حكاية إكليل




 



 


الإهداء



إلى كل من ضربت بخمرها على جيبها ...
إلى كل من لم تضرب إلى الآن بخمرها على جيبها ...
إلى كل من تراودها نفسها عن نزع الخمار عن جيبها ...
إلى كل من تتضرع إلى الله أن يثبتها على ضرب الخمار على جيبها ....
إلينا جميعًا ... على اختلاف ألسنتنا .. وألواننا .. ونوايانا .. وأفكارنا ... وتوجهاتنا ...
إلينا جميعًا .. أهدي .. الآية 31 من سورة النور ...

 .... قبل 40 سنة


وقفت "أميرة" حائرة أمام قطع الأقمشة المربعة الشكل والملونة ... تمنت لو كانت أمها معها حتى تسهل عليها عملية الاختيار...
لكنها كانت بنفسها قد أبلغت أمها بأنها ستذهب إلى المكتبة وفي المقابل قد اتفقت مع أبيها على الذهاب إلى محل الأقمشة ...
واصلت "أميرة" تقليب الأقمشة والبائع قد استبدّ به الملل وهو يرمقها بنظرات الاستعجال والاستهزاء لصغر سنها ...
لم تعبأ به ... ذهبت بذاكرتها إلى أبعد من ذلك ... إلى صباح اليوم في المدرسة ...
بعد أن أنهت مدرسة الجغرافيا "أريج" الدرس ... وقفت بقامتها الفارعة ... أخدت تطوي خارطة الوطن العربي بانتظار رنين الجرس ...
راقبتها "أميرة" .. دققت النظر في حجابها اللؤلؤي وبدلتها الوردية الفاتحة ... تشجعت وقامت من مكانها ... اتجهت إلى طاولة المدرسة .. كانت "أميرة" هي الأخرى ذات قامة فارعة  بالرغم من سنواتها الخمس عشرة... شعرها بني فيه لمسة سواد جرّاء تجمعه في ضفيرة استقرت خلف ظهرها ...وجهها أبيض مستدير وخداها مشربان بحمرة، كانت الحمرة تزداد كلما اقتربت من طاولة المدرسة ... وصلت إلى الطاولة .. وقفت أمامها بانتظار أن تفرغ معلمة "أريج" من طي الخارطة ...
التفتت معلمة "أريج" على "أميرة" ثم ابتسمت وقالت: ها ما الأمر هذه المرة يا "أميرة"؟
"أميرة" وقد تحول وجهها بأكمله إلى اللون الأحمر وبنبرة سريعة جدًا: أريد أن أسألك عن حجابك...
معلمة "أريج" وقد صرّت عينيها: عفوًا .. لم أسمعك .. حجابي ؟!
تشجّعت "أميرة" ورفعت عينيها هذه المرة: نعم .. أريد أن أسألك عن المحل الذي تشترين منه حجاباتك.
وفي تعبير مضاد للتعبير الذي قامت به للتو ... فتحت المعلمة عينيها على اتساعهما وقالت: لماذا؟ هل قررتِ ارتداء الحجاب؟
هزت "أميرة" رأسها بالموافقة وابتسمت بتردد...
قاطعهما الجرس ... رنّ معلنًا نهاية الحصّة الدراسية ... جمعت معلمة "أريج" حاجياتها على عجل، ثم التفتت إلى "أميرة" وقالت: هيّا .. الحقيني .. بسرعة ...
"أميرة" وهي تكاد تهرول حتى تلحق بالمعلمة بالرغم من أن المعلمة هي التي كانت تنتعل حذاءَ ذا كعب، إلا أنها كانت كمن حُقنت بجرعة حماس تكاد تجري من جرّاءها .. وبأنفاس متقطعة قالت "أميرة": ولـ ... ولكن ... معلـ .. معلمة "هند" ستصل الآن وستوبخني على تأخري عن الحصة ..
التفتت عليها معلمة "أريج" بحدّة وقالت: لا عليكِ .. سأتفاهم معها .. هيا الآن ... أسرعي ..
سارتا معًا .. حتى وصلتا إلى غرفة المعلمات .. أشارت المعلمة لـ "أميرة" بالانتظار خارجًا ..
وقفت "أميرة" حائرة .. لم تتمكن من تحديد سبب تصرف المعلمة ... حاولت استرجاع السؤال الذي سألته للتو ... ربما كان فيه ما تسبب بالضيق للمعلمة .. إلا أن خروج المعلمة من الغرفة قطّع محاولات تحليلها ..... وضعت يدها على كتف "أميرة" وسارت بمحاذاتها تمامًا حتى وصلتا إلى كرسي في ساحة المدرسة تحت مظلة ملونة في الزاوية القصية .. جلست المعلمة وأشارت إلى "أميرة" بالجلوس ...
ترددت "أميرة" ثم جلست على بعد نصف متر من المعلمة ... لم تكن تريد النظر في عينيها ...  ركّزت النظر في الزر الذهبي المثبت أعلى القميص الزهري ..... وإذا بيديّ المعلمة تطبق على يديّها بشدة ... فوجئت "أميرة" ورفعت عينيها لترى عينيّ معلمتها كما لم تراهما من قبل .. كانت عينيّها تدمعان!!

انتشل "أميرة" من بئر ذاكرتها صوت البائع الآسيوي بلهجة آمرة مكسّرة : ماما ... انت يبي هذا قماش أو ما يبي؟
حركت "أميرة" رأسها إلى اليمين واليسار بسرعة وكأنها تنفض على رأسها ذرات من الغبار: نعم ... نعم .. أريد هذه القطعة الزرقاء .. وتلك القطعة الوردية ... مممم ... نعم وهذه القطعة البيج ...
وبينما كان البائع يقوم بتجهيز القطع ... التفتت "أميرة" على والدها الذي جلس عند مدخل المحل واستغرق في قراءة الصحيفة ريثما تنتهي ابنته ...
رفع رأسه ... ابتسمت له .. بادرها القول: هل انتهيت يا ابنتي؟
هزّت رأسها بالإيجاب ...
طوى الأب الصحيفة .. واتجه إلى البائع .. دفع الحساب ... خرجا معًا من المحل ...
في الطريق إلى المنزل ... ألقت "أميرة" بنفسها مرة أخرى في بئر ذاكرتها.. لتواصل استرجاع ما حصل صباح اليوم المدرسة ...
بعد أن لمحت "أميرة" الدموع في عينيّ معلمتها ... سادت لحظات صمت قطعتها المعلمة بصوت محشرج: متى عزمتِ الأمر؟
أميرة وهي ما تزال تتجه بنظرها إلى سارية العلم المثبتة في منتصف : منذ شهرين ..
المعلمة وقد أضحى صوتها أكثر ثباتًا: لماذا؟ ما السبب الذي دفعكِ لذلك؟
رغبت معلمة "أريج" بشدّة أن تمارس سلطة المعلمة وتأمر "أميرة" بالنظر في عينيها، إلا أنها قاومت هذه الرغبة حتى توفر جو من الراحة لـ "أريج".
تحول نظر "أميرة" من سارية العلم إلى حذائها الأسود: منذ أن دخلت المرحلة الثانوية وأنا لا أشعر بالراحة في مريول المدرسة القصير ... حاولت ارتداء جوارب طويلة كما ترين .. ارتحت قليلًا .. لكن لا زلت قلقة ... في البداية لم أستطع تحديد السبب ...ثم صادف في يوم من الأيام أني كنت قد أنهيت صلاة العصر وما زلت أرتدي ثوب الصلاة عندما طلبت مني أمي نشر الغسيل في شرفة الشقة ... كعادتي كنت أستثقل هذه المهمة كثيرًا .. قمت بتثاقل ... التقطت سلة الغسيل ... فتحت باب الشرفة .. تأملت في الشارع الرئيسي الذي تطل عليه شقتنا ثم بدأت بنشر الغسيل ... في العادة .. كنت أقوم بنشر الغسيل بسرعة كبيرة وكأن هناك من يراقبني ليحتسب لي الدقائق .. وكانت أمي توبخني دائمًا لأني لا أفرد الملابس بطريقة صحيحة على حبل الغسيل .. لكن في هذه المرة .. كنت أشعر براحة شديدة واطمئنان بالغ .. نشرت الملابس بطريقة مرتبة .. كنت هادئة مطمئنة .. انتهيت من نشر آخر قطعة ملابس .. التفتت على الشارع العام مرة أخرى ... وددت لو أجلس هنا طوال اليوم لأراقب سير الحركة ... سمعت صوت باب الشرفة يُفتح من خلفي وإذا بأمي تقول: لماذا استغرقت كل هذا الوقت على غير عادتك؟ في الغالب تقومين بهذه المهمة وكأنك في سباق جري ...
ثم التفتت أمي إلى حبل الغسيل وقالت باندهاش: ثم ما الذي أراه؟ ... ما هذا الترتيب؟ سلِمت يداكِ يا أميرة المنزل .. والآن هيّا إلى الداخل .. واخلعي ثوب الصلاة حتى لا يتسخ وتلتصق فيها الروائح المنبعثة من المطاعم في الأسفل .. هيّا ..
هنا لفتت نظري أمي لأول مرة إلى كوني لا زلت أرتدي ثوب الصلاة .. علمت بأنه السبب في هذه الراحة الغريبة ... وددت لو كان من الممكن أن أرتدي ثوب الصلاة عند خروجي من المنزل فورًا تذكرتكِ ... ثم وعت "أميرة" إلى أنها قالت ما قالت .. أشاحت بوجهها سريعًا ...
أطلقت معلمة "أريج" ضحكة وقالت: لاحظت نظراتكِ المتفحصة لي في الفترة الفائتة .. خمنت بأن السبب هو درجة امتحان المنتصف .. لكن حمدًا لله اتضح أن السبب أسمى بكثير .. والآن لنعود إلى السؤال الذي سألته في الفصل ... من أين أشتري الحجابات؟ اممم حاليًا لا يوجد في السوق محل يبيع الحجابات بصورة جاهزة .. عليكِ الذهاب إلى محل أقمشة لشراء القطع .. ثم الذهاب إلى محل خياطة لتفصيلها ... أنصحكِ بالذهاب إلى محل "تاج الملوك" في السوق الكبير .. فهو يبيع القطع جاهزة على شكل مربع بطول متر وعشرة سنتيمترات .. وما عليكِ إلا الذهاب إلى محل الخياطة حتى يخيط أطراف الحجاب ...
انفرجت أسارير "أميرة" أخيرًا: شكرًا جزيلًا معلمة .. شكرًا ... ثم هبّت واقفة .. لكن يد المعلمة امتدت إلى يدها وأجلستها ثم ابتسمت وقالت: كأننا نسينا أمر مهم .. ماذا عن مريول المدرسة؟
ضربت "أميرة" جبهتها بكفّها وقالت: آآآه .. نعم .. نسيت تمامًا .. لا ينفع أن أواصل ارتداء هذه الجوارب مع الحجاب ...
المعلمة: نعم .. اذهبي إلى محل الخياطة الذي اعتدتي أن تفصّلي فيه مريول المدرسة في بداية كل عام واطلبي منه أن يفصّل لك مريول جديد إلى ما تحت كاحل القدم ..
أميرة وقد وقفت مرة أخرى: حسنًا ... جزيل الشكر .. إلى اللقاء ...
لكن يد المعلمة امتدت إليها للمرة الثانية .. قالت لها وهي تضحك: ألا تريدين ورقة استئذان لدخول الفصل ..
ضحكت "أميرة": نعم ... نعم .. كيف نسيت ذلك؟ هذا أهم ما أريده اليوم ...
وقفت معلمة "أريج" وانطلقت إلى غرفة المعلمات وهي تربت على كتف "أريج" ..قبل أن تسلم المعلمة ورقة الاستئذان لـ "أميرة".. سألتها سؤال أخير: هل أمك تعلم بقرارك؟
خطفت "أميرة" ورقة الاستئذان من يد المعلمة وانطلقت مسرعة إلى صفّها ...
مرة أخرى انتُشلت "أميرة" من قاع البئر، لكن هذه المرة من قبل أبيها الذي بادرها القول: كيف ستفاتحين أمك في الموضوع؟
تنبهت "أميرة" وقامت بنفض بقايا الذاكرة من على رأسها بتحريكه يمنة ويسرة: امممم .. لا أعلم يا أبي ... ما الذي تقترحه؟
الأب: أرى أن تفاتحيها أنتٍ أولًا في الموضوع، وإذا استدعى الوضع تدخلي .. سأتناقش معها ...
تأملت "أميرة" في والدها .. بشرته التي سفعتها الشمس .. شاربه الأسود الرفيع ... عيناه المائلة للسواد ... كانت هي أكبر الأبناء ... يصغرها أخيها "أحمد" بعام واحد .... ثم أختها "آلاء" التي تصغرها بثمان سنوات ...
لم تستطع "أميرة" مقاومة لجج الماء التي أخذت تغمرها في البئر .. هبطت فيه مرة أخرى ... هبطت في الموقف الذي حصل بعد رجوعها من المدرسة مباشرة ...
بعد رجوعها من المدرسة وبعد الحوار الذي دار بينها وبين المعلمة .. اختارت "أميرة" أن تصارّح أبيها عوضًا عن أمها ... اختارت الطريق الآمن  ...
كانت تعلم أن لأمها قلبًا يفوق البحر في اتساعه ...
كانت تعلم أن لأمها عقلًا راجحًا لو وُضع في الميزان لرجحت كفته ...
كانت تعلم أن لأمها روحًا تنافس البساتين في اخضرارها ...
كانت تعلم أن لأمها أناملًا تقارع النخلة في عطائها ...
كما كانت تعلم أيضًا أن عرف المجتمع قد يطغى على كل ما سبق ... وأن من شبّ على شيء شاب عليه ... وأن الكتاب يُقرأ من عنوانه ...
انتظرت عودة أبيها من العمل ... ثم انتظرت أن يفرغ من تناول طعام الغذاء ... وعندما دخل دورة المياه ليغسل يديه .. انتظرته الانتظار الأخير .. ثم صارحته: أبي .. قررت ارتداء الحجاب ...
تذكرت كيف كانت ردّة فعله .. سريعة ... حازمة .. فورية ... اتجه إلى الطاولة بالقرب من  مدخل الشقة .. التقط مفاتيح سيارته .. التفت على "أميرة" وقال لها: هيّا إلى السوق لتشتري ما يلزمك ... أخبري أمك بأننا سنذهب إلى المكتبة ..




شعرت "أميرة" بأنها أمست تغرق في لجج الماء .. في هذه المرة أخرجت نفسها بنفسها من قاع البئر ...
وجدت أنهم قد اقتربوا من العمارة التي توجد فيها شقتهم ... قرأت الفاتحة .. كررت " وإياك نستعين " في سرّها ... حتى ركبوا الدرج ووصلوا إلى الشقة ... دخلت هي أولًا وتبعا أبيها .. أغلق الباب خلفها وأشار لها بالتقدم ... وجدت أمها في الصالة تفرز الملابس قبل كيّها ... تقدّمت إليها وقبلتها على رأسها كعادتها عند رجوعها إلى المنزل ... جلست بجانبها ...
بادرتها الأم: ها يا "أميرة" هل حصلتِ على القرطاسية التي كنتِ تبحثين عنها؟
حدّثت "أميرة" نفسها بأن ليس لديها ما تخسره ... كانت قد عقدت النية .. وتوكلت على الله .. وتضرعت إليه ... أخذت نفسًا عميقًا وقالت: لم أذهب إلى المكتبة يا أمي ... كنت بحاجة إلى قطع أقمشة فذهبت إلى محل الأقمشة لشرائها ..
فتحت كيس المحل وأخرجت الأقمشة .. عرضتهم أمام والدتها .. التي رفعت نظرها قليلًا لرؤيتهم ثم مدّت يدها لتلمسهم ... وعادت إلى طيّ الملابس: اممممم .. ألوانهم جميلة ونوعيتهم جيدة .. ما حاجتكِ بهم؟
كانت هذه لحظة " اللا مفر" تذكرت "أميرة" بأن والدها هنا بجانبها لدعهما ... لو ساء الوضع لا سمح الله، أخذت نفسًا أعمق وقالت: حتى أفصل لي حجابات ... قررت أن أتحجب ...
توقفت الأم عن طيّ الملابس فورًا .. رفعت بصرها تدريجيًا وقالت: ماذا؟
أميرة: اشتريت هذه الأقمشة لأفصل لي حجاب حتى أرتديه ..
الأم: هل تقصدين بأنك سترتدينه على رأسك؟ مثل جارتنا من الجنسية العربية؟
"أميرة" وهي تبتسم محاولةً تلطيف الأجواء: نعم يا أمي .. ألوانهم جميلة أليس كذلك؟ الحجاب البيج سأرتديه للمدرسة فهو الأنسب مع المريول .. ما رأيك؟
كانت الأم تراقب "أميرة" بهدوء شديد، تعرف "أميرة" هذا الهدوء جيدًا الذي يقود إلى إعصار يعصر بالبيت ومن فيه...
انفجرت الأم وبصراخ عالٍ: طــبــــعًا ... تآمرتِ مع والدكِ عليّ وأنا لا أعلم ... أنا والدتك وأمك .. تقومين بعصياني بهذه الطريقة ؟؟ حجاب يا "أميرة"؟؟ ما حاجتك إليه؟ من الذي حشّى دماغك بهذه الفكرة الموبوءة؟ انظري إليّ .. أنا أمك لا أرتدي الحجاب ... خالاتك وجدتك لا يرتدونه أيضًا .. أتريدين أن تشذّي عن العائلة ؟
قررت "أميرة" بأنها لن تدع لأمها خط رجعة: أمي .. حبيبتي ... قرأت كتابًا أكد لي على أن فرض الحجاب وارد في القرآن والسنة النبوية المطهرة .. ثم ما المشكلة أن أشذّ عن العائلة إذا كان شذوذًا محمودًا؟
كانت الأم قد اصطبغ وجهها باللون الأحمر ... وأخذت تتنفس بقوة: حسنًا إذًا .. ما دمتِ مصممة .. ارتدي عباءة الرأس الحريرية مثل التي أرتديها أنا وخالاتك وجدتك ... لا ترتدي الحجاب ...
حاولت "أميرة" قدر الإمكان الحفاظ على نبرة هادئة بعيدة عن الهجوم: أمي ... هذه العباءة ليست عملية للمدرسة ... كيف أرتديها وأرتدي حقيبة المدرسة على ظهري.. بالإضافة إلى أنها لا تستر الشعر والرقبة والرجلين .. فكّري معي ... المريول الطويل سيخفي رجليّ .. والحجاب سيغطي شعري ورقبتي .. وسأتمكن من ارتداء الحقيبة بسـ.......
قاطعتها الأم وصرخت بأعلى صوتها وهي تشير إلى صدرها: أنا أمك .. جنتك تحت قدمي .. هل تخليت عن طاعتي بهذه السهولة؟ أهذا ما هو مكتوب في هذه الكتب التي تقرأينها؟
أرادت "أميرة" إنهاء هذا الجدال لأنه لن يؤدِ إلى نتيجة ... هي لن تتنازل وأمها الأخرى لن تتنازل عن إرث سنوات من القناعة الجماعية بتخلف الحجاب وتخلف من يرتديه ...جمعت قطع الأقمشة .. هبّت واقفة وقالت: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ... ثم هرعت إلى غرفتها ... مرّت أمام غرفة والديها .. كان الباب مفتوح .. رأت والدها يجلس على طرف السرير .. أشاحت بوجهها بسرعة .. دخلت إلى غرفتها .. تناهى إلى سمعها صوت أمها الهادر: هذه حجّتك الدائمة والوحيدة .. لكن اعلمي بأن قلبي غير راضٍ على قراركِ .. اذهبي واقرئي تلك الكتب .. ربما يدعونكِ إلى قتل الأم إذا خالفتكِ .. وأنت يا أبا أحمد .. هل هانت عليك العشرة والـ...؟
... أغلقت "أميرة" الباب .. استلقت على السرير ... كانت تكفيها جرعة التوبيخ التي تلقتها من والدتها .. لا حاجة لها إلى الاستماع إلى جرعة جديدة ..
دعت الله في سرّها بالثبات لها ولأبيها تحت هذا الإعصار الهائج .. ثم أغمضت عينيها ووضعت جنبها باسم ربها ...
كانت من عادة الأم أن توقظ أبنائها لأداء صلاة الفجر ومن ثم للتجهز إلى المدرسة ... حيث أن الفصل كان شتاءً .. والأذان أصبح قريبًا من موعد الاستيقاظ ...
علم الأب أن الأم لن تقوم بمهمتها اليوم مع ابنتها .. أخذ مهمتها .. طرق باب غرفة ابنته وأيقظها ... أجواء الصباح كان يشوبها شيء من التوتر بطبيعة الحال ... امتد جو التوتر إلى سيارة الأب في طريقهم إلى المدرسة ... قبل أن تترجل "أميرة" من السيارة.. ناداها والدها: موعدنا اليوم بعد رجوعي من العمل للذهاب إلى محل الخياطة .. أخبري أمكِ ربما تريد الذهاب معنا .. لا أسرار بعد اليوم ..
ضحكت "أميرة" وقالت: بإذن الله .. مع السلامة ...


بعد مرور أسبوع ...
رجعت "أميرة" إلى البيت بعد المدرسة ... وجدت أمها على الهاتف مع إحدى القريبات ... تقدّمت منها ... قبّلتها على رأسها .. هذه العادة التي لم تتغير حتى بعد أن عصف بها الإعصار .. ذهبت إلى غرفتها لاستبدال ملابسها .. إلا أنها وقفت في الممر لتستمع لحديث والدتها على الهاتف، كانت تقول للمرأة على الخط:
 نعم .. صحيح ما وصلك من أنباء ... "أميرة" بدأت تغطي شعرها وتلبس الحجاب .. أعلم .. أعلم .. نعم أخبرتها بذلك .. عرضت عليها أن ترتدي العباءة عوضًا عن ذلك  ... ما الذي أستطيع عمله؟ زوجي هو الذي اشترى لها قطع الأقمشة دون علمي ...
اممممم ... هممممم .. بالتأكيد ... لولا أن استحلفني بالله أن لا أفتح الموضوع مع "أميرة" مرة أخرى لما سكتت عنها لحظة واحدة !!
اممممم ... اممممم .. بالطبع ... بالتأكيد ... هذا هو المضحك في الأمر .. أن زوجي هو ابن عمي ... من المفترض أن نكون قد نشأنا في بيئة واحدة ... وبيت مشترك ... وتربية واحدة ... لكن هذه الكتب التي يقرأها هو وابنته .. غيّرت من تفكيره ... أشعر بأني لم أعد أعرفه!
ايييه ... الله المستعان ... نعم .. نعم .. اليوم التجمع في بيت والدي .. ليعينني الله على الاتهامات التي ستطالني ... أولها هو تهمة جلب الأفكار الرجعية إلى عائلتنا ..
حسنًا يا عزيزتي .. وأنا كذلك يستحسن بي تجهيز مائدة الغداء ... نراكِ قريبًا .. مع السلامة ..
أغلقت "أميرة" باب غرفتها من خلفها بهدوء .. وحدّثت نفسها: إذًا أمي لديها نفس مخاوفي ... تخشى من ردود أفعال عائلتها ... اليوم أبي سيتأخر في عمله ولن يتمكن من الحضور إلى التجمع .. آآه ما العمل؟ هل أعتذر عن الذهاب بحجة المرض .. لا .. لاا الحجة واضحة ومكشوفة .. لا مفر من مواجهة العائلة اليوم أم آجلًا ... أعنّي يا الله على ما سيصيبني اليوم...
في بيت الجدّ
جلست "أميرة" على الأرض وأسندت ظهرها على المسند .. وضعت على وجهها ابتسامة جاهدت لرسمها ... استسلمت للوضع وأخذت تستمع إلى تعليقات أخوالها الساخرة بهدوء... قررت أن لا تنطق بأي كلمة ... تعالت التعليقات:
ما هذا الذي على رأسك ؟؟؟
هههههههههه تشبهين جارتكم تلك ....
هل تذهبين بهذه الخرقة البالية إلى المدرسة؟
كيف تسمحين لها يا "منى" بالخروج من المنزل بهذا المنظر؟!!!
أتخيل شكلك وأنت تمارسين التمارين في حصة الرياضة ...
تعالت الضحكات ... وصُفقت الكفوف ... واستمر حجاب "أميرة" في تصدر محاور السهرة بازدراء واضح وتهكم شديد..
تلفتت "أميرة" حولها .. لم تستوعب ... هل يعقل أنه لا يوجد في تجمع بهذا الحجم رجل رشيد؟
آآه كم تمنت وجود أبيها بجانبها ... التفت عيناها بعيني أخيها "أحمد" وجدت بأنه يشبه أباها كثيرًا .. لولا اختلاف كثافة الشارب .. كانت عيني أخيها تحمل الكثير ... تحمل غضب شديد ... وحنق عميق .. وحسرة لاذعة ... علمت بأنها وجدت الرجل الرشيد أخيرًا ...
كانت هي الأخرى تشعر بأن ...
 قلبها قد تهشم إلى قطع صغيرة حادة الحواف ... أخذت تجري في عروق الدم وتًغرس في أنحاء جسدها ..
ووجهها فقد اشتعل بنار حمراء قانية .. كانت ستحرق كل من يلمسها ..
وعيناها تكاد تنفجر لفرط ما حبست من الدموع ...
ورقبتها قد تضخمت من شدة بلعها لريقها ...
وجذعها كان كالبركان الهائج في قمة فورانه ... تخيلت أن ملابسها ستحترق من كل تلك الحرارة ..
ركبتاها كانتا تهتزان .. تأكدت من أنها لو وقفت حينها لما استطاعت ركبتاها أن تحملانها ...
عندما شارفت السهرة على الانتهاء .. بدأ بعض الأهل بالانصراف .. .. هدأت التعليقات قليلًا ... وقفت "أميرة" لأول مرة منذ وصولها .. ذهبت إلى خارج المنزل للتحقق من وصول أبيها ... ما أن وقفت في الخارج حتى فوجئت بقوة سحب شديدة .. تسحب رأسها وتسحب حجابها معه .. ألجمت المفاجأة "أميرة" لم تستوعب ما حصل ... انطلقت ضحكة عالية من خلفها وإذا بأحد أخوالها يمسك حجابها بيده اليمنى ويستند على الحائط بيده اليسرى من جراء نوبة الضحك التي أصابته ... سحبت حجابها بقوة شديدة .. وأعادت ارتدائه ... دخلت إلى المنزل ثم إلى دورة المياه .. فتحت ماء الصنبور على أقصى طاقة له ... جلست على أرضية الحمام .. في الزاوية خلف الباب ... وأخذت تصرخ بالبكاء .. اختلط صوت الصراخ بصوت الماء الهادر ...
 كانت تريد لقطع الزجاج المهشمة أن تخرج مع الدموع ...
كانت تريد للنار المشتعلة في وجهها أن تنطفئ بدموعها ...
كانت تريد أن تحطم السد أمام فيضان الماء المحبوس في عينيها...
كانت تريد أن تستفرغ كل البكاء العالق في رقبتها ...
كانت تريد للبركان أن يفور ويخرج كل ما في جوفه في جوفها ..
كانت تريد للدموع التي ستهطل من عينيها أن تنبت شجرًا على ركبتيها لتخفف من رعشانهم...
-تمت-

تعليق

هل كنتم في انتظار نهاية سعيدة ؟
للأسف ليس بيدي حيلة .. لو كانت القصة من نسج خيالي لأنهيتها بطريقة مفرحة .. لجعلت العائلة بأكملها ترتدي الحجاب بسبب الشرارة التي أوقدتها "أميرة" ..
لكن القصة حقيقية ... حقيقية جدًا إلى درجة مخيفة ... إلى درجة أني إلى الآن وأنا أكتبها لم أتمكن من تخيل وجود كل هذا التحامل على الحجاب قبل أربعين سنة !!
أعتذر عن كون الحقيقة جارحة إلى هذا المستوى!!

شهادات حيّة

أم أميرة
بدأت حديثها بدعاء: الله يغفر لي ...
ثم ذكرت حادثة الإعصار الهادر .. ذكرت بالحرف ردّ "أميرة" عليها: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ..
ثم ذكرت بالحرف الواحد ردّها هي آنذاك: هذه حجّتك الدائمة والوحيدة ..
رفعت يديها وأخذت تدعو: أستغفر الله ... أستغفر الله ..... حتى أنهت حديثها ..
تعليق
يبدو أن بعض العبارات لا ينساها الفرد حتى بعد مرور أربعين سنة .. ومع تعاقب الأمراض .. ومع تراجع الذاكرة ... ومع تواضع الصحة .. وتوالي الحوادث والملمات ... أمر مدهش أليس كذلك ؟!
لنزن كل عبارة ننطقها في ميزان " وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ "...
أب أميرة
استرجع كيف التقط مفتاح سيارته رأسًا .. وأخذ "أميرة" إلى السوق الكبير .. لشراء ما يلزمها من حاجيات .. ذكر أيضًا المعارضة التي تعرضت لها ابنته .. ذكر أنه تصدّى لها بكل ما يستطيع .. أما عيناه فذكرت كم كان ولا زال فخورًا بفلذة كبده .. بأول فرحة له .. بأميرته ..
تعليق
ليس بالضرورة أن يكون التعبير عن الفرح والفخر بكلمات وعبارات .. ربما هي تصرفات تتكفل بالتعبير عن تلك المشاعر أكثر من الكلمات!!
أخ أميرة
 كبيرة ... هذه كانت أول كلمة نطقها تعليقًا على ملحمة أخته ... ثم استطرد قائلًا: ما يدعو للفخر في الحقيقة بأن قرار "أميرة" بارتداء الحجاب جاء بصورة شخصية .. فردية .. دون تأثير أو إلحاح من أحدهم ...
سكت قليلًا .. ثم تلألأت عيناه وقال: أما ما يدعو للحزن فهي تلك المعارضة من ذوي القربى .. وما كان يحزن أكثر .. بأني أنا لم أكن أملك الصلاحية للدفاع عنها ... إلا أني اليوم أتذكر كيف أن أختي كانت جبلًا لا يهاب الوقوف أمام السيول والأمطار والعواصف!!
كبيرة ... نعم كانت كبيرة ولا زالت كبيرة ... قدرًا وعملًا وعزيمةً ... وسنًا بلا شك .. قال كلمته الأخيرة وهو يضحك ..
تعليق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا!!
أخيرًا ... مع أميرة
 كانت تذكر تفاصيل قصتها بهدوء شديد دون انفعال أو تقريع أو ازدراء أو تحامل .. هل لكم أن تتصوروا ذلك؟
فقط شعرت بتأثرها عندما ذكرت أنها قرأت نعي لوفاة معلمة "أريج" قبل بضع سنوات .. فاتصلت لتقديم واجب العزاء لأخواتها ... وذكرت لهن فضل المعلمة عليها ... تأثرت الأخوات أيضًا ..
تعليق
·        الزمن عجيب ... ما تكاد تقسم عليه اليوم بأنك لن تتمكن من نسيانه .. سيجبرك الزمن على نسيانه .. الأمر ليس بيدك ولا يقع ضمن دائرة اختيارك ...
·        لم تسمى مهنة التعليم بمهنة الأنبياء عبثًا !!

خاتمة لا داعي لها

اليوم عائلة "أميرة" بأكملها ترتدي الحجاب وتدعو إليه وتذكر أن "أميرة" كانت من السبّاقات لارتدائه في العائلة ... اليوم عائلة "أميرة" لا تذكر موقفها من "أميرة" في البدايات !!





1998 .... قبل 20 سنة

جلس الأب على مكتبه في مكان عمله .. يسترجع المهام التي عليه القيام بها في اللحظات الأخيرة قبل سفر العائلة إلى خالته الكبيرة في البلدة المجاورة ... أخذ يقرأ القائمة التي أعدها مسبقًا ويشطب على ما انتهى منه ... بقيت آخر مهمتين ..
21- وضع جوازات السفر في حقيبة زوجتي
22- بدور؟؟!!
مهمة جوازات السفر كانت واضحة بالنسبة له ... لكن "بدور" .. ابنته .. ما بها؟ .. لماذا وضع اسمها في ذيل القائمة مع رسم مربعا متداخلة تحيط به!
أخذ يستغفر ويستعيذ بالله من الشيطان ... لم يتذكر ...
رجع إلى المنزل .. كان أولاده الثلاثة يلعبون بالكرة في صالة المنزل وقد ارتدوا ملابسهم استعدادً للسفر ... أما ابنته "بدور" وزوجته فما زلتا في الطابق العلوي .. ركب هو الآخر حتى يرتدي ملابس السفر .. أعطى زوجته جوازات الأسرة وقال: هل تصدقين بأني قد كتبت اسم "بدور" في ذيل قائمة تجهيزات السفر لكن لا أذكر ما سبب ذلك؟ أمر غريب حقًا ..
لاحظ أن زوجته قد أشاحت بوجهها سريعًا وهي تقول: أووه .. ربما أدرجت اسمها بالخطأ في القائمة .. ههههه
كان "زيد" يعرف زوجته "خولة" جيدًا ... لذا فقد عرف على الفور بأنها تذكرت سبب وجود اسم ابنته في القائمة ...
التف "زيد" ليواجه زوجته، وقال لها: أخبريني من فضلك .. أعلم أنك تعلمين لماذا وضعت اسمها في القائمة .. هيّا ..
حاولت "خولة" التظاهر بالانشغال في ترتيب الحقيبة لكن عبثًا .. فزوجها قد ترك كل ما في يديه وتفرغ لانتظار ما ستقوله ... فكرت في موعد الرحلة بعد ثلاث ساعات ..  كانت هي الأخرى تعرف زوجها جيدًا .. تعرف أنه من الممكن أن يفوت موعد الطائرة في سبيل إتمام المهام التي عزم عليها .. أغلقت الحقيبة ثم التفتت عليه .. تنهدت وقالت: حسنًا .. قلت بأنك تريد لـ "بدور" أن ترتدي الحجاب قبل سفرنا لزيارة خالتك ..
ضرب الأب جبهته بكفه وقال: نعم .. نعم .. كيف نسيت ذلك .. هيّا لنذهب ونبلغها بهذا الخبر ...
هبّ واقفًا .. لكن الأم أمسكت بيده وقالت راجية: أرجوك يا "زيد" ليس الآن .. انتظر لحين رجوعنا من السفر .. أنت تعلم كيف هي "بدور" كتلة متقدة من الأحاسيس ... أي طلب أو أمر سترفضه فورًا .. أنا لست ضد فكرة ارتدائها للحجاب ... لكنها بحاجة إلى تمهيد .. ما تفعله الآن ليس بالمنطق أو المقبول ..
جلس "زيد" مرة أخرى ... رفع حاجبيه وقال: ماذا؟ تمهيد؟ هذه ليست المرة الأولى التي أطلب منها هذا الطلب لكنها ستكون الأخيرة بلا شك ... سألتها مرارًا من قبل .. وفي كل مرة كانت تتعذر بعذر واهٍ ومختلف ..وأنتِ بنفسك قلتِ إن ملابسها طويلة وساترة لا ينقصها إلا الحجاب .. لكن هذه المرة هي الأخيرة كما قلت لك .. أريد لخالتي أن تفرح برؤية ابنتي بالحجاب أخيرًا ... وعلاوةً عن ذلك ... لقد دخلت "بدور" في سن التكليف ... لا معنى للتأجيل ... سأذهب الآن إلى غرفتها ...
وقفت "خولة": ولكن .. زيد ... انتظر قليلًا ... لنقرر كيف سنفاتحها بالموضوع ...
تظاهر "زيد" بأنه لم يسمع ما قالته زوجته .. ومشى إلى غرفة ابنته ...
لم ترد "خولة" أن تشهد العاصفة الهوجاء التي ستهب داخل غرفة ابنتها .. كانت تعلم أن ابنتها مطيعة وهادئة .. لكنها كانت تعلم أيضًا أنها غير متقبلة لموضوع الحجاب .. لم تتسن لها الفرصة لمعرفة السبب الحقيقي وراء ذلك .. هل هو تمرد فترة المراهقة .. أم صاحبتها في المدرسة ... أم سبب آخر .. أما زوجها فلم تشك للحظة بأنه من الممكن أن يلغي رحلة السفر بأكملها في حال لم يتحقق مراده ..
أخذت "خولة" تقطع لحظات الانتظار بإغلاق الحقائب ... ثم التأكد من عدد جوازات السفر ... ثم تصفح جوازات السفر ... وقعت عيناها على صورة ابنتها "بدور" .. بنية ضئيلة لا تعكس سنواتها الثلاث عشرة... عينان بنيتان واسعتان ... شعر أسود فاحم مسدل على جانبي الكتفين .. غرّة قصيرة ... بشرة بيضاء مائلة للصفار .. كانت تشبهها كثيرًا لولا الحجاب ... بالرغم من تظاهرها بالانشغال إلا أنها أرهفت السمع في انتظار العاصفة الرعدية التي ستهب من غرفة ابنتها ..
طال الوقت ولم يتناهى إلى سمعها صوت شجار أو صراخ ... استبدّ بها القلق .. فكّرت أن تدخل الغرفة .. وضعت يدها على مقبض الباب .. لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة ... مشت مبتعدة عن غرفة ابنتها ... سمعت صوت الباب يُفتح من خلفها .. التفتت بسرعة وإذا بزوجها تعلو وجهه ضحكة عريضة .. ويده على ظهر ابنته التي أضحت تشبهها الآن تمامًا ...
أخيرًا ارتدت "بدور" الحجاب ...
-تمت-

شهادات حيّة

بدور
أذكر كيف أن والدي لم يدع لي خيارًا في حينها .. أذكر بأني شعرت بالإجبار والإكراه وبالظلم ..
لكن اليوم أفكر لو لم يجبرني والدي على ارتداء الحجاب وانتظر إلى أن أتخذ القرار بنفسي ... لكان الأمر أصعب عليّ بكثير ... وربما ... ربما لن أتخذ هذا القرار بنفسي أبدًا ...

تعليق

فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ...
   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر