ... هل أطلب أمن العمارة؟ أم الشرطة أفضل؟ نعم .. نعم حالًا يا دكتور الشرطة .. الآن .. فورًا ...
العم "عبدالعزيز": لا داعي يا "أنيسة" .. اخرجي وأغلقي الباب خلفك ...
"أنيسة" وهي لا تزال تلهث وكأنها لم تسمع ما قيل لها للتو: نعم سأطلب الشرطة ... ماذا؟؟ .. ما الذي تفضلت به دكتور؟ أخــ ... ماذا ... الباب ؟؟؟؟
العم "عبدالعزيز": لا حاجة للشرطة ولا للأمن ... اخرجي وأغلقي الباب خلفك ...
"أنيسة" وقد حولت نظرات الثور الهائج إلى "فرح" بتشكك: حسنًا ... كما تأمر يا دكتور .. هل أنت متأكد ؟؟
ساد صمت ثقيل دفع "أنيسة" إلى غلق الباب بقوة والخروج ...
تأكدت "فرح" من أن تقلّب الأزمنة لم تقلب أطباع عمها بل بقى كما هو بصلابته وعناده وتحجره وفظاظته ...
وبنفس الشجاعة التي واجهت بها عمها في ذلك اليوم تخلّت عن لباقتها وقالت: لو أتوقع بأن تتعرف عليّ لذا بادرتك أنا بتعريف نفسي ... مضى وقت طويل ها ..
العم "عبدالعزيز" وهو يحدق في "فرح" الواقفة خلف شاشة الحاسوب: نعم وقت طويل صعّب عليّ مهمة التعرف إليكِ على الرغم من أنه عندما عرفت بكن الفتاة قبل قليل، أحسست بأني الاسم مألوف لكن لم أشأ نبش ذاكرتي ... في الحقيقة توقفت عن غور أسبار الذاكرة بعد وفاة والدي ... هذا أفضل لي كما ترين ...
فرح: لا لا أرى ذلك بالعكس ... لقد كنت بحال أفضل في آخر مرة رأيتك فيها ... استدارت "فرح" إلى خلف المكتب واستدار عمها بالكرسي ليقابلها .. أمسكت يديه ... وقالت: هل هو مرض الرعاش؟ كما ترى لم أتخصص بالطب لكني أعلم الأساسيات ...
سحب يده مسرعًا: لا دخل لكِ ...
أبت اللباقة إلا أن تسيطر على "فرح" مرة أخرى ... أمسكت يد عمها بإصرار وقوة أكبر: لماذا كل هذه القطيعة والصدود يا عمي الأكبر؟ اعلم بأننا نفتقدك جميعًا ... والدي ... عمتي ...
العم "عبدالعزيز" وكأنه يحاول نبش ذكرى من تحت أنقاض هائلة: عمتي!! هل تقصدين أختي "إيمان" ياااه .. كدت أن أنساها تمامًا ... كيف حالها؟
"فرح" وهي لا تزيد من قوة ضغطها على يد عمها لإيقاف الرعشان: بخير الحمد لله... في ليلة مباركة منّ الله عليها هي ووالدي بنعمة الصلح .. وها هي بالكاد تفارق منزلنا وقت النوم فقط...
لم يسحب العم يده في هذه المرة، أحس بالاطمئنان وكاد أن يركن إلى حديث "فرح" حتى استأنفت بقولها:
 دعني أؤكد لك بأن حالتها هي ووالدي كانت لا تقل سوءًا عن حالتك الآن قبل أن يتصالحا ويقررا كسر القطيعة ... والآن كلاهما في صحة نفسية وجسدية جيدة جدًا ...
هنا تنبه العم وسحب يده مسرعًا للمرة الثانية: وما به حالي؟ أنا بخير ... لست بحاجة إلا أحد ...
فرح: عمي ... عمي .. لا فائدة من المكابرة .. هل تريد أن أرتب زيارة لهم إلى العيادة حتى ننهي لعبة الأطفال هذه التي استمرت طويلًا وأمسى لا بدّ من إيقافها؟
العم: والدكِ هو الذي بدأها ولست أنا ....
فرح: لا بأس لنفترض ذلك ... أنت الأكبر وفي مقام الأب ألا يستحق أن تصفح عنه؟
العم: قلت لكِ بأني لا أريد أحدًا .. ولا أريد من يذكرني بالماضي السحيق .. الآن أخرجي قبل أن أشفي غليل "أنيسة" فيكِ وأسمح لها باستدعاء الشرطة ...
فرح: ما دام الأمر هكذا ... حسنًا سأخرج .. لكن دعني أتنبأ لك بأن حالتك ستزداد سوءًا وبأن نصف العلاج النفسية الجيدة ... وحسب ما أرى فإنك تمر الآن في أسوء مراحل حياتك على جميع الأصعدة ... وبأنه لا يوجد حل لأزمة نهاية العمر إلا أن تقضي هذه الأزمة وسط عائلتك ... لكن ما دمت تصر على اعتناق هذه العقلية المتحجرة أتمنى لك الاستمتاع بقضاء أزمة نهاية العمر في وحدة وعجز ومرض ...
خرجت وصفقت الباب بقوة...
في السيارة، اعتذرت عن جعل "أمنة" و"مروة" تنتظران طويلًا وبررت ذلك برغبتها في الحصول على استشارة بشأن مرض أحد أقاربها ...
ساد الصمت طريق الرجوع إلى منزلها ... فكّرت هل تصارح والديها بما حصل؟ أم تلتزم بالصمت؟ قررت أن تخبر والدتها فقط ... لا طاقة لها بردود أفعال والدها الغير متوقعة ... أخبرت والدتها بتفاصيل ما حصل ... أكدت والدتها بضرورة إبلاغ والدها ربما قد تغير موقفه من أخيه بعد هذه السنوات والمواقف التي مرّ بها ... أبلغت "لبنى" زوجها الذي قابل هذا الخبر بهدوء وصمت وكلمة واحدة "سأرى"...
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ 
بعد الدفعة المعنوية التي حازت عليها "فرح" مع نهاية رحلتها إلى الأردن ... رجعت إلى العمل وقد قطعت على نفسها عهدًا بأن تحاول أن تمارس عملها بشغف أكبر وإقبال حقيقي... فقد توصلت إلى أنه ...
لا بأس أن يبدع الانسان في تخصصين ...
لا بأس أن ينجح الإنسان في تخصصين ...
لا بأس أن يتبحر الإنسان في تخصصين ...
كان عناقًا طويلًا مع "شيماء" التي التقت بها للتو فقط بعد عودتها من الإجازة ... حكت لها كل ما حصل لها وكيف ذهبت متطوعة مع "إنساني" وعادت متطوعة مع "سناد" ... أكبرت "شيماء" في الفريقين جهودهم وتضحياتهم وإقدامهم على مثل هذه الرحلات الإغاثية .. قالت لـ"فرح": هل تعلمين بأنك شاركت في رأس المال لهذه القرية لكنه رأس مال تخصصي فقط؟
فرح: تمامًا ... لم أفكر بذلك في الحقيقة ... ليت يوجد مثل هذا القانون في الجهات الحكومية بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني  .. بحيث يُسمح لنا بشكل رسمي بالمشاركة في مثل هذه المشاريع بالخبرة التخصصية فقط ... لن تتكلف جهات العمل أي مستحقات مالية ...
شيماء: تقدمي باقتراح إذًا...
فرح: كيف؟ وإلى من؟
شيماء: لكِ أن تتقدمي باقتراح عن طريق ملأ استمارة الاقتراحات الموجودة في بوابة الخدمة المدنية، ثم تسلميها إلى إدارة الموارد البشرية للبت بشأن اعتماد الاقتراح ومن ثم تطبيقه أو رفضه...
فرح: ممتاز ... حالًا ...
تقدمت "فرح" باقتراحها ومرّ الاقتراح في الإجراءات المتبعة في هذه الحالة، وفي النهاية رُفض الاقتراح بحجة أنه قد يُطلب من الجهة الحكومية تفريغ الموظف من مهامه الوظيفية الأمر الذي قد يؤدي إلى التأثير على سير العمل في الجهة ، تقبلت "فرح" الرفض وسببه المقنع بصدر رحب، ووجدت أنها بالفعل لم تنتبه إلى هذه النقطة بشأن التفريغ من العمل وأنه بإمكان الموظف عمل ما يشاء بعد انتهاء وقت الدوام الرسمي أو في أيام إجازته السنوية، وظنت أن الموضوع قد أُغلق عند هذا الحدّ، لكن اتضح بأنها كانت مخطئة، ففي صبيحة أحد الأيام بينما كانت في طريقها إلى مكتبها وهي تلقي تحية الصباح على مكاتب الموظفين، استوقفتها موظفة من الذين نجحت "فرح" في ضرب جذور الحياد بعيدًا عنهن ونادتها: فرح ... فرح ...
عادت فرح أدراجها ووقفت أمام باب مكتبها ... تسللت إلى أنفها رائحة زيت مقلي لا تليق بالصباح ...
فرح: نعم ..
الموظفة وهي تتصنع نبرة التعاطف: يظهر أنك تمرين بضائقة مالية يا عزيزتي...
خطت "فرح" إلى داخل مكتب الموظفة: ضائقة مالية؟ لا، أظن بأنك مخطئة...
الموظفة وقد زالت نبرة التعاطف وحلّت محلها نبرة ساخرة: كيف أكون مخطئة وأنا التي راسلت إدارة الموارد البشرية بشأن اقتراحكِ..
فرح: نعم تقدمت باقتراح ... لكني لا أمر في ضائقة مالية ... ما علاقة ذلك بالمال أساسًا؟
الموظفة وهي تقهقه: لا بأس يا عزيزتي، جميع من يتقدم بهذا الاقتراح يتصنع عدم درايته بالمكافأة المالية لتقديم الاقتراحات، لكن جميعنا يعلم حقيقة ذلك بأنه إما يكون الموظف يمر بضائقة مالية أو في الغالب يكون من "عبيد المال" وأطلقت ضحكة عالية ..
تأملت "فرح" حال الموظفة وهي تضحك وأمامها وجبة إفطارها من إحدى مطاعم الوجبات السريعة ثم التفتت إلى الموظفة الأخرى التي تجلس بجانبها وهي تقلّم أظفرها وتضحك بسذاجة على ضحكة زميلتها أو ربما خشيةً منها .. شعرت بالشفقة الشديدة على حالهن ... قرّرت أن تغادر دون الردّ ولكنها خشت أن يتغوّل عليها القهر والإحباط وتنتكس حالتها النفسية مرة أخرى ... تذكرت يوم أن فضلت السكوت على افتراءات عمتها على مهنة التعليم  .. ويوم أن فضلت السكوت عن رغبتها الحقيقية في التخصص الجامعي مع والدها ... تذكرت الحضيض الذي عاشت فيه وتأقلمت معه لفترة ليست بالوجيزة .. لم يكن في نيتها أن تعود إلى تلك النقطة مهما كان الثمن ...
قررت الرد: أنا متأسفة جدًا على أنكن فقدتن الاحترام لأنفسكن .. وأشعر بالشفقة الشديدة عليكن بسبب الفراغ الذي تعشنه والذي يوفر لكم متسع من الوقت لتتبع الأخبار وإصدار الشائعات .. أتوقع بأنه عندما يحين موعد تقاعدكن .. ستبكين دمًا وسترفضن الخروج من العمل مهما كان الثمن لأنكن تخشون من فقدان متعتكن الوحيدة في هذه الحياة ومن حرمانكن من العمل الوحيد الذي تحسنون القيام به ... ثم استدارت مغادرة وأغلقت الباب خلفها بهدوء ...
في ذلك اليوم لم يُفتح باب المكتب وخيم الصمت على الإدارة بعد أن تم اسكات مصدر الصخب ...
بعد هذه الحادثة بأيام، دخلت "فرح" إلى قاعة الاجتماعات ... تسللت إلى أنفها رائحة دخان سجائر ... كان الحديث دائرًا بين ثلاث من الموظفين ... جلست وبدأت بالعبث في هاتفها بانتظار اكتمال النصاب للبدء ... لم تنصت إلى الحديث حولها حتى ناداها أحدهم: فرح ... فرح ... أنتِ تنتمين إلى جمعية الـ...؟
رفعت "فرح" عينيها: معذرة لم أكن منصتة .. ماذا قلت؟
الموظف: هل تنتمين إلى جمعية الـ....؟
فرح بصدق: لا ..
الموظف وهو يضحك: هكذا هم منتسبو هذه الجمعية، ينكرون انتسابهم إليها ولكن تفضحهم أفعالهم..
هنا تنبهت "فرح" وتركت الهاتف: وما هي أعمالي التي فضحت انتمائي ؟
الموظف: اقتراحك المضحك بشأن التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، من يعمل في هذا الزمن دون مردود مادي؟ هذه الجمعيات تريد توظيف الشباب لديها بمقابل حشو عقولهم بأفكار خطيرة ودون مقابل مادي، ويبدو أنكِ تسعين إلى نشر هذا الفكر هنا في وزارتنا...
تأملت "فرح" في حال الموظف ... شفتاه اللاتي قارب لونهن إلى السواد .. أسنانه الصفراء .. صوته المزعج الذي يشبه صوت محرك الدراجة المائية ... حبات السبحة التي لا ينفك عن اللعب بها لإخفاء توتره ... هاتفه الثاني الذي تضيء شاشته مرارًا معلنه عن اتصال من "الحب3-العدلية"  شعرت بالشفقة عليه .. فكرت أن تسكت وتواصل انشغالها بهاتفها ...لم تكن تنوي أن تتسبب لنفسها بقرحة في المعدة أو بهيجان في القولون بسبب القهر الذي سيستحوذ عليها جرّاء سكوتها ...
فرح وهي تبتسم: طالما أن الذم في هذه الجمعية التي لا أعرفها إلا بالاسم قد جاء من شخص مثلك، ففي الواقع شكرًا لك لأنك ذمك بمثابة تزكية لهذه الجمعية بالنسبة إليّ، سأحاول أن أقدم عضويتي فيها بأسرع وقت ممكن، في حال رغبتك بنشر الخبر بين أوساط الموظفين، تفضل بإمكانك نشره الآن وأنت مطمئن بأنك لن تفوز بلقب "الكذّاب"، لأن كذبتك قد تحولت إلى واقع ... ونعم أرجو أن تردّ على "الحب3-العدلية"  فقد اتصلت بك ثلاث مرات إلى حدّ الآن... كما أتمنى أن تقلع عن التدخين فورًا لأني أعتقد بأن هيئتك أكبر من عمرك الحقيقي لأنك تذكرني بهيئة جدّي الذي توفاه الله...
في نهاية اليوم اكتشفت "فرح" أن نشوة الانتصار التي حصلت عليها جرّاء ردودها هي نشوة لحظية، رحلت وحلّ محلها إحساس ضئيل بالندم ما لبث أن كبر حجمه ليمسي ثقل يجثم على صدرها، فكرت في أصل المشكلة...
لولا أنه لم يباغتوها بالهجوم والتقوّل والأكاذيب لما اضطرت إلى قول كلام ندمت عليه الآن ... على الرغم من أنهم يستحقون ما قيل لهم ... لكنها لم تعتد على ممارسة هذا الأسلوب الهجومي ... ربما يجب عليها أن تعتد هذا الأسبوع بعد اليوم .. لأنها لو استمرت بالسكوت؛ لتطاولوا وتشجعوا على الخوض في نواياها من هذا الاقتراح التي تقدمت به ... إذًا لا بأس أن يتحدث الشخص بغلظة وحدّة إذا شعر أن كرامته مُسّت ونواياه شُككت فيها من قبل أحدهم ...
هو اقتراح يتيم ... تمنت في البداية أن يُعتمد فقط، ثم تحولت أقصى أمنياتها إلى أن يُرفض بهدوء دون كل هذه الجلبة والأقاويل ...
-حنان الحروب-
بدأ العام الدراسي واستأنفت معه "فرح" دروس "رياضياتي فرحي" كانت قد وضعت خطة لتطوير طريقتها في التدريس ... وفي طور إعداد هذه الخطة استلزم الأمر منها الكثير من البحث والاطلاع على تجارب واقعية من أصحاب الخبرة، وداومت على تذكير نفسها بضرورة الابتكار ووضع لمساتها حتى إن اتبعت طرق ونظريات موجودة ومطبقة على أرض الواقع .. خلال تواجدها في الأردن وبينما كانت جالسة في ردهة الفندق، لفت انتباهها برنامج وثائقي يُعرض على شاشة التلفزيون عن معلمة فلسطينية اسمها "حنان الحروب" فازت بجائزة أفضل مدرسة في العالم في عام 2016، لكن لم تسنح الفرصة لـ"فرح" لمتابعة تفاصيل الجائزة حيث وصلت السيارة التي ستقلهم إلى المطار لذا سجلت اسم المعلمة الفلسطينية في هاتفها للرجوع إليه لاحقًا؛ لذا فعند بدأها بعملية البحث كانت أول من خطر على بالها هي المعلمة "حنان الحروب"، لم يكن من الصعب إيجاد قصتها على "الانترنت" وكيف أنه تبنت طريقة التعليم باللعب للأطفال خصوصًا، وقد بدأت بتطبيق هذه الطريقة على أطفالها بعد أن شهدوا إصابة والدهم من قبل القوات الإسرائيلية الغاشمة، ثم دخلوا في حالة من العزلة والانقطاع عن الذهاب إلى المدرسة، الأمر الذي اضطر "حنان" إلى ابتكار حلّ بديل لتعليم أطفالها في المنزل وبعد أن لاحظت تحسّن أبناءها قررت تطبيق هذه الطريقة على الأطفال في مدرسة مخيم اللاجئين، حيث أنه لا يوجد أحد منهم إلا وقد شهد مثل هذه الحوادث الوحشية والغوغائية من قبل قوات المحتل الغاشمة.
وجدت "فرح" بأنه  من السهل تطبيق هذه الطريقة على الأطفال في مدرسة "إنساني" لكن التحدي بالنسبة لها كان في التعديل على هذه الطريقة بحيث تضحي مناسبة للتطبيق على طالباتها الشابات، لذا بدأت بالبحث عن عنوان للتواصل مع الأستاذة "حنان" حتى تستشيرها وتستأذنها في هذه النقطة، بعد محاولات مضنية استطاعت تحديد موعد مكالمة مصورة معها عن طريق " السكايب" وجهزت جميع النقاط والأسئلة التي ترغب بطرحها في ورقة.. رحبت الأستاذة بفكرة "فرح" وشجعتها على تطويع طريقة التعليم باللعب حتى تصبح مناسبة لتدريس الطالبات الأكبر سنًا، لكنها دعت "فرح" إلى أخذ الأذن من إدارة المدرسة لتطبيق هذه الطريقة حيث أنها ممكن أن تتعارض مع الأهداف والخطط، هنا ضحكت "فرح" واستأذنت الأستاذة في شرح فكرة مشروعها واستغلت الفرصة لأخذها بجولة بالكاميرا في الفصل الدراسي ... تعجبت الأستاذة من هذا المشروع المتميز والذي خرج عن نطاق الدروس الخصوصية الرتيبة الضيق؛ نظرًا إلى سعي "فرح" إلى تجهيز الفصل بصورة مميزة وإلى التطوير من طرق التدريس، ثم ذكّرتها الأستاذة بضرورة وجود عمل تطوعي في حياة الفرد لا يتقابل منه مردود مادي حيث أن هذا العمل سيكون بمثابة دعامة الأمان لتزكية النفس والصدق مع الذات والابداع والتجديد مع تذكريها بأن تقاضي مقابل مادي ليس بالأمر الخاطئ... لذا انتهزت "فرح" الفرصة أيضًا وعرضت بصورة مختصرة فكرة مدرسة "إنساني" على الأستاذة التي ذُهلت من هذه الأفكار والطاقات الصادرة من دول الخليج ... وأخيرًا استأذنت الأستاذة "فرح" في عرض تجربتها وتجربة مدرسة "إنساني" في حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي لرغبتها الصادقة في تغيير فكرة الكثيرين الخاطئة عن شعوب دول الخليج العربي وأكدت بأن وصفهم بالترف والسطحية فقط لأنهم وُلدوا على أرض بلد أنعم الله عليها بنعمة النفط هو حكم جائر جدَا بحقهم ... كما دعتها إلى التفكير جديًا بالتقديم على المسابقة التي فازت فيها الأستاذة سواء عن مشروع "رياضياتي فرحي" أو مشروع مدرسة "إنساني" الرائد.. رحبت "فرح" بذلك كثيرًا وشكرتها على سعة صدرها وتفهمها وصدق نيتها.
- وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ-
كانت الحياة تسير بإيقاع عذب وبريق متلألأ ووتيرة متزنة...
"فرح" تستمتع بوظيفتها أخيرًا وتقبل بشغف على دروس "رياضياتي فرحي" وتتواصل مع فريق "سناد" بشأن الخرائط والمخططات ... وقتها لم يسمح لها بالتفكير في المنغصات والانتقام والحقد والحسد ... وقد أحبت هذا الانشغال كثيرًا وتمنت أن تداوم عليه...
أما بيتهم فكانت تدب فيه الحياة بطريقة لم يشهدها المنزل ... حشود الطالبات ... العمة "إيمان" وأسرتها  ... "بشرى" وصديقاتها اللاتي يدرسن معًا في منزلها ... "بدر" والأب .. الأم وهي الموسيقار الذي يدير هذه الحياة والإيقاع بلطف وحبّ ودفء تنثره على كل من يدخل إلى بيتها ...
هل مقولة بأنك يجب أن تخشى الفرح عندما يدخل على منزلك من الأبواب والنوافذ والشقوق ... عندما يجاهد إلى اقتحام المنزل بكل ما أوتي من قوة؟
كان اليوم جمعة ... العائلة مجتمعة على الغداء في منزل "فرح" ... رنّ هاتف "فرح" .. أغلقت رنين الهاتف وواصلت طعامها ... رنّ مرة أخرى .. قامت من على طاولة الطعام ... ردّت على الهاتف ...
المتصلة: أهلًا "فرح" .. أنا "أنيسة" السكرتيرة في عيادة عمكِ "عبدالله" هل تتذكريني؟
تذكرت "فرح" الثور الهائج وتهديد الشرطة: نعم تذكرتكِ ..
أنيسة بأنفاس متلاهثة: عمكِ قد تعب كثيرًا منذ قليل وتم نقله بسيارة الإسعاف إلى مستشفى الملك حمد ... ثم انفجرت بالبكاء .. لا .. لاااا ... أعلم ... إذا كانت بإمكانكم الوصول إليه في الوقت المناسب..
راقبت "فرح" عائلتها .. كان والدها يضحك مع عمتها .. و"فاطمة" و"بشرى" انخرطن في حديث خ

                


ملاحظات
·        بطلة القصة "فرح" شاركت مع فريقي "سناد" التطوعي من البحرين و"إنساني" من الكويت... أسماء الفريقين وأهدافهم هي التي اقتبستها من الواقع كما هي، أما أسماء المتطوعات وقصصهم وخلفياتهم فهي خيالية وإن تصادف تشابهها مع الواقع...
·        اخترت اسم بطلة القصة "فرح"، على اسم مدرستي الأولى في المدرسة "فرح الصالحي" والتي أدين لها بفضل كبير في تعلمي الكتابة والقراءة.
·        اخترت اسم "لبنى" لأم بطلة القصة، على اسم أستاذة الكيمياء "لبنى آل محمود" التي لم تدرسني قط ولم أتصادف معها في أي مدرسة، لكن تعرفت عليها من خلال شغف وحبّ واحترام البنات لها بمجرد أن يعرفن بأن والدتي "دينا آل محمود" تقربها ...
·        اخترت اسم "بشرى" و"بدر" حتى تكون أسماء الأبناء كلها مقتبسة من القرآن الكريم..
·        القصة بحد ذاتها لا أحكي فيها قصة فتاة واحدة، بل هي قصص لفتيات عديدات قابلتهن أو سمعت عنهن أو قرأت عنهن..





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر