وهزّي إليك - رواية
بسم الله الرحمن
الرحيم
الإهداء
إلى أقراطي التي
أداوم على ارتداءها لضمان استقامتي وتوازني على الطريق إلى الجنان ...
إلى أقراطي
الأثمن على الإطلاق ...
إلى أمي وأبي
... إليكما ويهطل المطر*
إلى من أهداني
عقد جميل يتوسطه اسم "نور" مكتوب بالذهب .. إلا أن النون استعصت على
الاكتمال وأبت إلا أن تتجشم عناء حمل لؤلؤة طبيعية بحرينية مكان نقطتها!
تمهيد
كتبت رواية
" وهزّي إليك " في 24 ساعة ...
وتركتها كما هي
أدناه دون تعديل أو تنقيح ...
ربما فعلت ذلك
لغرض تذكير نفسي في المستقبل بأن هذه " نور" في تلك الظروف ...
ولغرض تعريفكم
بماهيّة الوضع لكتابة رواية في 24 ساعة ...
نور
قلب الجدّ ..
وطن لحفيدته!
في صالة المنزل، تربّعت مريم على
الأريكة وهي منكبة على الحاسوب المحمول وتطرق على لوحته بكل ما أوتيت من قوة؛
للانتهاء بأسرع وقت من الخطة النهائية لفعاليتها القادمة والتي يجب أن تعرضها غدًا
في اجتماع اللجنة المنظمة، كانت بذلك تحاول الانتهاء قبل رجوع جدّها من المسجد بعد
صلاة المغرب، على يمينها كانت "ماما شيخة" قد سلّمت معلنةً بذلك عن
انتهاءها من أداء سنّة المغرب، تناهى إلى مريم حرف السين الحاد إيذانًا ببدأ
جدّتها بالتسبيح وأخيرًا أحسّت بنفحات دافئة تحاول الوصول إليها باستحياء، هذه
النفحات التي تختتم فيها جدّتها قراءتها للمعوذات ونفخها على كل من يحيط بها، حتى
وإن كانت خادمتهم المسيحية أوالبوذية، طالما استنكرت مريم عليها ذلك إلا أن جدّتها
كانت تخبرها بأن هذه النفحات قد تشرح صدورهم للإسلام أكثر من إرسالهم إلى مراكز
الدعوة!
كانت مريم قد اقتربت من شاشة الحاسوب
حتى كاد أنفها الدقيق أن يلتصق بها، نادتها جدّتها وهي تطوي ثوب الصلاة التي حاولت
مريم مرارًا أن تطويه بدلًا عنها، لكنها كانت تأبي إلا أن تطويه بنفسها:مريم ..
ارحمي عينيك وابتعدي عن هذه الإشعاعات!
مريم وهي تلعب بخصلة واحدة أطلقت
سراحها من كومة الشعر التي لفتها خلف رأسها وتواصل التصاقها بشاشة الحاسوب:
اممممم، ماما شيخة هل تعتقدين بأنه يوجد أمل في حضور أحفاد أحمد شوقي إلى البحرين
للمشاركة معنا في الذكرى المئوية لحصوله على لقب أمير الشعراء؟
ماما شيخة وهي تضغط على أزرار جهاز
تحكم التلفزيون: اسألي جدّك .. النائب الأول لأمير الشعراء في البحرين!
أطلقت مريم ضحكة عالية وتركت الحاسوب
من يدها وذهبت لتقبل رأس جدّتها وهي تحاول استنشاق رائحة دهن العود في شعر جدتها
الفاحم من تحت ثنايا الملفع الرقيق .. رائحة دهن العود التي لا تعرف غيرها: ماما
شيخة، لا تقولي ذلك أمام بابا محمد، تعلمين تمامًا بشغفه الشديد بأحمد شوقي!
أبعدت ماما شيخة مريم عن رأسها ونظرها
مركز على التلفاز: دعيني... دعيني سيبدأ المسلسل الآن!
سدّت مريم شاشة التلفاز بفستانها
البيتي المورّد ورفعت يدها وهي تهدد: أقسم بالله يا ماما شيخة، إن رأيت دموعكِ
اليوم أيضًا تنهمر على بطلة المسلسل
الخرقاء هذه، سأحرق هذا التلفاز اللعين!!!
ماما شيخة وهي تواصل الضغط على أزرار
جهاز التحكم: حسنًا .. حسنًا .. ابتعدي عن التلفاز واذهبي أنت وجدّك إلى غرفة
مكتبته الثمينة للبدء بجلستكم السرية اليومية، تريدون أن تقضوا الوقت معًا وتدعوني
أجلس هكذا في انتظار انتهاءكم!؟؟
مريم وهي تغلق جهاز الحاسوب بقوة:
ماما شيخة لقد دعوتك مرارًا إلى هذه الجلسة لكن ما أن نبدأ حتى يعلو صوتك بآية
"والشعراء يتبعهم الغاوون..." وتبدأون في الشجار أنتِ وجدّي!!!
قررت الجدة تجاهل ما سمعته للتو، فقد
رن جرس الباب الذي ينطلق في كل مرة يفتحه أحدهم معلنًا وصول الجدّ من المسجد، هبّت
مريم للذهاب إلى غرفة المكتبة، نادتها جدّتها: خذي معك القهوة والتمر وأغلقي باب
المكتبة من خلفك!
ضحكت مريم في سرّها وظهرت ابتسامة
خجلى على محياها، تعلم تمامًا أن أهواء جدّها تختلف كليًا عن أهواء جدتها إلا أن
المركب الذي يحملهم ظل يجري من أكثر من خمسين سنة إلى اليوم بمعية الله عزّ وجلّ!
فتحت مريم باب الصالة منتظرة دخول
جدّها مع خالها، قبّلت مريم جدّها على رأسه ويده كانت تفعل ذلك في كل مرة يعود
فيها جدها من خارج المنزل، وسلّمت على خالها الذي كان يحرص على المسح على رأس مريم
في كل مرة يراها وهو يضحك ويردد: " أجر .. أجر
"!
أمسكت مريم بيد جدّها اليسرى حيث كانت
يده اليمنى تستند على عصاه بطبيعة الحال، ومشت معه إلى غرفة المكتبة التي تقع في
نهاية الممر على اليمين، بينما ذهب خالها للسلام على والدته والجلوس معها لمشاهدة المسلسل،
وقبل أن تغلق باب المكتبة من خلفهم تناهى إلى سمعها صوت خالها وهو يقول لوالدته:
"يمّة*" أين القهوة؟ ابتسمت مريم وأغلقت الباب.
أجلست مريم جدّها على كرسيه البنيّ
الوثير، الكرسي التي كانت مريم ترغب بالجلوس عليه بشدّة ولو لمرة واحدة لكن هيبة
جدّها كانت تمنعها من ذلك حتى في غيابه. كانت مريم تؤمن بنظرية الألفة التي تنص
على: " أن الأماكن هي أشخاص تألف وتؤلف!" واستنادًا على هذه النظرية كان
مكان الجدّ على هذا الكرسي يُحفظ في غيابه أكثر من حضوره!
قدّمت مريم التمر إلى جدّها ثم صبّت
له القهوة وهي تتأكد من أنها تمسك الفنجان باليد اليمنى، على الرغم من كون جدّها
شبه كفيف إلا أنها نشأت وهو كان معلمها الأول في كيفية تقديم القهوة بالطريقة
الصحيحة، فلم تجرؤ على مخالفة ذلك حتى مع غياب نظره، وحتى وإن كان إمساك الإبريق
باليد اليمنى والفنجان باليد اليسرى أسهل بكثير من الطريقة الصحيحة!
تأملت مريم في جدّها وهو يشرب القهوة،
قامة فارعة قد تهدلت بفعل الزمن، بشرة بيضاء تحكي آثار تعرضها المستمر للشمس في
صغرها، تجاعيد خجولة، لحية بيضاء تمامًا .. مشذبة دائمًا، نظارات سميكة لإصلاح ما
أفسده الدهر تخفي تحتها عينين خضراوتين كادتا تبيض من الحزن وألم الفقد، ثوب أبيض
ناصع لم تذكر أنها رأته قط متسخ ببقع! كان لا زال يضع الغترة والعقال ويرفض الخروج
دونهم حتى إلى المسجد أو المستشفى، أما يداه فكانت تعشق التأمل فيهم دائمًا،
لطالما شعرت بأن أي كاتب ممكن أن يضع أمامه صورة ليدي جدّها ويكتب عنهم رواية تمتد
لفصول عديدة...
يديّ جدها كانت حكاية بحدّ ذاتها! لون
أسمر لا يتناسب مع لون الوجه! عروق نافرة، حبوب بنية، شعيرات تقف على الثغور لسدّ
الفراغات التي خلفتها رحيل أقرناها، بقع بنفسجية موسمية تظهر في نهاية كل أسبوع من
يوم الجمعة مع انتهاء التجمع العائلي الذي يداعب فيه الجد أحفاده الأولاد بتحدي
الضربات الأقوى على الأيادي، جرح قديم غائر على اليد اليمنى التأم بعشوائية حاولت
أن تسأل جدها عن سببه مرة إلا أنه آثر السكوت وعدم الإجابة فقررت مريم أن تختلق
قصة حتى تقنع نفسها بها وتشبع فضولها وتتوقف عن سؤاله! وأخيرًا أظافر بيضاء أقرب
إلى لون اللبن مقلّمين دائمًا. نشأت وهي ترى جدها إله إغريقي كامل لا ينقصه شيء،
وعندما أخذ نظره بالتراجع قررت بأنه أمسى نصف إله الآن، هل يمكن أن تُلام الحفيدة
على نظرتها السماوية إلى جدها بهذه الطريقة المبجلة؟ كيف وهي ترى الوطن الفسيح
يتجسد فيه وفي يديه تحديدًا؟!
فرغ من القهوة ومدّ يده وهو يهز
الفنجان إيذانًا باكتفاءه: بارك الله فيكِ يا مريم، أخذت مريم الفنجان وقد انتهزت
الفرصة للمس يد جدّها العتيقة: بالعافية بابا محمد!
كعادتها جسلت مريم بصمت في انتظار
اختيار جدها للكتاب الذي يود أن تقرؤه مريم عليه، كانت فترات الصمت تتراوح
... أحيانًا يرتفع أذان العشاء ولم يقع
اختيار الجد على كتاب، فيذهب إلى المسجد وتمتد جلستهم إلى ما بعد صلاة العشاء وفي
أغلب الأحيان يكون الجدّ قد وقع اختياره بالفعل على كتاب معين من قبل أن تبدأ
الجلسة.
خلال فترة الصمت هذه كانت تمارس مريم
التأمل في مكتبة الجدّ من حولها، كانت الغرفة تقع في زاوية المنزل اليمنى، حيث
جدارين من جدران الغرفة عبارة عن نوافذ تمتد من السقف إلى الأرض أما الجدارين
الآخرين فعبارة عن أرفف تمتد من السقف إلى الأرض أيضًا، أمام المكتبة توجد جلسة
على شكل مربع ينقصه ضلع، تتكون من أرائك
يتوسطها كرسي الجدّ الأسطوري، خلف النوافذ حيث حوش المنزل توجد أصايص لورود
وشتلات تضفي الكثير من الدفء على الغرفة، لم تحتاج الغرفة منذ بناءها إلى
اكسسوارات أو قطع ديكور، كانت أغلفة وكعوب الكتب هي الزخرفة بحد ذاتها للغرفة،
مجلدات ضخمة مذهبة، وكتب عديدة مرصوصة مقسمة حسب اختصاصها منها: الشعر، السياسة،
الأدب، تفسير القرآن، فقه، عقيدة،...! تصنيف قديم بدأه الجد وبقى على حاله إلى
اليوم.
أخيرًا نطق الجد وانتزع مريم من
العوالم الموازية التي ذهبت إليها في تأملاتها: ابنتي ... ديوان "حديقة
الغروب" لغازي القصيبي، تجدينه في المكتبة على اليمين في منتصف الرف الثاني
من الأسفل، كعب الكتاب أخضر غامق.
اتبعت مريم التعليمات بحذافيرها ووصلت
إلى الكتاب بسهولة تامة، كانت هذه المقدرة الخارقة لدى جدّها هي التي رسّخت صورته
السماوية في مخليتها، كانت تعتقد بأن جدّها يملك قدرة خارقة على معرفة مكان أي
كتاب في أي مكتبة يدخل فيها وينثر عليها بركته!
مريم وهي تفتح الكتاب لترى مكان
وتاريخ شراء الكتاب كما هي عادة جدها الأزلية في كتابة ذلك دائمًا، وجدت أن
الديوان إهداء من الدكتور غازي القصيبي رحمه الله كتب فيه:
" إلى ابن المحرّق البار ...
أهديك رثائي
لنفسي ...
أدعو الله ألا تزور حديقتي في وقت
الغروب إلا وأنت راضٍ عما زرعته فيها...
أخوك المحتاج إلى عفو المولى: غازي"
شعور بعدم الارتباح داهم مريم بسبب
هذا الخيار: بابا محمد، أي قصيدة؟!
ألقى الجد برأسه إلى الخلف وأغمض
عينيه: حديقة الغروب..
استغربت مريم من سرعة الجدّ في
اختياره، هي تعلم بأن جدّها لا يختار بهذه السرعة إلا عندما تلح إحدى القصائد على
طرق باب ذاكرته بشدّة وكانت تعلم أيضًا أن إلقاء الجد رأسه إلى الخلف هو كناية
جسدية عن رغبته بالتركيز والاستمتاع، بدأت مريم بالإلقاء وهي تستحضر تعليمات الجدّ
التي حفظتها من جرّاء تكراره لها ومن كثرة مخالفتها لهذه التعليمات، ذكّرت مريم
نفسها بضرورة التأني في الإلقاء، والتركيز على مخارج الحروف بشكل سليم، تكرار
الأبيات التي ترى بجمالها من وجهة نظرها، كانت مريم عيني الجدّ وكان الجدّ وطن
مريم!
كلما قررت مريم إعادة بيت معين وجدت
بأن البيت الذي يليه ينافسه عمقًا وجمالًا حتى وصلت إلى ختام القصيدة وهي تحاول:
يا عالم الغيب
.. ذنبي أنت تعرفه... وأنت تعلم إعلاني وإسراري
..
وأنت أدرى بإيمانٍ مننته عليّ ... ما
خدشته كل أوزاري ...
أحببت لقياك حسن الظن يشفع لي ..
أيرتجي العفو إلا عند غفّارٍ؟!
فوجئت مريم بدموع ساخنة تكاد تحرق
وجنيتها تنزل من عينيها بصورة لا إرادية، تحشرج صوتها وفضلت السكوت على المواصلة
حتى لا تُشعر جدّها بما أصابها!
فجأة ضرب الجد جبهته بيده بقوة صدر
معها صوت ارتطام ودفع رأسه إلى الأمام: أعتذر يا ابنتي ... أعتذر بصدق!
كانت مريم في هذه الأثناء تحاول بناء
سد أمام فيضان الدموع الذي يتوق للتفجر من عينيها حتى تردّ علي جدّها دون نبرة
البكاء، إلا أنها لم تستطع الكلام ففضلت السكوت، حاول جدّها النهوض من كرسيه
الخارق وأخذ يتلمس ما حوله للوصول إلى مريم، إلا أن مريم سارعت في الذهاب إليه
وحاولت إجلاسه مرة أخرى، وأبى هو الجلوس قبل أن يعانقها عناق قوي طويل بصمت ثقيل
قطعته مريم: هل هي أمي ؟
الجد وهو يعانق رأس مريم بقوة: نعم ..
نعم .. لا تنفك عن زيارتي مرتين يوميًا، مرة في فترة منامي في الظهيرة، ومرة بعد
صلاة الفجر! أشعر برغبتها في أن أرحل لها، لم أجد أفضل من حديقة القصيبي أقضي فيها
غروبي قبل حلول الرحيل.
شعرت مريم برطوبة على جبهتها علمت أن
دموع جدّها الطاهرة قد بللتها، استشعرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" هذا
مطرٌ حديثُ عهدٍ بربه" ، أجلسته على كرسيه وجثت هي أمامه على ركبيتها ووضعت
يديها على ركبيته ونظرت في عينيه تمامًا، ركزت في الاخضرار الذي اكشتفت أنه يشوبه
شيء من الزرقة، كانت متيقنة أنه في تلك اللحظة كان يبادلها النظرات أيضًا: بابا
محمد، أتتركني لكي أغرق أنا الأخرى؟
صمت الجدّ لبرهة حتى استعاد رباطة
جأشه: مريم .. يا ابنتي .. أحضري لي ديوان أمير الشعراء .. أظن بأنكِ أمسيتِ
تحفظين مكانه عن ظهر قلب!
هبّت مريم واقفة: بالتأكيد!
كانت هذه عادة الجدّ في كل مرة تنتهي
فيها جلسة القراءة بطريقة لا تروق له، يعوض عن ذلك بقراءة أي قصيدة لأمير الشعراء،
كان أحمد شوقي بمثابة منطقة الأمان الكبرى التي يلجأ إليها الجد، وبذلك نشأت مريم
وهي تحيط علمًا بأغلب قصائده ... لم تفتح مريم هذه المرة أول صفحة للتعرف على مكان
الشراء، كانت تعلم أن الديوان اشتراه جدّها من دار الساقي في مصر في زيارته لها في
السبعينيات، قال لها الجد لنبدأ لعبة التخمين، هيا اقرأي لي البيت الذي يدور في
بالي..
قهقهت مريم وقالت: أوووه الأمر سهل
جدًا ... إن الذي ملأ اللغات محاسنًا ... جعل الجمال وسره في الضاد!
ضحك الجدّ وقال: يظهر أن الطالب تفوق على معلمه!!
ردّت مريم: قم للمعلم وفه التبجيلا ..
كاد المعلم أن يكون رسولًا .. أنت رسولي يا بابا محمد
...
ارتفع أذان العشاء .. توقفت مريم ..
أخذ الجدّ في الترديد خلف المؤذن!
* يمّة: النداء الدارج لمناداة الأم في دول الخليج العربي، للأب يتم
مناداته بـ "يبّة".
ملِكة الحيّ
كانت مريم تجلس على سريرها وهي تراجع
الخطة التي وضعتها لفعاليتها القادمة بعد أن أيقظتها جدّتها لأداء صلاة الفجر لم
تستطع العودة إلى النوم بطبيعة الحال، بعد الشروق ببرهة أدت مريم صلاة الضحى ودعت
الله فيها أن يلهمها الحكمة في التعامل مع ردود الأفعال على خطة فعاليتها، كانت
تعلم أنها قد أتت بفكرة جديدة كليًا، وكانت تعلم أيضًا أن كل جديد يُقاوَم حتى
تثبت براءته!
ارتدت مريم ملابسها ثم عباءتها تناولت
حقيبتها ونزلت إلى الطابق الأرضي، هناك كانت ماما شيخة جالسة على الكرسي تحت
النافذة وهي تقرأ القرآن كعادتها من بعد صلاة الفجر في انتظار خروج مريم إلى
العمل، لطالما أرادت مريم لهذه اللحظة أن تستمر إلى الأبد، كانت تشعر حينها أنها
لا تريد شيئًا آخرًا من الدنيا سوى أن ترى أشعة شروق الشمس الدافئة وهي تنعكس على
جدّتها ماما شيخة وأن تستمع إلى صوتها المتحشرج وهو يتلو القرآن الذي تفضله على
صوت جميع المقرئين..
كما كانت تعلم
أن المصادفة لا مكان لها هنا وفي أغلب المرات التي تصل فيها إلى الطابق الأرضي
كانت جدتها تتلو "وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا ..." ربما كانت هذه الآية
هي الآية الوحيدة التي تقرؤها وتفتأ على تكرارها جدّتها من بعد صلاة الفجر!!!
كانت تعلم أن قلب ماما شيخة أمسى
فارغًا منذ ما يزيد عن الخمس عشرة سنة...
كانت تعلم أن هذا الموضوع بمثابة لغم
تم تغطيته مؤقتًا بأكوام من القش الخفيف، بحيث يظهر هذا اللغم في كل مرة تهب عليه
رياح ... كما هبت رياح حديقة الغروب بالأمس عليه وكشفت اللغم بل وعرّته تمامًا!!
كانت تعلم أن ماما شيخة الجبل الصامد
الذي يرسي أرضية المنزل، والسدرة المثمرة التي يستظلّ بها الحيّ بأكمله، والنخلة
المعطاءة التي تعطي الجميع بلا تقتير، ما هي في الحقيقة إلا سحابة مثقلة بالمطر
تنتظر أمر ربها حتى تبكي وتغرق من حولها!
ذهبت إليها وجلست بقربها وهي تراقبها،
تراقب الكيسين الذين ظهرا تحت عينيها في ثورة على عادة قلة النوم التي تتبعها منذ
الأزل وكأن النوم من خوارم المروءة...
تراقب اليدين المغضنتين على استحياء
والتي تحمل في خنصرها الأيسر دبلة ذهبية لم تخلعها قط، وفي يدها اليمنى خاتم ذهبي
يحمل فص أخضر يانع يخيل لمريم أنه أنبت
أوراق تم ريّها بحنان جدّتها..
تراقب الملفع الأسود الرقيق الذي لا
تخلعه إلا في فترات نومها الشحيحة .. الملفع الذي تفوح منه رائحة العود ...
الرائحة التي سيطرت عليها من جرّاء التصاقه بشعر جدتها المعطر دائمًا بدهن العود
... الشعر الذي لم يتخلَ عن ماما شيخة بل ظلّ وفيًا لها حتى بعد مرور الأزمان ..
تراقب تقاطيع ماما شيخة الدقيقة،
العينان الضيقتان، الأنف الصغير الحادّ، الفم الرقيق الذي يخفي خلفه صفّ من
الأسنان البيضاء اللؤلؤية التي لم تستطع مريم إلى الآن التوصل فيما إذا كانوا
أسنان حقيقة أم تركيب! لأنه باختصار كانت ماما شيخة تنام بعد الجميع، هذا إذا كانت
تنام في الأساس!
ماما شيخة التي تصغر بابا محمد بعشر
سنوات، تفوقت عليه في تجاعيدها .. يظهر
أنها حملت هموم أكثر منه أو ربما حولت هي بعض الأمور العادية إلى هموم بينما فضّل
هو التعامل معها كأمر عادٍ ...حُفر كل هم كتجعيد رقيق تحت عينيها أو كخندق عميق في
جبهتها أو كوادي سحيق حول فمها....
تراقب مصحف ماما شيخة البني المذهّب
الذي لم تتخلَ عنه منذ أن كبرت مريم وأضحت تراقب الأشياء من حولها، يحمل المصحف في
صفحته الأولى ملاحظة " المصحف مطبوع في ثواب فائزة محمد وعيسى علي " مع
دعاء للميت، المصحف الذي رفضت التنازل عنه حتى مع تراجع مدى رؤيتها، ومع كل
المصاحف المخمل الملونة التي تلقّتها من أحفادها من زيارتهم لمكة المكرمة على
الرغم من اسمها المحفور على غلاف المصحف الخلفي!
أغلقت ماما شيخة المصحف وقبّلته فهبّت
إليها مريم وقبّلتها هي الأخرى على رأسها وعلى يدها وهي تصبّح عليها...
كانت ماما شيخة
قد فقدت الأمل منذ أمد في تناول مريم لوجبة الإفطار قبل خروجها من المنزل صباحًا،
إلا أن مهام الأم أو الجدة تبقى كما هي بغض النظر عن موقف الطرف الآخر منها، ماما
شيخة وهي تعلم الجواب مسبقًا: هل أجهز لك وجبة الإفطار يا ابنتي؟
مريم وهي لا تزال ممسكة بيدها: سلِمت
يداكِ، أراكِ ظهرًا إن شاء الله، اتصلي بي في حال حاجتكِ لأي غرض، مع السلامة.
تغدقها ماما شيخة بدعوات عديدة عزيرة
شفيفة تتلقاها مريم بامتنان كبير وحب عميق...طفقت مريم عائدة إلى باب الصالة
للخروج، كان هذا الحوار يتكرر يوميًا في كل صباح، ومع ذلك لم تتملل منه مريم قط
ولم تتبرم! كان هذا الحوار بمثابة العمود الذي بالكاد تستند عليه حتى ينتهي يومها
في العمل...
ومع ذلك لم تتصل ماما شيخة قط في مريم
لتوصيها بإحضار أي شيء!
ماما شيخة التي أنهت دراستها
الابتدائية فقط ولم تسنح لها الفرصة للحصول على رخصة القيادة كانت قادرة تمامًا
على تسيير أمورها اليومية دون الحاجة إلى الخروج من المنزل! فقد كونت لها شبكة
ممتازة مع كل من صاحب البقالة وصاحب محل الخضروات وصاحب محل السمك وصاحب محل اللحم
والخبّاز أيضّا، كانت هي قلب هذه الشبكة النابض وعقلها المدبر، الجميع ينتظر إصدار
أوامرها حتى ينفذ دون نقاش! كانت هذه الشبكة من أسباب الخلاف الدائم مع بابا محمد،
فما أن تبدأ ماما شيخة بافتتاح يومها بالاتصال بهذه الشبكة حتى يخرج بابا محمد عن
صمته ويقول لها: بشبكتك المشبوهة هذه أنتِ تصفيني "بالكسل" بصورة مبطنة
وكأني رجل معتوه لا يستطيع تسيير أمور بيته!
وهي تواصل اتصالاتها وكأن الكلام ليس
موجهًا لها، فإذا ما وجدت فراغًا في انتظار أن يردّ عليها صاحب محل الخضروات تكلمت
بردّها المعتاد: أنت لا تملك المعرفة الكافية لاختيار أجود أنواع الخضروات
والفواكه واللحوم والأسماك حتى وإن عاينتها بيديك، وأنا أستطيع أن آتيكم بأجود
الأنواع من خلال أسلاك الهاتف فقط.
فيؤثر هو الصمت حتى لا يحتدم النقاش
ويتحول إلى شجار يفسد عليه يومه. ومع ذلك فالمركب يسير ببركة الله وحفظه!
بعد أن تنهي ماما شيخة طلبها من صاحب
البقالة وتوصيه أن يحضر لها طلباتها من الخبّاز ومن محل الخضروات، فينفذ صاحب
البقالة الطلبات دون نقاش أو تبرم على الرغم من أن أغلب الطلبات لا تقع ضمن
اختصاصه! تذهب إلى المجلس وتأتيها الخادمة بالبخور ثم بأبرايق الشاي والقهوة وتجلس
هي في انتظار تجمع جاراتها من أجل البدء في درسهم الأسبوعي من كل ثلاثاء، حيث تقدم
لهم الدرس جارتهم "لولوة - أم سامي"، وتتنوع المواد المقدمة في الدرس
بين تسميع لآيات تم الاتفاق عليها من القرآن الكريم أو شرح لأحد أحاديث الأربعين
نووية أو قصة من السيرة النبوية من كتاب الرحيق المختوم، أو تجهيز لوجبات غذائية
للعمّال أو تغليف لكسوة الشتاء وهكذا.
في الأيام التي تصادف فيها إجازة مريم
يوم الثلاثاء، تدعوها جدتها إلى حضور الدرس، وكان دائمًا ما تتفكر مريم مع نفسها:
أمر هذا الدرس عجيب، أغلب النسوة اللاتي يحضرن إليه هن من كبار السن كحال ماما
شيخة لا يملكون رخص قيادة السيارة لكنهن قادرات على الحضور أسبوعيًا إلى الدرس
بانتظام وحرص وشغف ومحبة!
وإن لم يصارح بابا محمد يومًا ماما
شيخة؛ كان يؤمن أن هذا الدرس هو من أسباب البركة في هذا المنزل، وكان يشارك سرًا
في التجهيز له، فقبل أن يبدأ الدرس يخرج من البيت ويعود سريعًا وقد أحضر مأكولات
خفيفة لنسوة الحيّ، رغبةً منه في الحصول على أجر طلب العلم ومجلس الذكر، أو تراه
يعرض خدماته على ماما شيخة لتوزيع الوجبات على العمّال. ومع ذلك فالمركب يسير
بأمان الله وفضله!
" ملكة الحيّ" ...
كان هذا هو أنسب وصف يتبادر إلى ذهن
مريم عند رؤيتها لجدّتها ... وهي تجري اتصالاتها مع الشبكة المشبوهة على حدّ قول
بابا محمد ...
وهي ترى استقبال ماما شيخة لبعض أعضاء
هذه الشبكة قبل أن يسافر أحدهم إلى عائلته لتوصيه على عائلته وتعطيه ما قسمه الله ...
وهي ترى التفاف نسوة الحيّ حولها ...
غرقٌ وأرق!
تذكره مريم جيدًا...
كان يوم الأربعاء الذي يليه عطلة
نهاية الأسبوع في الفترة التي كانت فيها عطلة نهاية الأسبوع تصادف الخميس والجمعة،
أيقظتها يومها ماما شيخة، فاستيقظت فورًا وهي تنتشي بسعادة أولًا لأنه يوم
الأربعاء والأمر الآخر لأنها والديها سيعودان اليوم من رحلتهم إلى مصر حيث أنهى
والدها مناقشة رسالة الدكتوراة التي كان قد بدأ دراستها بالانتساب فقد كانت هذه هي
رحلته الأخيرة إلى مصر التي كرهتها مريم بسبب اغتراب والدها الدائم عنهم بسبب سفره
إليها بصورة شهرية تقريبًا للإيفاء بمتطلبات الدراسة...
تذكر مريم
تمامًا...
كيف تفقدت الرسالتين اللتين كتبتهن
إلى والديها حتى تعطيها لكلٍ منهما في المطار ووضعتهما تحت وسادتها تحسبًا من
الضياع ...
تذكر مريم جيدًا
...
كيف قضت طوال يومها في النشاط الصيفي
وهي تخبر المعلمات أن والديها سيعودان اليوم
...
تذكر مريم جيدًا
...
كيف كانت تصف لصديقاتها الهدية التي
طلبت من أمها إحضارها لها من مصر بمناسبة عيدميلادها الثامن .. كانت قد طلبت منها
أن تحضر لها عروسة على شكل "بوكاهانتس" شاهدت إعلانها في التلفاز ..
كانت هذه الـ "بوكاهانتس" ذات
شعر أسود فاحم تتخلله خصلة زرقاء تتحول إلى اللون الوردي عند غسل الشعر بماءٍ حار...
تذكر مريم جيدًا
...
غبطة صديقاتها بعدما واعدتهم بأنها
ستحضر العروسة يوم السبت إذا سمحت لها والدتها، ما كان يهما حقًا حينها شعورها
بأنها تملك العالم في ذلك اليوم بالتحديد .. يوم الأربعاء 23 أغسطس 2000م.
تذكره مريم جيدًا...
كان صيفًا حارقًا رطبًا ... تناثرت
فيه جثث القطط في الشوارع جرّاء ارتفاع درجات الحرارة الخيالي كما عودنا أغسطس في
البحرين! أما الطيور فكانت قد احتمت بشقوق المكيفات علّ شيئًا من البرودة تتسلل
إليها ...
تذكر مريم جيدًا
...
أن بابا محمد اصطحبها من بعد صلاة
المغرب إلى محل الورود بالقرب من منزل جدّها لشراء وردتين لوالديها ...
تذكرهم مريم جيدّا ...
كانت وردة والدتها بنفسجية لأنها تحب
اللون البنفسجي، أما والدها فقد احتارت في لون الوردة التي تختارها له، شعرت أن كل
الألوان أنثوية لا تليق بوالدها، وعندها طلبت مشورة جدّها؛ أشار عليها باللون الأبيض،
اللون الأبيض الذي لا يقبل الحياد .. اللون الأبيض الذي لا يقبل أنصاف الحلول ...
اللون الأبيض الذي يمثل السلام والغيوم والحمام!
تذكر مريم جيدًا
...
أن ماما شيخة قد حممتها وألبستها
الفستان الماروني ... كان فستانًا يتكون في جزءه العلوي من قماش مبكر باللونين
الكحلي والأبيض، تخرج من بعض مربعاته ورود مارونية اللون، أما جزءه السفلي فكان
يتكون من قماش ماروني سادة ...ثم سرّحت شعرها وألبستها تاجًا مارونيًا أيضًا
تتوسطه شريطة حريرية مارونية هي الآخرى ... ثم وضعت لها قطرات من دهن العود تحت
شحمتي أذنيها وفي حواف فكّها وفي يديها .. وأخيرًا ألبستها عقدًا ذهبيًا يحمل لفظ
الجلالة ...
تذكر مريم جيدًا
...
أنها عانقت ماما شيخة بعد أن فرغت من
تجهيزها وقالت لها: هذه هي المرة الأولى التي أنام في بيتكِ ... سأخبر ماما فائزة
إذا رجعت اليوم بأني أريد أن أنام في بيتكِ كل يوم...
تذكر مريم جيدًا
...
جلوسها على الكرسي بقرب الباب في
انتظار رجوع بابا محمد من المسجد على الرغم من وجود جرس الباب الذي ينطلق في كل
مرة يفتحه أحدهم معلنًا عن قدومه ...
تذكر مريم جيدًا
...
أنها رأت جدّها يجري لأول وآخر مرة في
حياتها من باب المنزل الخارجي إلى باب الصالة إلى جهاز التحكم إلى التلفاز مخلفًا
عقاله وغترته ونعليه خلفه متجاهلًا نداءاتها ونداءات ماما شيخة!
تذكر مريم جيدًا
...
موجز الأنباء العاجل الذي كان يُعرض
على قناة البحرين، لم تستوعب مريم ما قالته المذيعة ولم تتمكن من قراءة الشريط
الأخباري بسهولة، لكنها فهمت جيدُا الرسم التوضيحي المعروض لطائرة خارجة من مطار
القاهرة الدولي إلى مطار البحرين الدولي ... حينها علمت مريم أن أمرًا سيئًا قد
حصل لطائرة والديها!
تذكر مريم جيدًا
...
كيف صكّت ماما شيخة وجهها وضربت على
جيبها بقوة وهي تهز بابا محمد من كتفه وتصرخ في وجهه: "هاي صج؟!"...
تذكر مريم جيدًا
...
كيف تهدّل كتفا بابا محمد في نفس
اللحظة .. كيف انكمش حجمه ... كيف قلّ طوله ... كيف اشتعل رأسه شيبًا...
تذكر مريم جيدًا...
توافد أخوالها الثلاثة ومحاولاتهم
اليائسة لمواساة ماما شيخة وبابا محمد باحتمالية وجود ناجيين من الطائرة المنكوبة!
تذكر مريم جيدًا...
أن أبصار الجميع كانت شاخصة بحيث لم
ينتبهوا إلى وجود مريم بفستانها الماروني وشريطتها الحريرية ويدها اليمنى التي
تحمل وردتين بنفسجية وبيضاء ويدها اليسرى التي تحمل الرسالتين المتآكلتين من فرط
إمساك مريم الشديد بهم!
تذكر مريم جيدًا...
بأنها في حينها كان سقف استيعابها هو
حصول مكروه للطائرة فقط، لم يخطر ببالها ولا للحظة إصابة والديها بمكروه ... كيف
يصابون بمكروه ووالدتها قد وعدتها بهدية عيدميلادها الثامن؟ كيف يصابون بمكروه
ووالدها تحدث إليها بالأمس بالهاتف وأكد لها بأنها زيارته الأخيرة إلى مصر؟ كيف
يصابون بمكروه؟ لمن هذه الورود والرسائل إذًا؟ ماذا ستخبر معلماتها وصديقاتها في
النشاط الصيفي يوم السبت؟
تذكر مريم جيدًا
..
كيف اختبأت في الفراغ بين الأريكة
والحائط وأخذت تراقب الوضع من حولها....
تذكر مريم جيدًا
...
رنين هاتف المنزل لم يتوقف .. الجميع
يتساءل عن فائزة وعيسى ... الجميع يصلّي لله ويدعوه أن فائزة وعيسى قد أجلوا رحلة
رجوعهم إلى الغد .. الجميع كان يتوق إلى تلقّي جواب واحد هو:" لا ... فائزة
وعيسى ليسوا على طائرة 027 التابعة لطيران الخليج" ... لكن للأسف كان الجواب
عكس ذلك تمامًا ...
تذكر مريم جيدًا
..
أنها رأت من مخبأها السري قاع رجليّ
ماما شيخة المخضبتين بالحناء بعد أن مددوها أبناءها على الأرض حتى تستعيد وعيها...
تذكر مريم جيدًا
...
أن الشخص الوحيد الذي جاء يبحث عنها
ووجدها فعلًا هي زوجة خالها "سماح" رأتها مريم وهي تقتحم المنزل، لم تكن
تنظر إلى ماما شيخة أو بابا محمد أو زوجها، كانت تبحث عن شيء آخر تمامًا لم تعثر
عليه بسهولة... لم تعر اهتمامًا لجسد ماما شيخة المسجى على الأرض ... أخيرًا رأت
"سماح" شريطة مارونية .. توجهت إليها ... رأت مريم وجه سمح يطلّ عليها
ويبتسم لها .. كانت خالة "سماح" .. مدّت يدها لتسحب مريم من عرينها
السرّي وهي تبتسهم وتغالب دموعها: لا بأس يا حبيبتي ... تعالي معي .. عبدالرحمن
ومحمد في انتظارك في المنزل ليلعبوا معك ... هيا لنذهب إليهم ... استجابت لها مريم
وتبعتها طائعة ... خرجت بها "سماح" من المنزل دون أن يلتفت إليهن أحد!
كأنهن لبسن عباءة للإخفاء، لا حاجة لعباءة الإخفاء حيث الجميع كانوا في سكرتهم
يعمهون! قبل أن تخرج مريم حانت منها التفاتة إلى المشهد السريالي كل ما تذكره أنها
رأت خمسة جبال نُسفت نسفًا! كانت لا تزال تمسك الوردتين في يدها إلا أن الرسائل
كانت قد بهتت تمامًا تحت وطأة ضغط أصابع مريم والرطوبة التي خلفتها!
سحبتها "سماح" بقوة من يدها
حتى تمنعها من مشاهدة المزيد ثم سألتها بحنانٍ بالغ: ها يا مريم ماذا تريدين أن
تتناولي على وجبة العشاء؟
حاولت مريم التحدث، كانت هذه هي المرة
الأولى التي تحاول أن تتحدث فيها منذ أن رجع جدّها جريًا من المسجد، كل ما كان
يخرج منها هو تأوهات! توقفت "سماح" ونظرت إليها ثم قالت لها بهدوء حاولي
أن تنطقي اسمك..
مريم وهي تمسك ببلعومها: مااآآآآممم!
أغلقت "سماح" عينيها وضمت
مريم بقوة إلى صدرها حتى كادت تختنق، لم يمنع "سماح" من مواصلة العناق
سوى تأوهات مريم التي خرجت احتجاجًا على هذه القوة الجسدية!
أرادت "سماح" أن تصرخ بأعلى
صوتها .. أرادت أن تخبر الجميع بأن الحياة غير عادلة وبأن مريم ضحية .. وبأن مريم
قد وقع عليها الكثير من الظلم.. وبأن مريم فقدت قدرتها على النطق ... وبأن مريم قد
فقدت والديها كليهما معًا ... وبأن مريم أمست يتيمة الأبوين ... وبأن مريم أمست في
طيّ النسيان ... وبأن مريم كانت مختبئة ولم يبحث عنها أحد... لكنها عادت إلى رشدها
وتذكرت " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" ..
كانت تكررها طوال الطريق من بيت بابا محمد إلى بيتها ... إنا لله وإنا إليه راجعون
.. إنا لله وإنا إليه راجعون ... إنا لله وإنا إليه راجعون
...
ما إن وصلت "سماح" إلى
المنزل حتى سارعت بالاتصال بأختها "سلوى" التي كانت طبيبة نفسية
وأخبرتها عن حالة مريم.. طمأنتها "سلوى": ما أصاب مريم أمر طبيعي
تمامًا، فقط احرصي على عدم ذهابها إلى مجلس العزاء، وستتعافى بعد يومين كحد أقصى،
أما إذا ظلّت على نفس الوضع فأحضريها لي في العيادة...
تخلفت "سماح" عن مجلس
العزاء، إلا أنها كانت تذهب إلى ماما شيخة ليلًا بعد عودة زوجها إلى المنزل، وكانت
تطمئنها على سلامة وصحة "مريم"، لكن ماما شيخة كانت في عالم آخر تمامًا،
لم تكن تعي ما يدور حولها، كانت ذاهلة وشاردة تنظر إلى الفراغ ... إلى العدم وتذرف
دموعًا بسخاء دون صوت أو اهتزاز!
فعلًا تعافت
مريم تدريجيًا وأخذت في الحديث بصورة طبيعية بعد مرور ثلاثة أيام، الأمر الذي أفرح
"سماح" وأحزنها في نفس الوقت، لأنها بدأت تتساءل عما حصل لوالديها
تمامًا، لم تكن تعلم ما هو الرد المناسب، فتارةً تخبرها بأن والدها قد اضطر للبقاء
في مصر بسبب ظروف دراسته، وتارة أخرى تؤكد لها أن والدتها تتصل فيها ليلًا بعد
نومها للااطئنان على صحتها وسلامتها، وبعد ما يقارب الأسبوع بينما كانت الأسرة
مجتمعة لتناول وجبة الغداء، قالت مريم: أعلم يا خالتي بأن والديّ غرقا في البحر
ولن يعودا مجددًا أبدًا! كادت "سماح" أن تلفظ ما أكلته للتو، ألقت
ملعقتها بقوة وفتحت عينيها على أقصى اتساع ممكن وقالت: ولكـ... ولكن ... ممممـ ..
ممـ .. من قال لك هذا؟
وفي خطوة تكتيكية انسحب عبدالرحمن من
على طاولة الطعام إلى المطبخ في هذه اللحظة بالذات، أشارت "مريم" إلى
كرسي عبدالرحمن الفارغ.
بعد مرور ما يقارب الشهر ومع قرب موعد
العودة إلى المدارس، شدّت "سماح" الرحال إلى بيت بابا محمد وقد عقدت
العزم على تقرير مصير مريم بشكل نهائي، جلست "سماح" مع كل من بابا محمد
الذي كان قد اكتسى شعره بياضًا ينافس فيه الثلج، أما ماما شيخة فكانت لا تزال في
عالمها الخاص، هائمة على وجهها، تنظر إلى ما خلف الشخص الذي يحدثها كأنها تتوقع
قدوم أحدهم من خلفه، حدّثت "سماح" نفسها بأن هذا يبدو سهلًا فماما شيخة
في غيابة الجبّ وبابا محمد المسالم لن يمانع، بدأت "سماح" الحديث: فكّرت
مطولًا بأن هذا التذبذب التي تعيشه "مريم" غير مقبول خاصة مع قرب فتح
المدارس؛ فهي تحتاج إلى الاستقرار حتى تستمر على تفوقها في تحصيلها الدراسي، وأنا
اليوم ألتمس منكم القبول بأن تنتقل "مريم" إلى بيت خالها للسكن بشكل
نهائي حيـ....
لااا .. قطعًا لا ... مريم لن تخرج من
هذا البيت أبدًا، قاطعتها ماما شيخة وهي تهزّ يديها بحركة قطعية وتنظر إلى
"سماح" في عينيها..
بُهتت "سماح" من ردة الفعل
الغير متوقعة لأم زوجها: ولكن يا خالتي، من سيعتني بها ويتابع دروسها وأمورها في
المدرسة ... العفو لا أقصد أنك ستقصرين، لكن اقتراحي ما دامت مريم في سن ابني
عبدالرحمن .. فمتابعة أمورهم المدرسية سيصبح أسهل معًا.
ماما شيخة: إذًا تأتين أنتِ
وعبدالرحمن يوميًا إلى هنا لتدريسها، ثم عادت إلى عالمها مرة أخرى وكأن هذا العالم
الحقيقي لم يعد يليق بها!
التفتت "سماح" إلى بابا
محمد وهي تتوسل: ولكن يا عمي، أنت تعلم بأن عليّ تدريس محمد أيضًا، لن تنفع هذه
الطريقة، إنها ليست بالطريقة العملية البتة! وأنا أعمل مدرسّة ولديّ مهامي التي
أقوم بها بعد رجوعي إلى المنزل!
خرج صوت بابا محمد وكأنه صادر من كهف: ابنتي "سماح" اعلمي وتيقني بأنك
قد تربيتِ في بيت كريم النسب والمنشأ، لا تتمتع كل النساء بقلبك الطاهر الصادق
الكبير القادر على احتواء أبناءه وأبناء غيره، لقد رأيتكِ في تلك الليلة ورأيت
إصرارك على اصطحاب "مريم" معك، بالطبع لم أعي ما رأيته حينها، لكني
اليوم أشكرك من أعماق قلبي وأدعو الله بطول العمر والصحة لوالدتك وأن يرحم الله
والدك ويبارك في ذريتك، لكن، لا "مريم" ستبقى هنا، احزمي حقائبها وابدأي
بإجراءات نقلها إلى المدرسة القريبة من المنزل، وسأتولى أنا تدريسها .. ثم سكت
لبرهة من الزمن وقال: لا أريد أن أفقد ابنتي مرتين .. ألم الفقد مؤلم جدًا ..
وأجهش في البكاء .. تبعته فيها ماما شيخة وسُحبت "سماح" إلى نوبة البكاء
سحبًا ... ما أصعب أن يرى الانسان بكاء جبل دون أن يبكي معه!
أجلت "سماح" انتقال مريم
إلى بيت بابا محمد إلى أن تبقى أسبوع كامل على بدأ الدراسة، كان صباحًا صيفيًا
قررت فيه "سماح" أخذ الأولاد مع مريم إلى مجمع للعب وتناول وجبة الغداء
قبل أن توصلها إلى بيت جدّها، وبطبيعة الحال مرّت "سماح" من على جسر
الشيخ عيسى للذهاب إلى المنامة، وما أن دارت عجلات السيارة على الجسر، حتى ألقت
"مريم" بجسدها بكل قوتها على أرضية السيارة و بنوبة بكاء هستيري وصراخ
حاد وهي تكرر: لاااا أريد ... لاااا أريد البحر .... لا أريد رؤية البحر ...
خاااالة سمااااااااااح ... أنقذيني لا أستطيع التنفس
...
تكور كل من محمد وعبدالرحمن على
أنفسهم في الطرف الآخر من السيارة خوفًا منها، فزعت "سماح" من هذه
الحالة الهستيرية الجديدة فهي تعرف "مريم" حق المعرفة.. كانت محافظة على
رباطة جأشها بصورة لافتة جدًا منذ وفاة والديها، لكن يظهر أنه البحر أصبح عقدة
ستظل تلاحقها!
أوقفت "سماح" سيارتها على
مسار الطوارئ، ترجلت من السيارة بسرعة وفتحت الباب الخلفي، جلست بالقرب من
"مريم" واحتضنتها .. مسحت على صدرها ورأسها وهي تتلو المعوذات وآية
الكرسي، حتى هدأت "مريم" إلا من بعض التنهدات اللا إرادية. أمسكت
"سماح" وجنتي مريم بكلتيا يديها وثبتت نظرها في مستوى نظر مريم: ابنتي، سأعطيك
نظاراتي الشمسية هذه، ارتديها حتى تختبأين من البحر فلن يعد يراكِ أبدًا، وهكذا
ستكونين بمأمن ما رأيك؟
هزّت مريم رأسها وارتدت النظارات،
عادت "سماح" أدراجها إلى خلف الموقد وعبرت الجسر بهدوء، والأفكار تدور
برأسها، هذه الحيلة ستنفع مع "مريم" الآن، لكن لن تنفع معها بعد مرور
خمس سنوات كحد أقصى.. هل ستُحرم مريم من أي رحلة بحرية؟ كيف ستسافر مرة أخرى
بالطائرة؟ كيف ستحصل على رخصة القيادة؟ هل ستكون هذه العقدة هي سبب إنهاء مستقبل
"مريم" الآن؟ الموضوع يتطلب حل جذري وتدخل مبكر من الآن، هي سترضى ماما
شيخة باصطحابها لـ "مريم" لمراجعة أختها الدكتورة "سلوى" في
العيادة؟ خواطر عديدة طافت في ذهنها قُتلت ودفنت في لحدها بعد مرور ما يقارب
الأسبوع عندما فاتحت "سماح" ماما شيخة بالموضوع، وردّت عليها بكل
مقاومة: لا .. دعي ابنتي وشأنها .. واهتمي بشؤون أبناءك فقط!
البيروقراطية
من أصنام القرن 21
كان الاتفاق
الذي عُقد مسبقًا بين "مريم" ومسؤولتها "صدّيقة" أن تفتتح
"مريم" الاجتماع نظرًا إلى أنها هي صاحبة فكرة الفعالية الأساسية وهي
التي تحيط بها علمًا، وبناءً على هذا الاتفاق حضرت مريم إلى قاعة الاجتماعات قبل
نصف ساعة من بدء الاجتماع وأعدت العرض والمواد التي ستُطرح.
بعد برهة سمعت صوت الباب يُفتح من
خلفها وعلمت أنها "صديقة"، لم تلتفت "مريم" لعلمها المسبق
بطبيعة "صدّيقة"؛ فقد كان صيتها ذائع في الوزارة من خلال لقبها
"الحرب عليكم" في إشارة واضحة إلى عدم إلقاءها السلام على أحد الموظفين
ما لم يكن من الإدارة العليا، ولسبب آخر بسيط ألا وهو مبادرتها إلى افتعال مشاكل
وشجارات من خلال أسلوبها المستفز! تعلم "مريم" تمامًا سبب نظرات الشفقة
التي يغمرها بها موظفي الوزارة ودعواتهم الدائمة لهم بمناسبة ودون مناسبة: "
الله يعينج"، "محد يستحملها، شلون تستحميلنها!"، "لج
الجنة!"، "معليه صبري ليما
ينقلونج قسم ثاني"، "شعاد الواحد يتعب في البداية عشان يتعلم"!
جلست
"صدّيقة" على يمين رأس الطاولة وأجلست حولها حاشيتها الشيطانية المكونة
من شياطين التصيّد والتهكم والازدراء، وأطلقت سهام نظراتها الساخرة إلى
"مريم" التي ختارت بملأ إرادتها أن لا تلتفت إلى هذه الملهيات، كان
نظرها مركز على ثلاثة أهداف تريد الوصول إليهم بعد اجتماعهم اليوم مع الإدارة
العليا، الهدف الأول هو الحصول على موافقة ودعم الإدارة العليا على فعاليتها
القادمة، أما الهدف الآخر والأهم بالنسبة إلى مريم هي حاجتها الملحة إلى تفريغ
أطنان المعرفة التي اكتسبتها رغمًا عنها من جرّاء جلساتها اليومية مع جدّها بابا
محمد، وأخيرًا الهدف الأخير هو رغبتها الصادقة في تغيير نظام إدارة الاجتماعات
المهترئ في وزارتها، الذي ينتج عنه قرارات ضئيلة هزيلة، أوقات كثيرة مضيعة، كميات
هائلة من الملل والضجر.
اكتمل نصاب الاجتماع، وحان وقت البدء،
ولا زالت مريم تحاول تجاهل النظر إلى عينيّ "صدّيقة" الحادتين، كان
الحماس قد بلغ بـ"مريم" حدّ السحب في السماء، شعرت بأنها لا تستطيع
الجلوس على الكرسي ولا تقدر على ربط لسانها عن البوح بكل أفكارها وتصوراتها عن
الفعالية القادمة...
بدأت "مريم" بالبسملة
إيذانًا ببدء الاجتماع إلا أن "صديقة" أطلقت سعالًا خفيفًا إشارة إلى
"مريم" بالسكوت! قررت "مريم" مرة أخرى تجاهل ما سمعته للتو
إلا أن "صدّيقة" كررت السعال بصوت أعلى، أدى إلى التفات جميع الحضور
إليها وحلت لحظة صمت أو حرج، التفت المدير العام على "صديقة" وبادرها
القول: هل هناك ما تودين قوله؟
ابتسمت "صدّيقة" وقالت: آه
.. نعم .. أشكرك يا "بو خالد" على إنزالك الناس منازلهم، وأعتذر إذا
كانت موظفة دون الوظائف الإشرافية تريد البدء بالاجتماع!
كان لا بدّ لـ "مريم" من
النظر إلى "صدّيقة" في نهاية المطاف، تأملت جسمها المكتنز الكروي،
وحاجباها الرفيعين على شكل رقم ثمانية! كحلها الذي تكاد تجزم مريم بأنها ترسمه بعد
ان تقيس مسافة سنتيمتر من تحت الرمش السفلي للعين! قالت في نفسها: آه، كم هي مبدعة
هذه الـ "صدّيقة" في اختلاق مشاكل لا أساس لها، كان بإمكانها الاتفاق
معي على أن تبدأ هي الاجتماع بدل هذه المسرحية الدرامية!
استند " بو خالد" على
الكرسي الدوار إلى أقصى حد ممكن أن يصله مسند الظهر وشبك أصابعه معًا: على العكس
تمامًا سأًسعد كثيرًا إذا ما بدأت "مريم" الاجتماع، دائمًا أشعر
بالتقصير من جهة الموظفين دون الوظائف اللإشرافية كنا تفضلتِ يا
"صدّيقة"؛ حيث أنهم موظفين في قطاعي إلا أني لا أعرفهم حتى بالاسم أو
بالشكل أو بالمواهب الكامنة لديهم، وهذه فرصة ممتازة للتقليل من هذا الشعور
المؤرّق... ثم التفت إلى "مريم" وقال لها: تفضلي يا ابنتي، كلنا آذان
صاغية!
بدأ الاجتماع في تمام التاسعة صباحًا
متأخرًا عن موعده الأصلي بثلاثين دقيقة، لم يكن هذا الأمر مستهجن في بعض أوساط
العمل الحكومية، لكن هذا الأمر لم يتسبب لـ "مريم" بالاحباط بسبب اغتيال
أحد أهدافها، كان هذا الاجتماع بمثابة الحسم لـ "مريم" ولن تتنازل عنه
لأي سبب من الأسباب!
بدأت "مريم" وهي تحاول
الامساك بأطراف الحروف والكلمات التي تحاول التفلت من لسانها نظرًا لطول انتظارها:
بسم الله الرحمن الرحيم، جزيل الشكر
لك أستاذ "جمال" على هذه الثقة التي أعتز بها، مرحبًا بكم جميعًا في
اجتماعنا اليوم لاعتماد فعالية الإدارة القادمة، كما وأود أن أعتذر عن التأخر في
بدء الاجتماع لمدة ثلاثين دقيقة - شًرعت العيون على أوجها في استغراب من هذا
الاعتذار حيث أن سبب تأخر بدء عقد الاجتماع هو "بو خالد" ذاته إلا أنه
ابتسم وهزّ رأسه بالموافقة- واصلت "مريم" فعاليتنا القادمة نشأت فكرتها
من مرور تسعين سنة على تقلّد الشاعر المصري لإمارة الشعر وتلقيبه بـ"أمير
الشعراء"..
ربما السؤال الأول الذي سيتبادر إلى
أذهانكم، وما علاقة الوزارة بذلك؟
حسنًا، لأولئك الذين تساءلوا عن ذلك،
دعوني أؤكد لكم بأن البحرين كانت من الدول السبّاقة التي لبّت نداء مصر إلى الأمم
العربية للمشاركة في حفل تكريم أحمد شوقي آنذاك! وهنا غاية جميلة أود استعراضها
وهي أن أغلب الشعراء يُكرّمون في أوطانهم بعد مماتهم، أو يكرّمون في حياتههم ولكن
من بلدان أخرى غير أوطانهم، أحمد شوقي جمع الحظين وكُرّم في حياته وفي موطنه، في
إشارة وتنبيه إلينا للاحتفاء بأدبائنا اللامعين الآن قبل فوات الأوان!
ربما السؤال الثاني الذي سيتبادر إلى
أذهانكم ببديهية هو: من الذي لبّى النداء؟
دعوني أرفق لكم هذه الصور والمستندات
والتي اقتبستها من كتاب " تكريم البحرين لأمير الشعراء أحمد شوقي " من
تأليف وتجميع الكاتب البحريني صقر بن عبدالله المعاودة! - عُرضت صورة مبنى النادي
الأدبي في البحرين-
لنعود إلى السؤال، كان النادي الأدبي
في البحرين هو أول من استجاب لنداء مصر للمشاركة في حفل تقليد أحمد شوقي لإمارة
الشعر في 25 فبراير 1927م في دار الأوبرا المصرية، وبالتحديد كان الشاعر البحريني
عبدالله بن علي الزايد هو الذي بادر إلى ذلك مع شاعر الخليج الكويتي خالد الفرج.
إذًا السؤال الثالث في السلسلة بصورة
منطقية هو: كيف شاركت البحرين؟ ولكن قبل أن أعرض الصورة أود أن أطرح عليكم هذا
السؤال، هل يعلم أحدكم ما هي الهدية التي أرسلت إليه؟
رفع الموظف "أحمد" يده على
استحياء، اقتنصت"مريم" الفرصة ودعته إلى الإجابة: اممم أعــ ... أعتقد
أنها نخلة من الفضة أو مطلية بماء الذهب!
صفّقت مريم بكلتا يديها: نعم .. نعم
.. لقدة اقتربت كثيرًا يا " أحمد" ... عرضت مريم صورة الهدية وشرعت في
وصفها بتأنٍ شديد وفخر بالغ، وتخيلت نفسها في إحدى جلساتها الصيفية مع بابا محمد:
انظروا إلى جمال الهدية، هي نخلة تتكون من الذهب الخالص واللؤلؤ البحريني الطبيعي
والكهرمان، كما ترون صُنع جذع النخلة بطول 33 سنتيمتر من الذهب الخالص وكذلك السعف
ذهب خالص، أما عناقيدها فكانت أربعة عناقيد من اللؤلؤ البحريني، وثُبتت النخلة على
قاعدة مثمنة من الكهرمان، ألصقت بها لوحة ذهبية حُفر عليها" هدية بلاد
البحرين إلى أمير الشعراء أحمد شوقي بمناسبة تكريمه سنة 1435 هـ"...
تعالت صيحات الاعجاب من الحضور، قالت
إحداهن: " طول عمرنه ذوق هل البحرين " وقال آخر:" لو أهديت هذه
الهدية لي لتركت الشعر وعشت أميرًا حقيقيًا لباقي حياتي"، ولن تتمكن إحدى
الموظفات من إمساك نفسها فضربت على صدرها
وهي تقول:" بلح من اللؤلؤ ... هذه هي الجنة بالتأكيد .. استغفر الله ...
استغفر الله .. اللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قولٍ أو عمل" .. تعالت
الضحكات، لم تتوقع "مريم" أن يرجع هدفها الثالث إلى مساره مرة أخرى بهذه
السرعة.
وقفت وشبكت يديها أمام صدرها، كانت
الأسماع مرهفة، ومستوى انتباه الموظفين قد بلغ حدًا لم تعهده "مريم"
سابقًا، لم يكن أحدهم ممسك بهاتفه الجوال ... كانت الأنظار موجهة إليها كليًا،
قالت بهدوء: والآن السؤال الحتمي الذي لا بدّ منه، من الذي تكفل بتكاليف هذه
الهدية الثمينة؟
سارع أحدهم إلى القول: لا أعلم من هو
بالتحديد .. لكن الأكيد أن أحفاده لا زالوا يسددون ديونه! انفجرت قاعة الاجتماعات
بالضحك، حتى الشجيرة المسكينة القابعة في الزاوية، المتهدلة من كثرة الهراء الذي
تستمع إليه في الاجتماعات، والمصفرّة من المشاعر السلبية التي تنتج مع كل اجتماع،
حتى تلك الشجيرة قد انتفضت ونفضت عن نفسها ذرات الغبار، وانتصبت أوراقها للاستماع
إلى بقية القصة!
قال آخر: لا أعلم .. لكن أخمن أن
تجّار البحرين كلًا حسب اختصاصه قد شارك التكاليف.
صفّقت "مريم" مرة أخرى:
أحسنت يا "أسامة" اقتربت كثيرًا، تكاليف هذه الجائزة شارك فيها كل من
العائلة الحاكمة، الوجهاء والأعيان، التجّار، الأدباء، وكل من له شغف بالأدب.
ثم أضافت مريم وقد تحرشج صوتها حيق
كانت تغالب بكاءً يتوق إلى الخروج ودموع تنتظر الافراج: هل تعلمون ماذا قال فينا
أمير الشعراء؟ - ثم عرضت صورته الشهيرة والتي يسند فيها رأسه على قبضة يده اليمنى-
قال في قصيدته التي أُلقيت في حفل
تكريمه في دار الأوبرا المصرية:
قلدتني الملوك من لؤلؤ البحرين آلاءها
ومن مرجانه ...
نخلةً لا تزال في الشرق معنىً من
بداوته ومن عمرانه ..
وهل تعلمون ماذا كتب في خطاب الشكر
الذي أرسله إلى النادي الأدبي في البحرين؟
" إن الهدية أصبحت آية من آيات الفن وأنها أثمن وأفخر هدية قُدمت لشوقي
وغير شوقي"
ضجّت قاعة الاجتماعات بالتصفيق، هنا
أطلقت مريم سراح دموعها بهدوء، وهدأت نفسها وسكنت جوارحها بعد أن أفرغت أثقال
المعرفة من على صدرها - هكذا هي بعض أنواع
المعرفة لا يليق بها إلا النقل والعرض .. تأبي أن تُحبس في صدر أو عقل شخص واحد ..
وتزداد قيمةً بالمشاركة!-
لن أطيل عليكم بمعلوماتٍ تاريخية أكثر
من ذلك، سأنتقل إلى دوري ومهمتي في الفعالية، لقد أُسندت إليّ مهمتي الاشراف على
حفل الافتتاح والختام، التفتت "مريم" إلى "بو خالد" ووجهت
الحديث إليه: على عكس الكثيرين الذين أتوا إليك يطمحون في اعتماد ميزانيات ضخمة،
أنا أتيت اليوم إليك أريد اعتمادًا نعم .. لكنه اعتماد معنوي .. أطمح موافقتك على
الأتي:
* افتتاح الحفل بنداء أذان العصر المرتفع من المسجد المحاذي لقلعة عراد
* حيث سيتم إعداد المسرح بشكل يحاكي المسرح الذي أقيم في حفل تكريم أحمد
شوقي بدار الأوبرا كما وصفه الكاتب البحريني صقر عبدالله المعاودة في كتابه - ثم
استعرضت مريم شكل المسرح التصوري تمثال نصفي لأمير الشعراء بجانبه طاولة تحمل نخلة
البحرين الذهبية وكأس من الذهب أهداه للشاعر النادي الأدبي العربي في الهند-
* وفي ختام الحفل، سيتم الاستعانة بممثلين بحرينيين لإلقاء تعليق كل
أديب وكاتب على هذه الجائزة سواء كان هذا التعليق مكتوب أو منطوق، والأدباء الذين
تحدثوا عن هديتنا كُثُر على سبيل المثال لا الحصر، تخيلوا معي وانظروا إلى هذه
الاقتباسات، وبدأت مريم تلقيتهم بتأني وبمخارج حروف سليمة تمامًا كأنها أمام بابا
محمد:
1- شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي كان أول من بايع أحمد شوقي ببيته
الشهير: أمير القوافي قد أتيت مبايعًا .. وهذي وفود الشرق قد بايعت معي"
2- ثم
شاعر القطرين، الشاعر اللبناني خليل مطران: في مصر ينشد من بنيها منشد ... وصداه
في البحرين والزوراء .. عيد اتحدت قلوب شعوبها ولقد تكون كثيرة الأهواء"
3- والشاعر المصري أبو الوفا محمود رمزي نظيم: ونخلة البحرين في بلحها
العجب .. معناها لولي كلامك منظوم أسلاك من ذهب ... قاعدتها من كهرمان أصفر
ومغروسة فيه هيدة دلت على الذوق ومن معدنه ومن ذويه"
4- ومجلة المنار التي نشرت تعليقًا بقلم صاحبها الشيخ محمد رشيد.
5- وتعليق مفتي الديار الفلسطينية الشيخ أمين الحسيني في مجلة الشورى.
وغيرهم الكثير .. الكثير...
الآن أعتقد بأننا جميعًا بتنا نحمل
نفس الأهداف والرسالة التي نرغب بإيصالها من خلال هذه الفعالية...
جميعنا نريد أن نبعث دور البحرين
الرائد أدبيًا من مرقده...
كلنا نريد أن نؤكد بأن اهتمام البحرين
بالأدباء واحتفاءها بهم ليس أمرًا وليد اللحظة!
المجمع يريد أن يرجع البحرين إلى
خارطة أدب العالم العربي مرة أخرى..
بحريننا أكبر وأنقى وأجمل من كل ما
قيل عنها سلبًا وحيك من وراءها قدفًا ...
أنا اليوم أقف أمامكم مع كل هذه المعرفة
والمستندات والأسئلة، صحيح أرغب بحصول موافقة الإدارة العليا على الفعالية، لكن
الأصح هو أني أريد لكل واحد جالس في هذه القاعة أن يؤمن صدقًا وحقيقةً بأن البحرين
لها وزنها وتاريخها الذي يقع على عاتقنا مهمة إحياءه وصنع تاريخ تستشهد به الأجيال
القادمة
ختامًا: أريد تصويتكم الصادق على اسم
هذه الفعالية، ما رأيكم بـ "لقاء الأمراء"؟
من يؤيد الاسم يرفع يده: ارتفعت أيادٍ
كثيرة في الهواء، كانت تتطلع إلى يد واحدة فقط ... يدّ "بو خالد" ..
لكنها فوجئت بيديه معًا ترتفعان في الهواء.
أنزل الجميع أياديهم وظلّت يدّ
"بو خالد" في الهواء، ترددت "مريم" ثم قالت: نعم أستاذ
"جمال" تفضل!!
وضع كوعيه على طرف الطاولة وأسند ذقنه
على أصابعه: أريد أن أعلن بأني أريد أن أكون جزء من المنظمين لهذه الفعالية، أسندي
إليّ يا ابنتي مهمة استرداد نخلة البحرين الثمينة بصورة مؤقتة من مصر لغرض الفعالية
فقط! ثم قفل عائدًا إلى الاستناد الأقصى على الكرسي.
تلتفتت "مريم" حولها غير
مصدقة، ألجمت الصدمة لسانها: ولــ ... و ... امممم ... أستــ.. بو ...
ثم التفتت إلى لوحة المفاتيح وضربت زر
السهم العلوس للعودة إلى صورة النخلة، والتفتت مرة أخرى إلى "بو خالد":
هل .. هل تقصد هذه النخلة؟!؟!!؟!؟!؟!؟!
هزّ رأسه وهو يبتسم : هل تعتقدين أني
سُميت بـ"جمال" ثم كُنيت بـ "بو خالد" عبثًا؟!
ثم هبّ واقفًا
وشكرهم على حضورهم وانطلق خارجًا من قاعة الاجتماعات
..
تعاركت الأفكار في رأس
"مريم" معركة كبرى: يجب أن أخبر بابا محمد .. بابا محمد يجب أن يكون من
أوائل الحضور ... ولكن لقد حصلت على " كوتيشن " من محلات التجارة لتصميم
مجسم شبيه بالنخلة تمامًا ... سألغي كل هذه العقود والاتفاقات ... يا إلهي هل
سأتمكن أخيرًا من لمس النخلة الذهبية الأسطورية؟
في مواجهة
القلعة
ركنت مريم سيارتها في مواقف مجمع
السيف في منطقة عرّاد، وحمدت الله في سرّها على هذه المواقف الفسيحة مقارنة
بالمواقف في باقي المجمعات.. كان نداء أذان العصر قد ارتفع للتو فتوجهت مباشرة إلى
مصلى المجمع وهي تحاول التركيز في أداء الصلاة وتأجيل التفكير في غرضها الحقيقي من
زيارة المجمع اليوم...
انتهت من أداء الصلاة وفكّرت: ما الذي
أستطيع عمله الآن؟ أعتقد بأن كوبًا من الشاي قد يصلح ما أفسدته مسؤولتها اليوم في
العمل..
انطلقت بسيارتها إلى "شارع
عراد" للبحث عن إحدى محلات "الكرك"*، وبالطبع لم تواجه أي عناء في
إيجاد المحل، فبين كل محل ومحل يوجد محل "كرك"، لم تضطر مريم إلى مناداة
العامل فبمجرد أن ركنت سيارتها أمام المحل، أتاها العامل بصينية يحمل عليها أكواب
ورقية يرتفع منها الدخان الساخن حاملًا معه رائحة الهيل والحليب وبجانب الأكواب
الورقية توجد علب البسكويت لمن يرغب بزيادة نشوته من خلال رفع مستوى السكر في دمه،
شكرته مريم بلطف وطلبت منه شايًا من دون حليب ولا سكر وهي تدعو الله في سرّها أن
يكون هذا العامل منفتح أكثر من العاملين في باقي المحلات والذين يرفضون تقبل فكرة
خلو المشروبات الساخنة أيًا كان نوعها من السكر. تذكرت جدّتها "ماما
شيخة" وهي تتهمها: طبعًا أنت ابنة جدّك، من يشرب الشاي دون سكّر في البحرين
سوى جدّك وحفيدته المفضلة!
أنهت مريم شرب
الشاي وعلمت أن لحظة الصفر قد حانت!
لا مفر من مواجهة القدر المحتوم في
التوجه إلى قلعة عراد، ففي النهاية كانت هي بذاتها التي اقترحت مكان الفعالية،
وعندما عادت إلى وعيها علمت أنها قد ارتكبت خطأً فادحًا!
بدأت بتأنيب نفسها: من بين كل الأمكان
يا مريم لم يقع خيارك إلا على قلعة عراد؟!! كان بإمكانك اختيار قلعة البحرين، لكن
قلعة البحرين أيضًا تطل على ساحل بحري! وهؤلاء أليس لهم قرار ورأي؟! وافقوا فورًا
على مقترحي!
آه يا لغبائك يا مريم كيف ستهربين من
مواجهة البحر في بلد يسمى بالبحرين؟!
ثم استرجعت مريم الحوار الساخن الذي
دار بينها وبين مسؤولتها في العمل واستجمعت قواها وعلمت أنه لا مفرّ!
عادت أدراجها إلى المنطقة المحيطة
بمجمع السيف لكن عوضًا عن أن تتجه يمينًا إلى المرتفع المؤدي إلى البوابة الرئيسية
للمجمع، سلكت الطريق على اليسار والتفت عليه وهي تشيح بوجهها عن المنظر على يمينها!
من ينظر إلى مريم من الخارج سيتبادر
إلى ذهنه فورًا أن المشهد على يمينها هو مشهد دموي ... مشهد طفل يُنحر .. أو رجل
ينتحر وإلا ما سبب هذا الصدود الغريب؟
ركنت مريم سيارتها مرة أخرى أمام قلعة
عراد .. أخذت نفسًا عميقًا ورددت بصوت أقرب إلى الهمس " يا حيّ يا قيوم ..
برحمتك أستغيث ... أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين" حرصت على
نطق حرف السين بحدّة كما تنطقه ماما شيخة، علّ شيئًا من بركتها يحلّ عليها قبل
المواجهة الكبرى التي تقبل عليها!
أي شخص عادي كان سيتجه في خط مستقيم
إلى القلعة حيث البحر على يمينه والقلعة على يساره حتى يصل إلى بوابة القلعة ويتجه
يسارًا لدخولها بحيث يولّي وجهه شطر القلعة ويولّي ظهره للبحر من خلفه، لكن مريم
الغير عادية أخذت تمشي على جنب بطريقة غريبة جدًا منذ أن ترجلت من السيارة بحيث
تولّي ظهرها للبحر وتزيله من مدى نظرها كليًا وهي تخطو خطوات واسعة إلى اليمين! ومع
كل خطوة كانت عباءتها تنتفخ كالبالون من جرّاء دخول الهواء فيها!
مرة أخرى من ينظر إلى مريم لن يتمالك
نفسه عن ابداء استغرابه في نفسه كحد أدنى إذا كان لبقًا أما إذا كان لا يُعنى
بمشاعر الآخرين فسيطلق ضحكة سخرية، وهذا ما حصل تمامًا! تعالت من يسارها أصوات ضحكات
واستهجان؛ حيث تشتهر مواقف السيارات في هذه المنطقة بكونها قاعدة بيانات ملموسة
لجميع العمّال الآسيويين الذين يعملون في غسيل السيارات في منطقة "عراد"
فكانت مريم فرصة سانحة لهم للترفيه عن أنفسهم من وطأة انتظار زبونهم المرتقب!
لم تهتم مريم فعليًا بردود أفعال
الأشخاص من حولها؛ ما يهمها ويقلقها هو شيء واحد فقط، ألا ترى زرقة البحر نهائيًا!
من شاهد مريم في اجتماع اعتماد
الفعالية قبل أسبوعين، لن يعتقد بأنها هي نفس الـ "مريم" التي تخطو هذه
الخطوات الغريبة! أو أنها من الممكن أن تعاني من أي شكل من أشكال الفوبيا! مريم
مزيج من قوة شخصية ماما شيخة ومن ثقافة بابا محمد إلا أن هذا المزيج غير متجانس
كليًا بسبب وجود طبقة زيتية تتكون على رأس المزيج، هذه الطبقة هي الفوبيا التي
تكونت من فعل غرق الأم والأب!
كان عصرًا ربيعيًا بامتياز، حيث نسمات
الهواء لطيفة جدًا والرطوبة قد غابت عن هذا اليوم بداعي الإنهاك بعد أن أتعبتها
المواجهة اليومية وكأن بينها وبين البحرين ثأر قديم!
في مشهد سريالي سدّت مريم مدخل القلعة
ببنيتها الضئيلة وعبائتها المنتفخة ورموشها التي تحيط بعينيها ببذخ وحاجبيها
العريضين وبشرتها الحنطية على استحياء.
نعم وصلت أخيرًا وخطت داخل القلعة!
* محل الكرك: أولًا الكرك هو مشروب ساخن قريب من الشاي بالحليب، ثانيًا
محلات الكرك منتشرة بصورة كبيرة في البحرين.
قالوا وأقبلوا
عليهم ماذا تفقدون؟
ما إن خطت "مريم" داخل
القلعة حتى شعرت بالأمان، ارتاحت جزئيُا لأن البحر لا يُرى من القلعة، فهي قلعة في
نهاية الأمر بُنيت لكي تكون محصنة محصنة من البحر والمطر والعدو على حدّ السواء!
كانت الفعالية ستُعقد في عصر الغد،
وقد أُعفيت "مريم" من الذهاب إلى العمل في الغد بشقّ الأنفس، بعد صراع
خاضته مع مسؤولتها "صدّيقة" أو "عليكم الحرب"! لا يهم المهم
أنها تقف الآن في قلب القلعة وتولّي ظهرها إلى البحر المخيف من خلفها ، وأمامها في
حوش القلعة، وُضعت منصة خشبية بعرض يوازي عرض القلعة مغطاة بسجّاد أحمر كما كانت
في حفل الأوبرا قبل تسعين عامًا، وأمام المنصة صُفّت كراسي خشبية بمساند حمراء
تتماشى مع سجّادة المسرح، في منتصف المنصة تمامًا يوجد عمود للتمثال النصفي
للشاعر، وعلى يسار العمود توجد طاولة ستحمل الذهب، وأخيرًا على يمين المنصة، توجد
منصّة الإلقاء التي سيقف خلفها الممثلون لأداء أدوراهم، كانت مريم قد انتهت للتو
من حضور آخر بروفة للمثلين في مسرح الجزيرة المحاذي للقلعة، وفوجئت باتقانهم
لأدوارهم وبالمهارات التي يملكونها في مكياج التمثيل وملابس الشخصيات، كانت مرتاحة
ومطمئنة تمامًا من ناحية فقرة الختام!
ما كان يثير قلقها في الحقيقة هي فقرة
الافتتاح، ليست كلها فالأذان سيرتفع لا محال ما دامت السماوات والأرض، كانت قلقة
من النخلة الذهبية، فهي لم تصل إلى الآن، موعد وصولها بعد ما يقارب الثلاثين
دقيقة، سيتم إحضارها إلى القلعة مباشرة! تم التعاقد مع شركة تُعنى بالأمور الأمنية
لحراسة النخلة فور هبوطها على أرض البحرين حتى صعودها إلى الطائرة مرة أخرى، كما
تم تأمين النخلة بمبلغ خيالي تتكبده الوزارة حتى في حال فقدان لؤلؤة واحدة من
العنقود!
جلست "مريم" على إحدى
الكراسي تراجع المهام المتبقية لها، جاءها أحد العاملين في الشركة الأمنية وطلب منها اللحاق به؛ حتى
يشرح لها كيف سيتم حفظ وحراسة النخلة، حيث أن الشركة قد طلبت صور وأسماء الأشخاص
الوحيدين الذي سيتم التعامل معهم بشأن النخلة، تم ترشيح الأستاذ "جمال"
و"مريم" حسبت توصية الشركة بحصر هذه المهمة في شخصين فقط لرفع نسبة
الأمان والحماية!
وبالطبع اعترضت "صدّيقة"
على ذلك بكل ما تملك من قوة، وهددت بأنها ستجلس في المنزل وتترك مهامها إذا لم يتم
إشراكها في هذه المهمة، لم يلقِ أحدهم بالًا إلى الزوبعة التي صنعتها، فقد اعتادوا
عليها، ويعلمون أنها قرع طبول فقط!
هرعت "مريم" للحاق بعامل
الشركة و قد توتّرت من احتمالية تطلب هذه المهمة مواجهة مع البحر، ثم كادت أن تسجد
شكرًا بعدما توجه العامل إلى زاوية القلعة التي ترتفع قليلًا عن الأرض فيما يبدو
أنها كانت بئرًا للمقاتلين حينها!
وُضعت خزانة أمنية ضخمة بنية اللون،
كانت من الضخامة حتى تكون في حجم غرفة قياس واسعة، أدار أرقام معينة تم الاتفاق
على أن تكون سريّة حتى عن "مريم" و"بو خالد"، فُتحت الخزانة
كان بابها يبلغ عرضه متر واحد تقريبًا وكانت حالكة تمامًا من الداخل حتى أزاح
العامل ستار من المخمل الأسود، فظهر مصباح أصفر ضئيل مثبت في سقف الخزانة العلوي،
يسلط ضوءه على منصة مرتفعة تنتظر حضور النخلة لها حتى تحملها وتحميها، أغلق العامل
الباب بسرعة، ثم أخذ مريم للدوران حول الخزانة والتأكد من خلوها من أي أبواب أخرى
أو فتحات أو شقوق! ثم طلب منهت الصعود على سلم قصير لمواصلة عملية التأكد، وأخيرًا
كانت الخزانة ترتفع عن الأرض بمقدار نصف متر تقريبًا بفعل أرجل معدنية مثبتة في
زواياها الأربع! ناول العامل مريم، مرآة محدبة كبيرة مثبت فيها عصا طويلة، لمواصلة
عملية التأكد في الجزء السفلي من الخزانة، استجابت "مريم" لجميع أوامر
العامل الصامت وخفّ الكثير من قلقها وتوترها، بعد انتهاء عملية التحقق بلحظات، اقتحم
عليهم القلعة خمسة رجال يظهر من لباسهم أنهم من عمال الشركة، يحملون صندوقًا
مشابهًا تمامًا لهذه الخزنة إلا أنه يصغره حجمًا، يتبعم من خلفهم "بو
خالد" بقامته الضخمة وشارباه الكثّان وشماغه الأحمر وثوبه الذي يميل إلى
الاخضرار، كانت دائمًا ما تستنكر "مريم" في نفسها ألوان أثواب "بو
خالد" فهي قد نشأت وهي ترى بابا محمد بأثوابه البيضاء الناصعة فقط!
وقف "بو خالد" بالقرب منها
وأخذوا يراقبون كيفية حفظ النخلة داخل الخزانة، وبعد أن أغلقت الخزانة أمام أعينهم
استأذن "بو خالد" "مريم" للانصراف. وطفقت "مريم"
عائدة إلى كرسيها لمتابعة باقي مهامها، بعد أن غابت الشمس وبدء الظلام في الزحف
التدريجي إلى سماء القلعة، قررت "مريم" العودة إلى المنزل والعودة في
الصباح الباكر، لم يكن هناك ما تقوم به فعلًا، فقد انتهت من كل تجهيزاتها من فترة
زمنية طويلة، وبطبيعتها الملحّة والحذرة لم تترك "مريم" مهمة إلا
وراجعتها مرارًا وتكرارًا حتى أبدت بعض الجهات التي تعاملت معها استياءها من هذا
الإلحاح وهددت بفسخ عقودهم مع الوزارة!
خطت "مريم" خطوات متثاقلة
تجاه بوابة القلعة وهي تحاول صرف تفكيرها عن مشهد البحر أمامها، قالت لنفسها: مريم
اهدأي، لقد غابت الشمس وحلّ الظلام، لن تري البحر الآن، تذكرت نظارة خالو
"سماح" الشمسية وتمنت لو أنها لا زالت تملك نفس المفعول! شعرت
"مريم" بشيء يقفز على رأسها، مسحت حجابها فورًا ورأت يدها وجدتها خالية،
ظنت أنها تتخيل من فرط تعبها الشديد، خطت مريم خطوة أخرى إلى الأمام وشعرت بالشيء
ذاته، كأنهم كرات صغيرة الحجم قد ألقيت على رأسها، فتقفز عليه الكرات قفزة واحدة
وتواصل طريقها إلى الأمام، مسحت مريم على مقدمة حجابها مرة أخرى ولم تتوصل إلى
نتيجة، التفتت حولها للتأكد من أنها تتخيّل، لم تجد شيئًا واستمر هطول الكور
الصغيرة على رأسها! قبل أن تخرج تمامًا من القلعة، حانت منها التفاتة إلى الخلف
توقعت أن تشاهد تلك الجبال الخمسة وقد هُدّت إلا أنها رأت الخزانة وتذكرت فورًا
أنها لم ترَ النخلة الحقيقية بتمعن إلى الآن! كانت لمحة سريعة جدًا شاهدت فيها
السعف الذهبي والعناقيد اللؤلؤية فقط، هل يُعقل أن تكون هي الأم الروحية لهذه
الفعالية والوصية على النخلة وتشاهدها في الغدّ مع الحضور فقط!
ترددت قليلًا، ثم اتجهت إلى الحرّاس
حول الخزانة وطلبت منهم الدخول! تأكدوا من هويتها أولًا ثم التقطوا لها صورة
وجردوها من حقيبتها وأوراقها، وأخبروها أن تطرق الجرس من الداخل إذا رغبت بالخروج!
وبالعموم فإن وقتها الأقصى المسموح به هو 150 ثانية كحدّ أقصى سيتم بعدها إخراجها
بالقوة! بعد أن مرّت "مريم" من خلال كل هذه الإجراءات الأمنية وتلقت كل
تلك التوصيات، فُتح الباب وخطت "مريم" إلى الداخل وأغلق باب الخزانة خلفها فورًا، لم تضيع "مريم"
وقتها الشحيح، أزاحت الستار بسرعة وشهقت شهقة عالية كادت فيها أن تفقد قدرتها على
التنفس، شعرت بقلبها وقد توقف عن ضخ الدم، وبأنها قد أصيبت بالجفاف الشديد نتيجة
كل هذا العرق الذي هطل منها هطولًا، أحست بأن عينيها ستخرج الآن من محجريها وتقع
داخل قبضة يديها، شعرت برغبة شديدة في الاستفراغ، لكنها لم تصرخ، فقدت قدرتها على
الصراخ والكلام معًا، تذكرت "خالو سماح" والفستان الماروني والوردتان
البنفسجية والبيضاء ورجلا ماما شيخة المخضبة بالحناء!
كانت النخلة موجودة بطولها الذي يبلغ
الـ 33 سم ... كانت قاعدة الكهرمان موجودة أيضًا بأضلاعها الثمانية ... كان سعف
النخيل يتدلّى أيضًا من نهاية جذع النخلة ... كانت اللوحة المذهبة المحفورة موجودة
أيضًا .. الشيء الوحيد الغائب أو الأربعة أشياء الغائبة كن عناقيد النخلة اللؤلؤية
.. بدأت "مريم" باللطم على وجهها وبالضرب على صدرها، لكن لم تستطع
مواصلة ذلك لأن الباب قد فُتح خلفها، لم تجرؤ على النطق بأي كلمة، لم تكن تملك ترف
النطق في حينها، كانت تريد أن تأتيها خالو "سماح" الآن حتى تسألها عن
اسمها، حتى تتأكد من أنها فقدت قدرتها على النطق فعلًا.
لم يلاحظ الحارس الذي فتح الباب
تعابير وجه "مريم" أو أنها كانت منحنية للتأكد من عدم سقوط اللؤلؤ
بطريقة ما على أرضية الخزانة، كانوا
الحرّاس في الحقيقة "روبوتات" على هيئة بشر! ومع ذلك فُقد اللؤلؤ أمام
أعينهم!
خرجت "مريم" وعادت للجلوس
على كرسيها وهي تحاول إدخال أكبر كمية من الهواء إلى جسدها، وعادت بالتفكير إلى
اللحظة التي رأت فيها في باب الخزنة وهو يغلق لأول مرة من خلفها! لم يُفتح الباب
من بعدها، كانت واثقة تمامًا
ماذا حدث في هذه الأثناء؟
هل تخبر "بو خالد"؟ لا ..
لا ... قطعًا لا!
هل تتصل بـ "صدّيقة"؟ وجدت
مريم أن سؤالها غبي إلى درجة لم تتمكن من الإجابة عليه!
هل تتصل في " بابا محمد" ؟
قالت لنفسها: حبيبي بابا محمد، لا ذنب له حتى تلقي عليه هذا الحمل الثقيل!
ما الذي يحدث؟ هل فعلًا ما شاههدته
للتو؟ لاا ... لاا ... لا بدّ أن يكون التعب قد بلغ بي مبلغه، أراني أتخيل أشياءً
لمم تحدث! لأذهب وألقي نظرةً أخرى ... استعاجت "مريم" رباطة جأشها ...
عادت أدراجها إلى الخزنة، هنا نظر إليها الحارس باستغراب في عينيها لأول مرة ..
تجاهلت مريم نظراته .. وخضعت لكل إجراءات التفتيش الأمنية ... خطت داخل الخزنة
وأغلق الباب خلفها ... أزاحت الستار ... في هذه المرة كانت قد جلست على أرضية
الخزنة ... لم تحملها رجليها .. زحفت على الأرض وهي تدعو الله أن تجد أي انتفاخ
فيها ... على عكس رغبتها .. وجدت الأرض ملساء تمامًا
..
فُتح الباب من خلفها بقوة ... هبّت
واقفة .. صنعت على وجهها ابتسامة شكر لا تتماشى مع شكل كتفيها اللذان تهدّلا في
استجابة واضحة إلى الجاذبية الأرضية ...
نست "مريم" تمامًا أمر
البحر الذي ينتظرها بأنيابه الحادّة في الخارج ... أرادت الخروج من هذا المكان
المحصن .. أرادت الصراخ بصوت عالٍ .... أرادت أن تستلقي على بطنها على الأرض على
شكل نجمة البحر بأضلاعها الخمسة أو الأربعة في حالة "مريم" ... أرادت أن
تفرغ بقايا البكاء العالق في جسدها منذ أكثر من ست عشرة سنة!
يارب لقد هززت
كل جذع*
وبنفس المشهد السريالي الذي دخلت به
القلعة .. خرجت بمشهد يفوقه سريالية ... عباءتها السوداء التي امتزجت بسواد الليل
فلا تستطيع بعد الآن التفريق بينهم ... وجهها الذي يُستدل من خلاله على وجود جسد
غارق في حلكة الليل ... حاجبها اللذان ينافسان الليلة في حلكته ... خرجت مريم
بخطوات بطيئة ما لبثت أن تحولت إلى خطوت واسعة ثم أخذت تجري ... وتجري .. وتجري ...
لا تعلم إلى أين؟ كانت أطراف حجابها
قد تحولت إلى أجنحة سوداء من خلفها ...
كانت تجري من مصيبة فقد اللؤلؤ ...
كانت تجري إلى مصيدة فقد الذات ...
كانت تجري من خزانة القبر ... كانت
تجري إلى فضاء متشظّي...
كانت تجري من أنياب البحر ... كانت
تجري إلى أجنحة اليابسة ...
كانت تجري من معطف القوة .. كانت تجري
إلى ثوب الضعف ...
كانت تجري من قيد الذاكرة المؤلم ...
كانت تجري إلى فسحة الحاضر الجارح ...
كانت تجري من هم ... كانت تجري إلى
همٍ آخر ..
كانت تجري ... ظلّت تجري ... عكفت
تجري ... طفقت تجري ... عادت تجري ... أخذت تجري
...
كان لهذا الجريان طعم الملح ... الملح
الذي تكلس على شفتيها من كثرة الدموع التي ذرفتها وجفّت ثم ذرفت بعدها دموع أخرى
وجفت وهكذا ... لا يهم ... واصلت الجري ..
لم يقف أمام سيل جريانها سوى شيء كان
يسحبها إلى الخلف ... لم ترد أن تتوقف ... كانت تريد أن تجري بصورة عكسية .. المهم
أن تستمر في الجريان ..
كانت مستعدة تمامًا لركوب أي تيار أو
صعود أي موجة أو الانسياق وراء أي قطيع ...
كانت تريد الانصهار ... تريد الاختفاء ... تريد العدم ... نعم هذا ما تريده
.. تريد أن تكون مصنفة ضمن العدم ... تريد أن تكون مريم العدمية ... مريم التي لم
تتوظف في هذه الوزارة .. مريم التي لم تتكبد عناء المرور على الجسور اللعينة التي
تربط المحرّق بالعالم الخارجي يوميًا في كل مرة تذهب فيها إلى الجامعة ... مريم
التي لم تكمل دراستها الثانوية ... مريم التي لم تتعرف على الأرق قط ... مريم التي
لم تبلل وسادتها ليليًا بدموع حارقة تثقب هذه الوسادة... مريم التي لم تنشأ في كنف
جدّها وجدّتها ... مريم التي لم يغرق والديها ... مريم التي لم يطمح والدها إلى
دراسة الدكتوراة ... مريم التي لم تنتبذ من أهلها مكانًا شرقيًا ... مريم العدمية!
... عندما أرادت الجريان إلى الخلف والانسياق خلف ما يمنعها من المواصلة
إلى الأمام .. وجدت أن هذا الشيء أخذ يسحب عباءتها إلى الأمام ... اضطرت إلى
الوقوف .. فإذا هي سعفة انحنت بشدة حتى لامست أوراقها سطح الأرض بحيث يتعثر بها كل
ما يمر من أمامها!
وفي حركة لا شعورية أخذت
"مريم" تهز جذع النخلة أمامها
...
هزّته بكل ما أوتيت ولم تؤتى من قوة!
ظلّت تهز جذع النخلة حتى سالت الدماء
من باطن يديها من جرّاء انغراس لحاء النخل فيها
...
لا يهم
..
ظلّت تهزّ بعدد السنين التي قضتها دون
والديها ..
ظلّت تهزّ بعدد المرات التي مُسح فيها
رأسها رغبةً في الأجر..
ظلّت تهز بعدد المرات التي ملأ بابا
محمد فيها أي استمارة متعلقة فيها وكتب في خانة "صلة قرابة ولي الأمر: جدّها"
ظلّت تهز بعدد المرات التي أزالتها
فيها واحدة من صديقاتها من خاصية رؤية "الستوري" في تطبيق "السناب
جات" في يوم الأم ...
ظلّت تهز بعدد المرات التي رأت فيها
ماما شيخة وهي تبكي سرًا في المطبخ أثناء إعدادها لطبق "الخبيصة*" طبق
والدتها المفضل..
ظلّت تهزّ بعدد المرات التي أحيى فيها
البحرينيين ذكرى الحداد على الضحايا الـ 143 لطائرة 027 التابعة لطيران الخليج ...
ظلّت تهزّ بعدد المرات التي تشاجر
فيها بابا محمد مع جهات حاولت التواصل معه
لدفع تعويض مادي لأسر ضحايا الطائرة المنكوبة
...
ظلّت تهزّ بعدد المرات التي كذبت فيها
صديقاتها عليها عن مدى سوء فلم توم هانكس الجديد
"Sully" والذي يتحدث عن
قصة حقيقية لنجاة طائرة من الغرق ...
ظلّت تهز بعدد المرات التي حاولت تذكر
ملامح وجه والديها ... هذه الملامح التي غرقت هي الأخرى في ذاكرة "مريم"..
ظلّت تهزّ بعدد المرات التي اعتذرت
فيها عن الذهاب إلى حمامات السباحة مع صديقاتها في العطلة الصيفية ...
ظلّت تهز بعد المرات التي أرجعت فيها
أوراق الرحلات إلى خفر السواحل وقد وضع بابا محمد دائرة على عبارة " لا أوافق" ...
ظلّت تهز بعدد المرات التي سمعت فيها
خالو "سماح" تتشاجر فيها مع ماما شيخة عن قرار مراجعة "مريم"
لطبيب نفسي...
ظلّت تهز وتهزّ
وتهزّ ...
حتى تساقط عليها رطبًا جنيًا ..
حينها فقط توقفت عن عمل أي شيء ...
توقفت عن الاحساس بأي شيء .. توقفت عن النظر إلى أي شيء
...
مريم العدمية أمست في طيّات العدم!!!
* الخبيصة: هي حلوى بحرينية عبارة عن طحين يتم تحريكه على النار ويضاف
له السكر والزيت والهيل والزعفران.
قارب الأمان
على بحر الهلع
استيقظت مريم وأول ما أحست به أنها
أمست معلّقة في الهواء! نظرت حولها كانت العتمة سيدة الموقف .. حاولت النهوض إلا
أن أشياء عديدة كانت تنغرس في جلدها في كل مرة تصدر منها أي حركة ... رويدًا
رويدًا اعتادت على العتمة واستطاعت أن تستطلع ما حولها .. أول ما تعرفت عليه هي
السماء بلا شك .. إلا أنها كانت مختلفة قليلًا .. النجوم كانت أوضح بكثير! لم تستطع
"مريم" التحديد فيما إذا كانت هي التي ارتفعت إلى السماء، أم أن النجوم
هي التي انخفضت إليها! تعلم أنها معلّقة في الهواء على ما يشبه البساط، إلا أنه
كان بساطًا يتكون من أعمدة رفيعة وقصيرة وكثيرة ذات حواف حادّة! حاولت تذكّر ما
حدث لكن عبثًا!
مرة أخرى ... لا
يهم ...
ما يهم حقًا هو
الشعور بهذه الخفّة لأول مرة ... شعرت أنها تخلصت من القيود التي أدمت معصميها ..
شعرت أنها كسرت الأغلال التي عكفت على جرّهم برجليّها لفترات طوال ... شعرت أنها
أسقطت كل الأحمال التي كانت تمتطي ظهرها ... شعور لا يوصف ... لم تكن تعلم تمامًا
كيف تكونت هذه الأغلال والقيود والأحمال
...
مرة أخرى ... لا يهم ...
استجمعت قواها وحاولت النهوض مرة أخرى
... عزمت على تحمّل هذه الأشياء المجهولة التي تنغرس في جلدها ... أخيرًا وبمجهود
هائل استطاعت الجلوس ... تلمست البساط حولها ... تعرفت على هذا الشيء .. لكن ..
لحظة .. لا يمكن .. خاطبت مريم نفسها: هل فعلًا أنا معلقة في الهواء على بساطٍ من
سعف؟! وبلمسات أخرى متفحصة، تأكدت "مريم" من صدق ظنونها.. ثم تحسست مريم
يديها بوجهها فإذا هم خشنتين ومقطعتين هنا تذكرت "مريم" كيف تساقط على
رأسها الرطب جرّاء هزها العنيف لجذع النخلة الأمر الذي تسبب لها بهذه الجروح!
نعم لكني قوية كما ترين أستطيع حملك
بسهولة برغم كل الاهتزازات التي تسببتِ فيها .. نُطقت هذه العبارة بصوت حنون عميق
.. صوت سمعته مسبقًا لكن ذاكرتها لم تكن مهيأة لفتح مخازنها والتعرف على صاحب هذا
الصوت!
تحسست مريم رقبتها: آآآآ ... امممم
... مريم ... آه لم أفقد صوتي ... جيد ... من الذي يتكلم على أية حال؟
انطلق الصوت العميق مرة أخرى: أنا هنا
أحيط بكِ من كل جانب !
تلفتت "مريم" حولها لم ترَ
إلا السعف: هل أنتِ السعف؟
لا ... بل أنا النخلة بأكملها ...
تذكرت "مريم" كيف كانت تجري
بطريقة جنونية كأنها تهرب من شيءٍ ما.. تساءلت مريم بصوت هامس أقرب إلى أن يكون
حديث للنفس: مم كنت أهرب يا ترى؟
ردّت النخلة: أعتقد بأنك أضعت شيئًا
ما، أو فُقد شيء وكنتِ أنتِ المسؤولة عن فقدانه!
أطرقت "مريم" برأسها تفكر:
ااممممم .. نعم تذكرت ... أذكر فقداني لشيءٍ ما .. لكن لا أعلم ما هو بالتحديد!
أظهرت النخلة سعفة أخرى من الأعلى
وأخذت تربت على كتف "مريم" بهذه السعفة: الآن يا عزيزتي، يجب أن أعالج
جروح يديكِ، انزعي قطعة واحدة من لحائي ثم ألصقي كف يدك مكانها، سيغمركِ سائل بارد
قد يحرقكِ قليلًا .. لكن لا بأس اصبري ... نفذّت "مريم" التعليمات بدقّة
والنخلة تراقب: نعم، هكذا تمامًا، والآن اليد الأخرى أيضًا!
كرّرت "مريم" الخطوات وشعرت
بذكرى جديدة تحاول الخروج من مخازن الذاكرة، كانت تعرف شخصًا ما يستطيع إعطاء مثل
هذه التعليمات الدقيقة لكنها لم تتمكن من استحضاره... كانت مجهدة عقليًا ومستمتعة
بالصفحة البيضاء التي تسيطر على ذاكرتها ولا ترغب في أن تشوهها!
أثنت النخلة على دقة مريم في اتباع
التعليمات: نعم .. نعم ... فتاة مطيعة .. والآن انظري إلى كفوفكِ.. وفعلًا كانت
الكفوف قد خلت إلا من خطوطها!
واصلت النخلة التربيت على كتفيّ
"مريم"، كانت "مريم" منتشية بهذا الفراغ والعدمية .. معرفتها
تقتصر على معرفة أسماء الأشياء من حولها .. وذاكرتها تكونت من لحظة استيقاظها ..
لا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل ... هي فقط تقف وحدها في المنتصف .. معلّقة بين
عالمين لا تعرف حقيقتهما ... مرة أخرى ... لا يهم
...
قطعت عليها النخلة هذه النشوة
اللحظية: والآن عزيزتي "مريم" هيا إلى العمل.. أنزلتها برفق على الأرض ..
كانت هذه هي المرة الأولى التي تمس
قدميّ "مريم" التراب من لحظة استيقاظها ... ألفت ملمسه فورًا.. ألسنا
نحن التراب؟!
... حاولت المشي ... سقطت في المرة الأولى .. حملتها النخلة بسعفها
وأوقفتها مرة أخرى ... حاولت وسقطت ... حاولت وسقطت ... حاولت ثم تمكنت من المشي
لخمس خطوات ثم سقطت .. تراقص سعف النخل فرحًا بإنجاز "مريم" .. أما هي
فلم تهتم كثيرًا ... كانت تريد الحفاظ على صفحة ذاكرتها البيضاء! وللمرة الثالثة
استشعرت "مريم" محاولات ذكرى مخزنة تريد الخروج من باب مخزنها .. مرة
أخرى هزّت مريم رأسها يمنةً ويسرة وكأنها تنفض عن رأسها هذه الذكريات .. رفضت
"مريم" التذكر!
وجدت "مريم" نفسها في حقل
نخيل واسع جدًا على مدّ البصر، فكرت أن تهرب، لكن من من؟ وإلي أين؟
جلست "مريم" على الأرض،
وأسندت ظهرها ورأسها على جذع النخلة، نزلت في غيابة الجبّ ... في قعر الجبّ الجاف
وجدت "مريم" لفافة من ورق البردي، فضّتها وقرأت ما فيها:
" إلى مريم التي هزّت كل جذع ...
إلى مريم التي انتبذت من أهلها مكانًا
شرقيًا ...
إلى مريم التي خرجت على قومها...
ابحثي عن اللآلئ المفقودة في المكان
الذي نشأت فيه ..
في رحلة بحثكِ .. اعثري على القطعة
المفقودة من روحكِ وأعيديها إلى جسدك...
هذه القطعة ستكون دليلكِ للخلاص..
عليكِ بانهاء البحث قبل أن يتبين
الخيط الأبيض من الخيط الأسود وإلا دُفنت اللآلئ للأبد...
أما بالنسبة إليكِ: فأنت أمام خيارين،
إما العيش بروح مشوهة أو الدفن معها!
إلى مريم التي لم يكن والدها امرأ
سوءٍ وما كانت أمها بغيًا"
فزعت "مريم" من نومها
وتوجهت إلى النخلة: هل رأيتِ ما رأيته؟ تذكرت كل شيء .. كل شيء... اللآلئ المفقودة
.. الخزنة الضخمة ... الحرّاس الأنصاف بشريين ...
ماذا يعني أن أبحث عنها في المكان الذي تنتمي إليه؟ هاا ... ما هو هذا
المكان؟؟ ساعديني .. أرجوكِ ...
تنهدت النخلة بعمق نتج عن تنهيدتها
سقوط عدد من الرطب ثم قالت: عزيزتي "مريم" أعملي عقلكِ قليلًا، إلى أين
تنتمي اللآلئ في العادة؟ من أين تأتي؟
صرخت "مريم" وهرعت واقفة:
من البحررررر ... ماذا البحر؟ ولكن كيف؟ أنا أذهب إلى البحر؟ لاا .. لاا ...
مستحيل!!
ربتت النخلة بسعفها على أكتاف
"مريم": البحر هو الحل .. البحر فيه حل للغز اللآلئ المفقودة وروحك
الناقصة!
بدأ الهلع يسيطر على مريم، تسارعت
نبضات قلبها، وجفّ حلقها: ولكن كيف أخوض في البحر، لا أعرف السباحة؟
النخلة وهي تواصل التربيت: بمجرد
وصولكِ عند شاطئ البحر ستجدين بقربه قارب خشبي متهالك، لا تهتمي بشكله، المهم هو
قدرته الذاتية على إيصالكِ إلى مكان اللآلئ، وبعد حصولكِ على الشيئين الذيّن
تبحثين عنهما هنا فقط سيتحرك القارب عائدًا إلى الشاطئ، لا أعلم ما الذي ستواجهينه
هناك بالتحديد، عليك بالخروج من منطقة الراحة التي توافرت لك منذ استيقاظك حتى
تتمكني من التعامل مع ما ينتظركِ هناك!
أعلم بأن البحر هو المنطقة المحرمة
السرمدية بالنسبة لك، لكن يظهر أن هذه المقاطعة ستُخرق معه! هيا يا عزيزتي استديري
وسيري بخط مستقيم لمدة عشرين دقيقة حتى يظهر الشاطئ أمامك .. توكلي على المولى
وانطلقي بحفظ الله ورعايته.. وتذكري حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود!
عانقت "مريم" جذع النخلة
عناق طويل أفرغت فيه كل ما تبقّى من مخزون البكاء وودعتها وداعًا ذكّرها بشخصٍ
قريب، ظلّت تحاول تذكره طيل فترة توجهها نحو الشاطئ ... آآآآه ... إنها أمها ..
نعم ... نعم .. ودّت لو تستطيع الرجوع حتى تعانق النخلة عناقًا أطول .. لكن
هيهات.. ففي هذا الحقل قد تشابه النخل علينا!
وصلت "مريم" إلى شاطئ
البحر، ووجدت القارب يقف بخجل من مظهره، تمامًا كما وصفته النخلة ... ضربت جبهتها
بيدها ... نعم تذكرت الآن ... النخلة تشابه بابا محمد في قدرتها على دقة الوصف ..
تأملت "مريم" في القارب وتذكرت
الخيط الأبيض الذي سيتسبب ظهور بغرق القارب، وتخيلت "مريم" أنياب البحر
وهي تحاول أن تلتهمها؛ فكّرت مريم أليست هي التي كانت تبحث عن العدمية ما استطاعت
إلى ذلك سبيلًا .. ها قد واتتها الفرصة .. إذا لم يغرقها القارب سيلتهمها البحر
وستمسي عدمًا ... مم تخاف إذًا؟
قفزت "مريم" إلى القارب،
واهتزّ القارب بمجرد أن استشعر وجود جسم عليه، شقّ القارب طريقه بسكون عجيب ...
كان الهدوء مخيف ... والليل مثير ... والمجهول مرغوب .. والعدمية هي الحل ..
بعد مرور ما يقارب النصف ساعة .. كسر
هذا الهدوء صوت فقاعات منخفض .. أرهفت "مريم" السمع حتى توصلت إلى الجهة
التي يصدر منها .. انحنت مريم من على طرف القارب فرأت بقعة مضيئة تحت الماء ..
كانت هذه البقعة أقرب إلى كرّة بيضاء نشِطة .. دققت "مريم" النظر أكثر
لترَ أن ما هم إلا حبات اللآلئ المفقودة ... صرخت مريم وصفّقت بيديها ... قفزت على
القارب بقوة ... لم يسع القارب المتهالك فرحة مريم العارمة .. سقطت
"مريم" في قاع البحر .. لا سبيل لإنكار ذلك!
إنا رادّوه
إليك...
لم تفقد ذاكرتها هذه المرة، ولم تجرح
كفوفها، ولم تكن جاهلة بما يدور حولها، على العكس تمامًا .. كانت تعلم أنها في قاع
البحر .. كانت تعلم أنها جاءت للبحث عن اللآلئ المفقودة .. كانت متيقنة من أنها لن
تخرج دون اللآلئ حتى لو كلّفها الأمر أن تذهب باللآلئ إلى النخلة الذهبية ثم تعود
حتى تقدم نفسها قربانًا للبحر!
كانت
"مريم" هي المايسترو هذه المرة
...
لم تشغل
"مريم" تفكيرها كثيرًا في قدراتها الجديدة على التحدث والتنفس تحت الماء
.. فبعض الأشياء خير لها أن تبقى في طيّ الغيبيات وفي مناجم المجهول!
هجمت "مريم" على الكرة
اللؤلؤية المشتعلة من فرط نشاطها، وأغلقت عليها كلتا كفيّها، كادت أن تخرج إلى سطح
البحر ثم إلى القارب، لكن داهمها خاطر، هي لا تعلم ما هو السبب الحقيقي لهروب
اللآلئ؟ ربما كانت اللآلء لم تهرب في الأساس، بل أخذها أحدهم وألقاها في الماء،
ربما سرق اللآلئ الأصلية أحدهم وما رأته في اللحظة القصيرة بل إغلاق الخزانة كان
لؤلؤًا مزيفًا ! لِمَ لا تسأل اللآلئ حتى تحل اللغز بنفسها، ربما كانت الضريبة هي
هرب اللآلئ.. لكن لا يهم .. كان فضولها أقوى من كل ذلك!
طفقت عائدة إلى حيث قبضت على كرة
اللؤلؤ بالقرب من قاع البحر، وأطلقت سراحها من قبضة يديها، كانت تتوقع أن يتناثر
اللؤلؤ من حولها كحبات المطر، إلا أنه ظلّ متكور على شكل قبضة يدها! فوجئت
"مريم" وأخذت تهز الكرّة حتى تتفرّق، إلا أنها ظلّت كما هي محافظة على
هيئتها الكروية! ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى قفزت أكبر حبّة لؤلؤ من ببين الحبّات
التي تكون الكرة! توقعت "مريم" أنها الأكبر نظرًا إلى كبر حجمها والذي
يقع بين حجم حبّة الرمان وحبّة العنب!
أطلقت حبّة اللؤلؤ بنداء استغاثة إلى
"مريم": إننا نطمع في كريم عفوك عنّا وجزيل مسامحتكِ ونيابةً عن كل
اللآلئ، أرجوكِ أن تعيدنا إلى نخلتنا الأم!
توقعت "مريم" تبريرًا أو
جدالًا أو ثورة لكن لم يخطر ببالها البتّة أن يكون اعتذارًا
..
أمسكت "مريم" حبّة اللؤلؤ
الأكبر بين إبهامها وسبابتها وخاطبتها: ولكن لماذا؟ لماذا رضيتم بالهروب في بادئ
الأمر؟
أغمضت حبة اللؤلؤ عينيها وقالت: ماذا
أقول لكِ؟ ما إن علمنا أننا في طريقنا إلى البحرين، جنّ جنوننا. وبدأنا التخطيط
لرحلة الهرب من جذع النخلة إلى أقرب بحر لنا، لم نتوقع أن يكون البحر بهذا القرب،
لكن بالطبع يا لغبائنا لا بدّ أن يكون البحر بهذا القرب في بلاد يُطلق عليها بحرين
اثنين وليس بحرًا واحدًا!
أحكمت "مريم" قبض اصبعيها
على اللؤلؤة: ولكن لماذا ... لماذا الهرب؟
يبدو أن اللؤلؤة فوجئت بهذا السؤال:
لماذا؟ للعودة إلى موطننا الأصلي بالطبع ... للعودة إلى والدينا وإخواننا وفصيلتنا
وعشيرتنا .. الفراق جرح .. الغربة ألم .. اليتم ثغرة ... الحرمان حسرة ...
ضيقت "مريم" عينيها في
كناية واضحة عن عدم الفهم: حسنًا، وها أنتم في البحر .. في قاعه على وجه التحديد
... ما الذي يمنعكم من الانضمام إلى عشيرتكم على حد وصفك؟
هنا بكت اللؤلؤة الأم وتولّد عن
بكاءها لآلي صغيرة بالكاد ترى بالعين المجردة .. تيقنت "مريم" من أنها
داست على لغمٍ وها هو ينفجر في وجهها مخلفًا لآلئ لم يكتمل نموها .. حاولت
"مريم" المسح على اللؤلؤة الأم ببنصرها الأيسر حتى تمكنت من تهدئتها
نهائيًا فنطقت اللؤلؤة الأم أخيرًا: آآآآآآه يا "مريم" .. لقد دُفن
بحرنا الذي ولدنا فيه ... دفن والدانا وأخوتنا وعشيرتنا .. أكد لنا ذلك كل من
أسراب أسماك الصافي والهامور والكنعد وبعض مستعمرات الربيان .. زرناهم جميعًا،
وجلسنا مع شيوخهم، الجميع أكد لنا قطعًا أن بحرنا الأم قد دُفن ...
دُهشت "مريم"...
ها هي تواجه كائنات حية تعاني من ألم
الفقد كحالها تمامًا ...
ها هي تواجه كائنات حية هاربة كحالها
تمامًا ...
ها هي تواجه كائنات حية تلعن اليتم
كحالها تمامًا...
ها هي تواجه كائنات حية تبحث عن أصلها
كحالها تمامًا ...
كادت اللؤلؤة الأم أن تنزلق من بين
أصبعيها إلا أنها أمسكت بها في اللحظة الأخيرة وسألتها: و ما سبب قطعية هذه
الشيوخ، ربما كان أحد أفراد عشيرتكم قد انتقل إلى بحرٍ آخر!؟
هزّت اللؤلؤة جسدها الدائري يمنةً
ويسرة: أكدوا لنا هذه المعلومة نظرًا إلى
جودتنا، حيث قالوا أن البحرين لم تعد تنتج اللؤلؤ بهذه المقاييس العالية!
واستنادًا على هذه المعلومة علمنا أن عشيرتنا قد انقرضت لأننا كنا العشيرة الوحيدة
التي تتربع على عرش جودة اللآلئ! واستأنفت بكاؤها اللؤلؤي مرة أخرى.
لم تحاول "مريم" تهدئتها
هذه المرة، بل قاطعتها: حسنًا .. حسنًا .. ولِمَ العودة إلى النخلة؟ لماذا لا
تقضون بقية حياتكم هنا في البحر على الأقل؟!
أوقفت اللؤلؤة الأم بكاءها وقد أبدت
استنكارها الشديد وصرخت في وجه "مريم": هل ترين أننا خونة وناكرين
للعشرة وجاحدين إلى هذه الدرجة حتى نتخلى عن النخلة التي حملتنا لمدة تسعين سنة
دون كلل أو ملل أو ضيق أو تبرم!؟ نحن لا نعلم لنا وطن سواها!
ضحكت "مريم" في سرّها من
جرّاء تناقض تبرير اللؤلؤة الأخير مع قضية هروبهم، ثم ختمت حوارها مع اللؤلؤة:
حسنًا، سأعيدكم إلى نخلتكم الأم، لكني لا أضمن لكم عودتكم بالترتيب السابقة.
أكدت لها اللؤلؤة الأم: نحن سنرتب
أنفسنا .. لا تقلقي .. فقط أعيدينا إلى حضن أمنا!
قبضت "مريم" على كرة اللؤلؤ
مرة أخرى، وخرجت إلى السطح ثم تسلقت حافة القارب واستلقت على أرضيته، انطلق القارب
من فوره، كما وصفته النخلة تمامًا، ذاتيّ القيادة ... مظهره المتهالك لا يعكس
جوهره الحذقّ!
راقبت مريم النجوم بأضلاعها الواضحة
وهي تتفكر في تصرف اللآلئ، كيف أنهم تقبّلوا فكرة دفن والديهم، وسلكوا مع النخلة
بصدق ووفاء تجسّد الآن عندما وضعوا بين خيارين: الأول أن يعيشوا ضمن بيئتهم
البحرية والثاني أن يسكنوا إلى الشخص الذي ربّاهم في بيئة أخرى مختلفة عن بيئتهم!
شعرت "مريم" أن حجمها تضاءل
حتى بلغ حجم اللؤلؤة الواحدة التي بكتها للتو اللؤلؤة الأم!
كانت اللآلئ بتركيبها البسيط قد تفوقت
في التفكير على "مريم" بتفكيرها المتقدم وتركيبها المعقّد!
في تلك اللحظة بالذّات كانت
"مريم" مستعدة للتنازل عن والديّها بغية العيش في كنف جديّها إلى الأبد!
شعرت "مريم" أنها كانت
مغيّبة أو واقعة تحت سطوة استحواذ روح شريرة...
وسوست لها منذ حادثة الطائرة المنكوبة
أنها فتاة ناقصةَ!
وسوست لها منذ حادثة الطائرة المنكوبة
أنها فتاة تخشى البحر!
وسوست لها منذ حادثة الطائرة المنكوبة
أنها فتاة مهترئة لا تستطيع عقد صداقات طويلة المدى مع زميلاتها لأنها ستحسدهن
رغمًا عنها على والديهن!
وسوست لها منذ حادثة الطائرة المنكوبة
أن عليها قضاء عمرها بأكمله في التحسّر على جناحيّها الذين غرقا منذ سبع عشرة سنة
وأن عليها التوقف عن الطيران!
وسوست لها منذ حادثة الطائرة المنكوبة
أن جديّها لن يتمكنا من الحلول محل والديّها!
منذ صغرها ... لم تهتدِ مريم إلى
طريقة تدحض بها الشيطان أفضل من الاستعاذة
..
تذكر بوضوح تام..
كيف قضت أشهرًا طويلة في النوم بين
جدّها وجدّتها بعد أن شاهدت فلم الرعب البحريني "بيت الجن"!
تذكر بوضوح تام..
كيف علمّها جدّها التلفظ الصحيح
بالاستعاذة وهي تعنيها تمامًا، في كل مرة يجافيها النوم خوفًا من أن يهتز سريرها
كما شاهدت في الفلم!
عكفت "مريم" على ترديد
الاستعاذة وهي مستلقية على سطح القارب وتراقب النجوم ... شعرت "مريم"
بأنها تريد أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لمدة سبعة عشر عامًا، علّها تتخفف
من سوء ظنونها التي سمحت للشيطان ببذرها في روحها وسقتها هي بنفسها بافتعالها
لهموم كثر!
-الشيء بالشيء يُذكر- تجافى جنب "مريم" عن سطح القارب، وهبّت
جالسة فجأة وقد تذكرت الجزء الثاني من الأحجية التي ذُكرت في ورق البردي:
"اعثري على القطعة المفقودة من روحكِ وأعيديها إلى جسدك...هذه القطعة ستكون
دليلكِ للخلاص"!
لكنها لم تجد هذه القطعة الآن، كادت
نوبة الهلع أن تعود إليها للمرة الرابعة أو الخامسة في هذا اليوم السرمدي، إلا
أنها تذكرت حديث ماما فائزة أو النخلة: " ... قارب خشبي متهالك، لا تهتمي
بشكله، المهم هو قدرته الذاتية على إيصالكِ إلى مكان اللآلئ، وبعد حصولكِ على
الشيئين الذيّن تبحثين عنهما هنا فقط سيتحرك القارب عائدًا إلى الشاطئ ..."
خاطبت مريم نفسها: ها هو القارب يعود
إلى الشاطئ!
هل يُعقل أنه لم يشعر أني لم أحصل على
القطعة المفقودة من روحي إلى الآن؟! مستحيل .. تعليمات النخلة كانت واضحة بهذا
الشأن!
هل يُعقل أني
حصلت عليها إذًا؟ ولكن ماهي؟!
استرجعت "مريم" حوارها الذي
دار مع اللآلئ وصفقت كفيّها معًا ... نعم .. نعم .. كانت استعاذاتها اللانهائية هي
الجسر الذي عبرت عليه هذه القطعة الطريق إلى روح "مريم" لتستقر في
مكانها صحيح وتعود "مريم" كاملة كما كانت!
لكنها بدأت
سلسلة الاستعاذة بعد أن تحرك القارب؟ ما هو المؤشر الذي استشعره القارب حتى يثق
بـ"مريم" ويتحرّك عائدًا إلى الشاطئ؟!
اممممم ... عرفت "مريم" هذا
المؤشر أخيرًا! كانت عودتها الأولى للاستفسار من اللؤلؤ عن سبب هربهم هي المؤشر ..
كان الشغف الذي أبدته بالمعرفة هو الذي قادها إلى الاكتمال اليوم!
شعرت "مريم" بارتطام
القارب؛ فوجدت أنها قد وصلت أخيرًا إلى الشاطئ
...
قفزت من على سطحه إلى الشاطئ أو ربما
حلّقت لبضع ثوانٍ قبل أن تهبط على التراب الذي ألفته
...
شعرت "مريم" أن جناحيها
اللذيّن توهمت لسنين طوال أنهما قد غرقا في البحر وفقدتهما إلى الأبد، قد عادا لها
الآن، كأن هذان الجناحان كانا ينتظران عودة "مريم" إلى البحر حتى تٌغرق
"عقدة الغرق" وتستعيد أجنحتها بذلك!
جرت مريم مرة أخرى .. لكنها لم تكن
تهرب من شيء هذه المرة بل كانت تجري فقط إلى القلعة فقط حتى تعيد لم شمل النخلة
الذهبية مع اللآلئ!
كادت أن ترتطم ببوابة القلعة المقفلة
أمامها .. طرقت الباب بقوة شديدة .. كانت تعلم أن فريق الحراسة متواجد بأكمله في
داخل القلعة .. فُتح الباب سريعًا وأطل منه وجه حارس الأمن الأخير الذي أخرجها من
الخزنة وبلهجة "إنجليزية" بلكنة واضحة قال لها:
" Is that you again, it has been ten minutes only since you left!"
قالت "مريم" في نفسها: ماذا
عشر دقائق فقط؟ لا يهم .. لا يهم !!
رفعت صوتها:
Yes it is me again, and I need to go into the safe immediately and urgently !
هزّ الحارس رأسه ولم يتجشّم عناء
إخفاء ضيقه بل على العكس تمامًا، أطلق عبارات عديدة بلغته الأم، شعرت
"مريم" من النبرة التي قيلت فيها إنها إما أن تكون سِباب أو لعنات! مرة
أخرى ... لا يهم .. لا يهم !!
خضعت "مريم" للإجراءات
الأمنية المعتادة، ثم أدخلت إلى الخزانة وصُفق الباب من خلفها! .. ضحكت في سرّها
لأنها كشفت عن الخروقات الأمنية في النظام الأمني لهذه الشركة ... النظام الذي
ظلّوا يتشدقون بصرامته وخلوه من الثغرات ... وها نحن هنا اليوم .. لا هم الذين
اكتشفوا غياب اللآلئ ولا هم الذين وجدوا اللآلئ بحوزتها قبل قليل!
أزاحت "مريم" الستار ..
وفتحت كفوفها وفي مشهد سريالي حلّقت كل لؤلؤة على حده ووضعت نفسها بنفسها في
مكانها الأصلي .. ومع انعكاس الإضاءة الخافتة من سقف الخزانة .. جسد ذلك لوحة بديعة ذكّرت "مريم"
بلوحة "Starry Night"
للرسام الهولندي "فان كوخ"،
فكّرت "مريم" بأنه لو قدّر لها أن ترسم ما رأته للتو لأطلقت على اللوحة "Pearly Night" أو الليلة اللؤلؤية ... حقًا كانت ليلة لؤلؤية بامتياز ...
كادت تقسم "مريم" بأن سعف
النخلة قد حانت منها ارتعاشة بعد أن اكتمل صف ورصّ اللؤلؤ في عناقيدها في إشارة
واضحة منها إلى فرحتها الشفيفة بلمّ الشمل
...
ولمَ الغرابة؟
ألم تتحدث هي اليوم مع لؤلؤة وتمسح
دموعها اللؤلؤية؟
ألم تعانق النخلة التي داوتها بلحائها
وطبطبت عليها بسعفها؟
ألم تهوي إلى قاع بئر سحيق لتستلم
أحجية موجهة إليها؟
ألم تتحول ذاكرتها إلى ورقة بيضاء
بصورة مؤقتة - للأمانة كانت هذه اللحظة من أسعد اللحظات التي عاشتها مريم اليوم- ؟
ألم تغوص "مريم عيسى"
العدوة الكبرى للبحر في البحر؟ آه ليت خالو "سماح" كانت موجودة اليوم
حتى ترى ابنتها وقد تعافت من عقدتها!
ألم يحدث كل ذلك في غضون عشر دقائق
فقط؟
ما الغريب في كل ذلك؟
لا غريب كل ما سلف حصل لأن
"مريم" قد هزّت جذع نخلة!
وقرّي عينًا ...
كانت "مريم" قد أبلغت
جديّها سلفًا بأنها سترجع إلى المنزل في وقت متأخر في اليوم الذي يسبق الفعالية،
وبالفعل تأكدت "مريم" من أنها رجعت في وقت متأخر عندما دخلت إلى الصالة
ووجدت أنه قد تم إطفاء جميع المصابيح إلا مصباح يتيم كحالها - استعاذت "مريم" من الشيطان سريعًا
وطردت هذه الفكرة "الدرامية" المثيرة للشفقة من بالها - ثم إن باب
المطبخ قد تم قفله من الخارج لطالما فكرت "مريم" في السبب الذي يدعو
جدّتها إلى الحرص والتنبيه على كل من في المنزل إلى ضرورة إغلاق باب المطبخ وقفله
بالمفتاح قبل خلودهم إلى النوم، وبطبيعة الحال كانت ماما شيخة هي آخر من يخلد إلى
النوم في المنزل ... ربما كانت تريد أن تقلل من أضرار السرقة إلى حدّها الأدنى،
إذا - لا قدر الله - قد اقتحم السارق المنزل من نافذة المطبخ، فيُحبس كالفأر في
المصيدة، فلا يستطيع الدخول إلى باقي المنزل ... ربما كان هذا هو السبب!
صعدت "مريم" إلى غرفتها
واستحمت ثم جهّزت عباءتها الجديدة التي فصّلتها خصيصًا لفعالية الغدّ .. كانت عباءة
سوداء تتزين بخط رفيع من اللؤلؤ في نهاية أكمامها .. استلقت "مريم"
وحاولت النوم، لكن عبثًا ... وبحركة لا شعورية سحبت "مريم" لحافها وأخذت
وسادتها .. وطفقت تنزل الدرج بخفّة طائر
وهي تجرّهم من خلفها .. فتحت باب غرفة جديّها بحذر ... توقعت أن تكون ماما شيخة مستيقظة
إلا أنها لم تكن كذلك .. فرشت نصف لحافها من تحتها ووضعت الوسادة تحت رأسها ثم
تغطّت بالنصف الآخر ... استنشقت رائحة " الفكس" المخلوطة بـ"دهن
العود" وراحت في نوم عميق ...
زارتها في منامها والدتها وهنئتها على
استرداد جناحيها، ثم ظهر والدها وأخبرها بأنهم قد قضوا سنين طوال وهم ينتظرون
قدومها لاستلام الأمانة الأخيرة ... استيقظت "مريم" على طبطبات ماما
شيخة على كتفها بقوة: "مريم" ابنتي ما بكِ؟ هل راودتك الكوابيس مرة
أخرى؟ أم هو الأرق ؟ هل تريدين كيسًا للاستفراغ؟ دعيني أتصل في خالكِ وخالتكِ
"سماح" لأخذكِ إلى العيادة ... لم تستطع "مريم" مواكبة أسئلة
ماما شيخة التي انسكبت عليها كشلالٍ قلق
..
ظهر صوت بابا "محمد" من
غرفة الملابس وقد كان يجفف ذراعيه من بعد الوضوء: دعيها يا "شيخة" ألا
ترين أنها بخير وعافية.. أم ربما شاهدت فلم "بيت الجن" الليلة؟
حانت من "مريم" ضحكة لا
إرادية، ثم نهضت قليلًا وقالت: لم أرد أن ينقضي اليوم دون أن أراكم، فقررت أن أنام
في غرفتكم للتعويض عن ذلك!
مسحت "ماما شيخة"على صدرها
ورددت: الحمدلله .. الحمدلله .. قومي إذًا لصلاة الفجر
..
توضأت "مريم" وأرادت الذهاب
إلى غرفتها لتحضر ثوب صلاتها، نهرتها ماما شيخة ودعتها إلى استخدام ثوب صلاتها ..
كانت من الصلوت الفجرية التي ظلّت "مريم" تذكرها بوضوح ... تذكر رائحة
ثوب الصلاة المشبّعة بدهن العود ... وتذكر كيف نامت بعمق بعد صلاة الفجر على غير
عادتها!!
استيقظت في الصباح مرة أخرى على
طبطبات ماما شيخة والتي كانت ألطف في هذه المرة ... جرّت "مريم" من
خلفها لحافها ووسادتها وعادت أدراجها إلى غرفتها ارتدت قميصًا أبيضًا ذو أزرار
لؤلؤية، وياقة مطرزة بخرز لؤلؤي، ثم ارتدت عباءتها فكونت بذلك تضادّ أنيق بين غموض
السواد ونقاء البيّاض، ترجّحت كفة اللون الأبيض اليوم حيث انضم إليه في فريقه
اللؤلؤ الذي كان بمثابة عامل الحسم...
نزّلت مريم إلى الطابق الأرضي ...
المشهد اليومي المتكرر ... هناك تجلس ماما شيخة جالسة على الكرسي تحت النافذة وهي
تقرأ القرآن كعادتها من بعد صلاة الفجر في انتظار خروج مريم إلى العمل ... تقرأ
بالتحديد " "وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا ..." ومريم تستمع إلى صوتها
المتحشرج وهو يتلو القرآن الذي تفضله على صوت جميع المقرئين..
تراقب مريم اليدين المغضنتين على
استحياء ...
تراقب مريم الملفع الأسود الرقيق...
تراقب مريم الخواتم الذهبية ..
تراقب مريم الشعر الوفيّ الغزير وتدعو
الله سرًا أن يظل شعرها وفيًا لها هو الآخر
..
تراقب مريم مصحف ماما شيخة البني المذهّب ...
تغلق ماما شيخة المصحف وتقبّله ...
تهبّ إليها مريم وتقبلها هي الأخرى على رأسها وعلى يدها وهي تصبّح عليها...
ماما شيخة وهي
تعلم الجواب مسبقًا: هل أجهز لك وجبة الإفطار يا ابنتي؟
مريم وهي لا تزال ممسكة بيدها: سلِمت
يداكِ، أراكِ اليوم عصرًا إن شاء الله في القلعة ، لا تتأخري - وغمزت لها مريم -
أعلم بأن بابا محمد سيأتي لكن أنتِ التي أعلم بوجود احتمالية كبيرة في تخلّفك عن
الحضور! صدقيني سأغرق نفسي في البحر إذا لم تحضري - أحست مريم بأنها نفخت القش عن
إحدى الألغام الكبيرة ودعت الله سرًا أن تتجاهل ماما شيخة عبارتها الأخيرة ويظهر
أن دعوتها قد استُجيبت -
تتلكأ ماما شيخة وتغمغم وتهمهم ثم
تغدقها بدعوات عديدة عزيرة شفيفة تتلقاها مريم بامتنان كبير وحب عميق...طفقت مريم
عائدة إلى باب الصالة للخروج، كان هذا الحوار يتكرر يوميًا في كل صباح، ومع ذلك لم
تتملل منه مريم قط ولم تتبرم! كان هذا الحوار بمثابة العمود الذي بالكاد تستند
عليه حتى ينتهي يومها في العمل... واليوم بالذت كانت بحاجة إلى أن تطيل الحوار
أكثر حيث ينتظرها يوم طويل في العمل!
بالطبع كانت "مريم" أول
الواصلين إلى ساحة القلعة .. نظرت إلى الخزنة وقاومت رغبتها الشديدة في الضحك ..
قررت "مريم" بصورة مؤقتة أن ما حدث بالأمس كان ضربًا من ضروب الخيال حتى
يتسنى لها الجزم بحقيقة ما حدث!
تأملت "مريم" في وجوه رجال
الحراسة ووجدت أن النوبة تغيرت وأن هؤلاء لا علم لهم بالزيارات التي أغدقتها
"مريم" على الخزنة بالأمس، ذهبت إليهم بثقة نظرًا لأنها أصبحت ضليعة في
إجراءات الأمن حتى فكرت في نفسها: لِمَ لا أقدم على وظيفة بعمل جزئي لدى هذه
الشركة، يظهر أنها وظيفة مريحة وتدرّ دخلًا جيدًا، قاطعت سلسلة أحلام اليقظة فتح
الحارس لباب الخزنة .. خطت مريم خطوة واحدة إلى الداخل .. كانت خبيرة تمامًا أن
هذه الخطوة الواحدة الكافية .. إذا قلت هذه الخطوة فهناك احتمال كبير أن تُصفق
بباب الخزنة السميك بحيث تُصاب بعاهة مستديمة، أو إذا خطوت خطوة ونصف فستغطيك
الستارة السوداء المخملية وتصاب باختناق مؤقت إلى ان يُغلق الباب من خلفك.. أغلق
الباب من خلف "مريم" بلطف شديد مقارنةً بالعنف الذي تعرض لهم الباب
بالأمس بسبب ضيق الحارس من زيارات مريم المتكررة!
كانت "مريم" بمزاج ممتاز
اليوم .. تكاد تحلّق معه ....
أزاحت الستارة وانحنت برفق أمام
النخلة التي هزّت سعفها وعناقيدها ترحيبًا بـ "مريم"
...
قررت مريم أن تخصص اليوم للتعرف على
أجزاء النخل وحفظ ملمسها عن ظهر قلب ...
بما تسمح لها الـ 150 ثانية المتاحة لها
...
بدأت بالقاعدة الكرهمانية الصفراء
أدارت "مريم" أصابعها على الثمانية أضلاع برقّة .. حفظت طول الضلع
الواحد .. واختبرت نفسها بتوقع لحظة ظهور الحافّة القادمة... قيّمت نفسها نفسها
بنفسها .. حصلت على الدرجة الكاملة ...
طُرق الباب من خلفها .. ربتت على
القاعدة .. وسارعت بالخروج إلى ساحة القلعة.. وجدت أن مسؤولتها "صدّيقة"
قد حضرت ... تجاهلت كل منهما الأخرى .. وواصلت "مريم" استقبال طلبات
التجهيزات اللازمة لحفل الافتتاح!
عندما هدأت الأوضاع واستلمت
"مريم" كل الطلبيات، كانت الساعة قد قاربت على الواحدة ظهرًا، قررت
"مريم" الذهاب مشيًا على الأقدام إلى مجمع السيف المحاذي للقلعة لأداء
صلاة الظهر وتناول وجبة الغداء سريعًا! قبل ذلك قررت قضاء الـ 150 ثانية المسموحة
لها في التعرف على باقي أجزاء النخلة .. ذهبت "مريم" إلى الخزنة .. كانت
قد أضاعت حساب عداد المرات التي خضعت فيها لإجراءات الأمن لكثرة دخولها إلى الخزنة
.. لم تعبأ بذلك في الحقيقة ... كان هدفها واضحًا وهو التعرف على أجزاء النخلة
وحفظها عن ظهر قلب .. لم يكن ذلك عبثًا .. أو إعجابًا بأحمد شوقي فقط .. كانت مريم
تريد صنع ذكريات تستحضرها إذا ما داهمتها تلك الوساوس التي تنتزع أجزاءً من الروح
مرة أخرى ..
دخلت إلى الخزانة بخطوة واحدة مدرسة
.. أزاحت الستارة ... أخضعت نفسها لاختبار توقع الحافة القادمة مرة أخرى .. نجحت
فيه بالعلامة الكاملة ... رفعت يدها إلى الجذع الذهبي اللامع ... كان رشيقًا باعتدال
.. كان سميكًا دون بذخ ... مسحت عليه صعودًا إلى المنطقة التي يلتحم فيها بالسعف
والعناديق ونزولًا إلى المنطقة التي يخترق فيها القاعدة الكهرمانية المثمنة ..
ظلّت تمسح على الجذع حتى طُرق الباب من خلفها إيذانًا بانتهاء وقت الزيارة .. مرة
أخرى ربتت على الجذع والقاعدة وخرجت مسرعة ... توجهت إلى بوابة القلعة ثم تذكّرت
مسؤولتها "صديقة" حدّثت نفسها، هل تدعوها للذهاب معها إلى المجمع؟ لكنها
تخشى أن تُلقي عليها قولًا جارحًا يخدش مزاجها المحلّق اليوم! أووه سأدعوها ولتفعل
ما تفعل!
عادت "مريم" أدراجها إلى
حيث كانت تجلس "صدّيقة"، لم تنتبه "صديقة" لقدومها فقد كانت
منكبة تمامًا على لعب "كاندي كراش" في هاتفها المحمول، حاولت
"مريم" تنزيل نبرة صوتها قدر المستطاع حتى لا تفزع منها: صديقة .. لم
تعلم "مريم" فيما إذا كانت سمعتها "صديقة" أم لا .. كرّرت
النداء: صديقة ..
آآه .. نعم .. نعم .. ماذا تريدين؟ ..
لقد أفزعتني .. هل هذه هي الطريقة التي تنادي فيها الموظفة مسؤولتها التي تفوقها
عمرًا وخبرةًَ؟
مريم بندم وحسرة وبسرعة شديدة: كنت
أريد أن أسألك إذا كنت ترغبين بالذهاب إلى مجمع السيف للصلاة وتناول وجبة الغداء؟
- كانت تدعو الله في سرّها في تلك اللحظة أن ترفض صديقة الدعوة وتؤنبها أو تستهزئ
بها .. كانت ترغب بأي شيء إلا أن تقبل الدعوة-!
صدّيقة وهي تعود لمواصلة اللعب:
بالطبع لا ... لحــظة ... ماذا مجمع السيف؟ امممم حسنًا .. سأرى .. اسبقيني وإذا
أنهيت أعمالي سألحق بكِ .. فكما تعلمين أنا مسؤولة لديّها مهام وظيفية، ولست موظفة
عادية حتى أذهب لأتفسّح ...
كادت "مريم" أن تقفز فرحًا
لاستجابة دعوتها ورفض صدّيقة لدعوتها!
خرجت "مريم" من بوابة
القلعة وهي تكاد تلحق من فرط فرحتها، وما هي إلا لحظات حتى سمعت طقطقة كعب حذاء
صدّيقة من خلفها .. لا يهم ..
أدت "مريم" صلاتها وأنهت
وجبة غدائها، ثم هرعت مسرعة إلى القلعة، كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا،
والفعالية تبقّى على إقامتها 45 دقيقة تمامًا أي وقت ارتفاع أذان العصر!
اقتحمت "مريم" ساحة القلعة
.. كانت الحركة تدبّ فيها والموظفون المعنيون قد حضروا للإشراف على مهامهم
وفقراتهم في الحفل!
طافت مريم على التشطبيات النهائية
للمهام بسرعة ثم أكدت من حضور جميع الممثلين لفقرة الختام، وأخيرًا عندما قاربت
الساعة على الثانية والنصف.. قررت "مريم" الاختلاء بنفسها والهروب من
أجواء التوتر لم تجد مكانًا أنسب من الخزانة .. وفي أثناء قيامهم بإجراءات الأمن
المعتادة لمحت "مريم" عصا بابا محمد .. رقص قلبها فرحًا .. لكنها لم تكن
متأكدة تمامًا من رؤيتها لعجلات كرسي ماما شيخة .. فقد فُتح باب الخزنة .. خطت
"مريم" بصورة " أوتوماتيكية" خطوة إلى الداخل ... أزاحت
الستار ... لم تتمالك نفسها هذه المرة عانقت النخلة عناق المودّع، حيث كانت ستُنقل
مباشرة إلى القاهرة بعد انتهاء الحفل .. تلمست مريم القاعدة الكهرمانية .. الجذع
الرشيق بحشمة ... العناقيد الوفية المرصوصة رصًا ... السعف الذي قضلى ليلته في
الأمس في التربيت علي مريم ... طٌرق الباب من خلفها ... كانت يداها ترتعشان ...
حاولت تثبيتهم قدر الإمكان .. حملت النخلة ... كادت تجزم بأن لو كان لديها طفلًا
لما حملته بهذه الطريقة الحذرة! خرجت من الخزنة ومشت إلى المنصة وعيناها مثبتتان
على النخلة التي تحملها ... كانت مشغولة جدًا بحيث لم تلاحظ عدد الحضور .. امتلاء
الكراسي .. وصلت إلى درج المنصة ... امتطت درجات السلم بحذر حصان ينتظر ضربة رجل
فارسه ... غاصت رجلاها في السجاد الأحمر الوثير .. خفف ملمس السجاد من حدة التوتر
... شعر بوجود فقاعة هوائية من حولها ... لم تكن تصلها أي أصوات خارجة ... ولم تكن
تشعر بأي تيار هوائي .. كانت تستمع إلى الفراغ
فقط ... آه كم كان مريحًا هذا السكون ... هذا الفراغ ... كادت أن تفكر بهذا
العدم أيضًا .. لكنها استعاذت بالله أن تعود لتكون مريم العدمية مرة أخرى!
وضعت النخلة على الطاولة على يسار
التمثال النصفي ..
وعادت أدراجها
للجلوس على كراسي المنظمين على يمين المنصة
...
لمحت عصا بابا محمد ... كرسي ماما
شيخة المتحرّك ... وجه خالو "سماح" الذي كان يحمل نفس تعابير الحبّ
والاحتواء والحنان في 23 أغسطس 2000 م! ... وجوه محمد وعبدالرحمن أبناء خالها ..
ثم خوالها الثلاثة ... كانت تجمعًا عائليًا بامتياز يُقام لأول مرة في التاريخ في
خارج أسوار بيت بابا محمد العتيق!
ارتفع صوت الحق مناديًا الله أكبر ..
فكرّت "مريم": في حياةٍ
أخرى ... موازيةٍ ربما .. أود أن أكون فيها صوت الأذان
...
انتهى الأذان فعليًا صوتًا فقط ..
وإلا فهو خالد ما دامت السماوات والأرض!
افتتح العريف الحفل بدعاء الأذان ..
كانت نبرة صوته جزلة ... عميقة كأنها تخرج من البئر الذي هوت فيه "مريم"
يومًا .. قوية كأنها جبل أصم ... فخورة جدًا كأن أحمد شوقي جالس بين الحضور وسيلقي
أبياته الخالدة عن البحرين الخالدة اليوم
..
كانت "مريم" هل التي كتبت
نصّ العرافة ... أوصاها "بو خالد" باتبّاع نفس تسلسل الأسئلة التي
ألقتاها في اجتماع اعتماد الفعالية ... كانت ترافق كل سؤال عرض تمثيلي حيّ لإجابة
هذا السؤال ...
بابا محمد كان الجمهوى الوحيد الذي
يبكي ..
يبكي لفرط فخره الشديد بحفيدته
"مريم" ... "مريم" التي تعادل في معزّتها معزّة عينيه ..
يبكي لفرط فخره الشديد بابنته
"مريم" ... مريم التي أمست عينيه فعلًا في ليالي الشتاء الطويلة وليالي
الصيف الحارّة ... يبكي لفرط فخره الشديد بعينيه "مريم" ... مريم التي
لم تضيق ولن تتبرم يومًا من الوقت التي تقضيه في مكتبته ... بينما كان بإمكانها أن
تقضيه في الخروج أو التنزه أو مشاهدة المسلسل مع ماما شيخة
...
يبكي لفرط فخره الشديد بروحه
"مريم" ... مريم التي كان يعلم بأنها تبكي ليلًا .. سرًا ...
كانت الصيحات تتعالى من الجماهير مع
ظهور كل شخصية ... كان الجمهور مزيج جميل من الطبقة المثقفة المخضرمة في البحرين
.. ومن الجالية المصرية الشقيقة التي جاءت لتفتخر هي أيضًا بإرثها الراقي .. ومن
فئة الشباب التي ظهرت مؤخرًا مكونةً مجاميع وأندية للقراءة ومنتديات للشباب ...
ومن عائلة "مريم " ... الجمهور الوحيد الذي لو حضر هو فقط لاكتفت به !!
أخيرًا جاءت فقرة الختام ... اصطفت
جميع الشخصيات على المنصة.. بدأَ من اليمين ...
شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي وهو
التفت على خليل رحلته أحمد شوقي وأنشد وهو يحني رأسه ويمد يده اليمنى: أمير
القوافي قد أتيت مبايعًا .. وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
...
ضج الحضور بالتصفيق وهتفت الجماهير
هتافًا أيقظت فيه صخور القلعة من سباتها وكأن لسان حالها " يا ويلنا من بعثنا
من مرقدنا ...."
ثم شاعر القطرين، الشاعر اللبناني
بطربوشه ونظاراته المستديرة خليل مطران، واجه الجمهور وأنشد:
"في مصر ينشد من بنيها منشد ... وصداه في البحرين والزوراء .. عيد
اتحدت قلوب شعوبها ولقد تكون كثيرة الأهواء"
تلاه الشاعر المصري أبو الوفا محمود
رمزي نظيم المعروف بخفة دمه والتفت إلى الجماهير وأشار إليهم:
ونخلة البحرين في بلحها العجب ..
معناها لولي كلامك منظوم أسلاك من ذهب ...
ثم استدار إلى الطاولة وحمل النخلة
بين يديه ثم رفعها كأنها كأس دوري، وواصل إنشاده:
قاعدتها من كهرمان أصفر ومغروسة فيه
هدية دلت على الذوق ومن معدنه ومن ذويه"
كادت "مريم" أن يُغمى
عليها، كانت هذه هي حركة عفوية تمامًا من الممثل، لم تُدرج في السناريوهات ولا في
البروفات!
هبّت واقفة، التفتت عليها "بو
خالد" وهو يبتسم وأشار لها بالجلوس .. جلست مرغمة
..
توالت الشخصيات في الظهور الشيخ محمد
رشيد رضا صاحب المنار بعمامته البيضاء ونظاراته المستديرة ثم مفتي الديار الفلسطينية الشيخ أمين الحسيني ....
اختتم الحفل وسط إشادة جماهيرية كبيرة
وحضور جماهيري هو الأكبر في تاريخ الوزارة
...
في بحرٍ لجيٍ..
أرادت مريم أن تتأكد بأنها قد تخلصت
من عقدة البحر تمامًا ... وقفت على شاطئ البسيتين ومشت فيه دون الاتفات إلى الخلف
مشت ... ومشت ... ومشت ... ومشت ... ومشت .. حتى غطى الماء مستوى أنفها ... هنا
ابتسمت وأنزلت جسدها الذي اكتسب نصف وزنها من جراء البلل الذي لحق بعباءتها ... لا
يهم ... غاصّت عميقًا .. كانت تنشد اللؤلؤ والسكون
...
وكانت تعلم بأن هناك جذع نخلة على اليابسة
ينتظر أن تهزه "مريم" بكل ما أوتيت ولم تؤتى من قوة!!!
-تمت-
24 مارس 2018
خليج البحرين- المنامة- البحرين
تعليقات
إرسال تعليق