لحنانٍ أطلال - قصة قصيرة
الإهداء
إلى والديّ اللذين اعتبروا الكتب من أساسيات الحياة لا كمالياتها، فدلّوني على معارض الكتاب منذ تعلّمي للقراءة...
إلى والديّ اللذين أثثا غرفتنا الأولى – فجر وأنا وضحى- بمكتبتين جميلتين على شكل منزل أبيض ذو أطراف وردية...
إلى والديّ اللذين تسببت لهما بالقلق بسبب رداءة خطّي منذ تعلمي للكتابة، فاشتريا لي كتب نسخ كمحاولة أخيرة لم تتكلل بالنجاح...
إلى أبي الذي قاسمني مكتبته وفكره وعندما سألته متشككة، صارحني مؤكدًا أن الكتب تسبب غربة...
إلى أبي الذي أعجب بأول عمل لي في فنّ الشوارع وشجعني على الاستمرار....
إلى أمي التي رفضت أن نكون كسائر الأطفال، رفضت أن نتجاهل الـ التعريف، رفضت أن نعامل الضاد مثل الظاء، رفضت أخطائنا الإملائية حتى في رسائل الهاتف...
إلى أمي التي أخبرتها يومًا بأن إحدى الطالبات في صفّي لا تملك أي قصة في منزلها، فاشترت لها مجموعة قصص أهديتها لزميلتي...
إلى أمي التي احتفظت برسائلي لها التي أرسلتها لها منذ طفولتي إلى اليوم....
إليكما أهدي بدايتي البسيطة ...
أهديها لكم مع دعوات غزيرة شفيفة نقية عميقة بأن
يبارك الله في أعماركم وصحتكم وعملكم ورزقكم وذريتكم وسعيكم وعبادتكم....
ابنتكم المحبة لكم دومًا...
نور
30 أبريل 2017
جلست "
حنان " كعادتها في عصر كل يوم تتأمل مكتبتها بإعجاب شديد، وتتلمس أغلفة الكتب
بحنان بالغ، وتحصي كتبها الجديدة التي استلمتها للتو عن طريق مندوب الشركة التي
تبيع الكتب عن طريق الإنترنت، وتفكر في كيفية تصنيف هذه الكتب على أرفف المكتبة
وتفكر أيضًا في طقوس التعارف المعتادة التي تقوم بها لكل كتاب جديد، الجزء الأول يأتي
تلقائيًا وهو كتابة اسمها وتاريخ ومكان الشراء على أول صفحة من الكتاب وهي عادة
ورثتها من والدها، ثم تقوم بمعانقة الكتاب قبل أن تبدأ بالجزء الآخر وهو التعارف
بين الكتاب الجديد والكتب القديمة، ويتم التعارف عادةً برفع صوتها وهي تعلن للكتب
عن وصول أخ جديد لهم.
نعم، كانت
الكتب بمثابة أبنائها، تحدب عليهم كما تحدب الأم على أطفالها تمامًا، وربما أكثر
في حالة حنان، فلم تكن تخط خط واحد داخل الكتاب، فإذا أرادت تحديد فقرة كتبت رقم
الصفحة والسطر في دفتر يرافقها دائمًا، وإذا أرادت التوقف عن القراءة عند صفحة
معينة، إما أن يكون معها فاصل للكتاب أو قد تضحي بمعرفة الصفحة التي وصلت إليها
وتغلق الكتاب لكن أبدًا لن تقوم بطي زاوية الصفحة، في المجمل كانت جميع الكتب في
مكتبتها جديدة تمامًا، نظيفة جدًا، لن تجد بها خدش أو جرّة قلم، ولولا اسمها في
أول صفحة من الكتاب لن تستطيع التبين فيما إذا كان الكتاب مستعمل أو قد خرج للتو
من المطبعة. وبالطبع لم يكن أحد يتجرأ على أن يستعير منها كتاب، لأنهم كانوا
يعرفون ردها بالرفض مسبقًا وفي المقابل ترسل لهم رابط إلكتروني للكتاب كبديل.
كان لدى
" حنان " رفّ ثمين جدّا، الأثمن على الإطلاق، يحوي مجموعتها من الروايات
البوليسية التي كانت مصدر اعتزاز لها، يبدأ الرف بروايات شرلوك هولمز للكاتب سير
آرثر كونان دويل، ثم روايات أجاثا كريستي كاملة ذات الأغلفة البيضاء فقط باللغة
العربية ثم بعض من روايات أجاثا كريستي باللغة الإنجليزية ، وأخيرًا المغامرات
البوليسية للمغامرين الخمسة للكاتب المصري محمود سالم، فإلى جانب كل ما تقرأه من
الكتب المتنوعة، كان لها وردها الثابت اليومي من الروايات البوليسية، تعيد قراءتها
وكأنها تقرأ لأول مرة، تتوقع القاتل وتخطئ في كل مرة وتستمتع بذلك، لم تكن تخشى من
أن تنتهي من قراءة الروايات، لأنها بمثابة دورة فقط، تنتهي لتبدأ من جديد.
بعد أن فرغت
" حنان " من فقرة التعارف، ألقت نظرة حب أخيرة على مكتبتها ثم انصرفت
إلى مكتبها حيث جلست على الكرسي الوثير، وراجعت قائمة الكتب التي كانت بحاجة لها،
كانت حاجة معنوية أكثر من كونها مادية، لأن أغلب هذه الكتب قد قرأتها إلكترونيًا
لكن اهتمامها الشديد بمكتبتها دعاها إلى إضافتها على قائمة الكتب، ثم إن معرض
الكتاب السنوي في البحرين قد حان موعده وافتُتح بالأمس إلا أنه يأتي بحلّة جديدة
هذا العام، حيث تم اختيار " الشعر الجاهلي " كموضوع رئيسي للمعرض ويُقام
في قلعة البحرين تخليدًا لذكرى الشاعر الجاهلي " طرفة بن العبد " كأحد
الشعراء الجاهليين الذين عاشوا في البحرين بالقرب من قلعة البحرين بالتحديد.
فصلت هاتفها
من الشاحن، لتجد رسالة من صديقتها " أريج " بأنها في طريقها إليها حتى
تذهبا معًا إلى المعرض، كانت قد ارتدت ملابسها فأخذت قائمة الكتب ووضعتها في
حقيبتها وجلست في انتظار اتصال وصول صديقتها.
وصلت "
حنان " مع " أريج " إلى
موقع معرض الكتاب، كانت حُلّة جديدة بكل ما للكلمة من معنى، شعرت حنان برهبة
المكان، واستشعرت عراقة كل زاوية من زوايا القلعة، واستنشقت الهواء المشبع برائحة
البحر، وأنصتت لحفيف سعف النخل، شعرت أنها خرجت من حقبة إلى حقبة زمنية أخرى.
دخلن إلى
ساحة القلعة، لم يكن هناك تكلّف في الديكور والتزيين، فقط كانت جدران القلعة كما
هي من غير إضافات، صُفت أمامها طاولات خشبية ترتفع في مقدمة كل طاولة عمودين
يحملان لافتة مكتوب عليها اسم دار النشر، يفصل كل دار عن الأخرى، نخلات قصيرات
وقفن كأنهن حرّاس لكل دار.
انفصلت
" حنان " عن صديقتها وذهبت كل واحدة في طريقها تضرب في الأرض وتسعى وراء
تقليص قائمة الكتب التي أتت بها واتفقن على التلاقي بعد الغروب عند مدخل القلعة.
آذنت الشمس بالمغيب وأُضيئت الأنوار المعلقة وبدت كأنها سقف منير للقلعة، وقفت
" حنان " في انتظار " أريج " وهي تتفقد مشترياتها...
أريج وهي
تلتقط أنفاسها: أرى أنكِ لم تأخذي الكثير
حنان وهي
تستعرض حقائب التسوق برضا تام: أخذت ما تحتاجه مكتبتي تمامًا
أريج وهي
تشيح بنظرها وتقلد نبرة حنان ساخرة: آه .. نعم .. نعم .. مكتبتي الثمينة .. كنزي
القيّم ... أبنائي الصغار ...
حنان مقاطعة
ومبتسمة: قولي ما شئتِ عنها لا أكترث...
أريج: دعكِ
من هذا كله، يوجد متحف مصاحب لمعرض الكتاب عن تاريخ الشعر الجاهلي هناك بالقرب من
مواقف السيارات، هيا لنلقي نظرة...
حنان: أرى أنه
من الأفضل أن تضعي مشترياتك في السيارة قبل أن تتعثري بواحدة من مجموعات كتب
الهراء الأدبي التي تجمعينها
ومضت
الصديقتان إلى مواقف السيارات ثم إلى متحف الشعر الجاهلي، كان أول ما يلفت النظر
هو أن جميع طاقم العمل في المعرض يلبسون عمامة كالتي كان يلبسونها في الجاهلية، يبدأ
المتحف بالمعلقات السبع المخطوطة بماء الذهب، وعلى الرغم مما أصابها من اهتراء
بفعل الزمن إلا أنها كانت جميلة ومتلألئة تحت الإضاءة الخافتة داخل الصناديق
الزجاجية. ثم نزلن بضع درجات من السلم، حيث معرض الصور الذي يضم مجموعة صور
للمواقع التي ذُكرت في قصائد شعراء الجاهلية، كان المعرض مدهش جدًا.
حنان: لا
أصدق ما أرى، بعد كل هذه السنين الطوال من الاستماع وحفظ المعلقات والقصائد،
أخيرًا أستطيع تكوين صورة حقيقية في مخيلتي لأطلال خولة وفاطمة وأم أوفى.
أريج: نعم،
فعلًا فكرة ربط الصور بالمواقع التي ذُكرت في المعلقات فكرة ذكية بحق.
في منتصف المتحف
توجد منصة مرتفعة، ترتفع في منتصفها تمامًا سارية سميكة بحيث تستطيع تحمل ثقل كتاب
مفتوح وُضع عليها ... كان هذا الكتاب هو مذكرات " طرفة بن العبد " والذي
ظهر في عملية التنقيب الأخيرة التي قامت بها هيئة البحرين للثقافة والآثار مع
تدشين أول فريق بحريني لعلماء الآثار، وكانت هذه المذكرات هي السبب في اختيار
موضوع معرض الكتاب لهذا العام.
ارتقاع
المنصة كان مناسبًا بحيث لو وقفت بجانبها تستطيع رؤية المذكرات من الأعلى والأسفل
بوضوح مع وجود الإضاءة من الجانبين ومع غياب الصندوق الزجاجي المعتاد وضعه، الجو
العام للمنصة يشعرك بالرهبة مع الضوء المسلط وبالألفة في نفس الوقت بسبب ارتفاع
المنصة المناسب وكأن المتحف يعلن “بأننا نثق بزوارنا لذلك لم نضع أنظمة حماية على
المذكرات."
حدثت "
حنان " نفسها بأنه لأمر جميل ولفتة دافئة من القائمين على المتحف أن يقوموا
بذلك.
في نهاية
المتحف يوجد محل لبيع التذكارات، دخلته " حنان " و " أريج "
ووجدن بأن نسخ متقنة جدًا من مذكرات " طرفة بن العبد " تُباع فيه،
فاقتنت كل واحدة منهن نسخة تذكارية.
على الرغم من
أن المعرض بهذه الفكرة يُقام لأول مرة، إلا أن القائمين عليه قد وفقوا إلى حدٍ كبير
في مجاراة معارض الكتاب العريقة حول العالم، وخرجوا بفكرة المتحف المبتكرة التي
كان الانطباع الأول عنها هو العناية بأدق التفاصيل الأمر الذي ساهم في إظهار
المتحف بهذه الحرفية العالية.
بعد رجوع
" حنان " إلى المنزل، أخذت في الاستعداد لتجهيز طقوس ضم الكتب الجديدة
إلى مكتبتها، كتبت اسمها ومكان وتاريخ الشراء على الصفحة الأولى من كل كتاب، ثم
عانقت الكتب، وأعلنت للمكتبة عن وصول أفراد جدد، وأخيرًا أخذت في تصنيف الكتب
ووضعها في الأماكن المناسبة في المكتبة، ألقت نظرة أخيرة على المكتبة وشرعت في
التجهز للنوم، قبل أن تغلق عينيها راودتها فكرة غريبة جدًا، لكنها تجاهلتها ووضعت
جنبها باسم ربها.
فتحت عينيها
في اليوم التالي، وإذا بالفكرة ذاتها تراودها لكن بطريقة ملحّة، عدّلت من جلستها
وحاولت تجاهلها لكن لم تفلح محاولتها، كانت الفكرة قوية جدًا ومهيمنة...
وإذا بالمكتبة تبتسم لها وتقول: ها .. ما رأيكَ
؟
حنان وقد
اتسعت عيناها: في ماذا؟
المكتبة: لا
فائدة من المراوغة، أعلم ما هي الفكرة التي راودتك، ألا ترين أننا نستحق ذلك؟
حنان وهي
تشير بيدها مقاطعة: رجاءً لا فائدة من المساومة عليكم، تعلمين أنكم أعزّ ما أملك،
ولكن الفكرة خطيرة جدًا، أن أقوم بسرقة النسخة الأصلية من مذكرات " طرفة
" وأ....
قاطعتها
المكتبة: لماذا تطلقين عليها سرقة؟ إنها استبدال النسخة الأصلية بنسخة طبق الأصل
عنها.. فقط، أعتقد بأنه حان الوقت لاستخدام الرف الثمين والاستفادة من كل ما
تعلمته منه طوال هذه السنوات.
حنان وهي
تربت على الروايات البوليسية في الرف: آه، نعم لطالما شعرت بالإثارة وأنا اقرأ كله
هذه الألغاز وودت أن أشارك في واحدة منها.
المكتبة: عظيم
... حانت اللحظة، ها هي الفرصة المواتية ، هيا لنبدأ بوضع الخطة.
حنان وهي
تشيح بنظرها عن المكتبة وتنفض يدها من الكتب: لا، لا أستطيع، هذه خيانة لمواثيق
كثيرة ومبادئ عديدة.
المكتبة: كما
تشائين، لكن أود أن أبلغك بأني لن أسمح لهذه النسخة المزيفة بالبقاء بداخلي، أنا
التي أضم كل ما هو جديد وعريق ومميز، أخرجيها مني قبل أن تذهبي إلى العمل.
انصاعت حنان
لأمر المكتبة، أخرجت مذكرات " طرفة " وأخذتها معها إلى العمل.
لم تستطع
التركيز في العمل، كانت الفكرة تسيطر عليها أكثر من أي وقت مضى، وشعورها بالذنب من
إغضاب مكتبتها وصل إلى أوجه ، ومع نهاية وقت الدوام قررت أن تتحدث مع مكتبتها مرة
أخرى وتقنعها بوجهة نظهرها، دخلت إلى المنزل وهي تجرّ أوزارها، وزر عدم انتاجيتها
في العمل ووزر إغضاب المكتبة ووزر الفكرة الخبيثة التي ما تنفك أن تراودها.
حنان متوسلة:
أتوسل إليك أن تسمعي رأيي وتفهمين أسبابي.
المكتبة
ساخرة: هه، لطالما ظننت أننا أغلى ما تملكين لكن اتضحت الحقيقة الآن، لا تتعبي
بنفسك بالقيام بطقوسكِ البالية للكتب الجديدة بعد اليوم، لن تجدي من يتفاعل
معكِ.... نعم وابحثي لنفسكِ عن شيء ثمين ليحل محلي أنا وكتبي.
حنان وقد
اغرورقت عيناها بالدموع: حـ ... حســ ... حسنًا، سأفعل ما تريدين، - أجهشت بالبكاء
– لا تحرميني من شغفي ومن سبب بقائي وتمسكي بالحياة.
المكتبة وهي
تتحدث بنشوة الانتصار: نعم ... نعم هذه حنان الفتاة الطيبة الصالحة المحبة المضحية،
والآن امسحي دموعكِ ولنضع خطتنا المحكمة معًا.
مسحت حنان
دموعها وجلست بوقار مقابل المكتبة كأنها ناسك أمام معبده وقالت: بماذا نبدأ؟
المكتبة:
سنضع خطة، لكن بشرط يجب تجربتها أولًا، سنتخيل لو أن الخطة نُفذت وتم استدعاء
" هيركيول بوارو " أو أن الخطة نُفذت في قرية " سانت ماري "
بوجود الآنسة " جين ماربل " أو أن الخطة قد نُفذت في " المعادي
" بالقرب من حديقة منزل " عاطف " حيث يجتمع المغامرون الخمسة حتى
نتأكد من عدم وجود أي ثغرات فيها.
حنان وقد
زالت عن وجهها تعابير الحزن وحلّت محلها تعابير التعجب: مدهش، سيكون هذا الحدث
الأكثر إثارة في حياتي.
المكتبة:
بالطبع .. بالطبع سنستمتع كثيرًا يا صغيرتي.
حنان: في
البداية معرض الكتاب سينتهي بعد غد، لذا يجب أن نستعد الليلة حتى أقوم بعملية
الاستبدال غدًا، ثانيًا المذكرات الأصلة في المتحف لا توجد عليها أنظمة حماية
نهائيًا لذا لن نواجه صعوبة في هذا الأمر فقط يجب أن أحرص على أن لا يلاحظني أحد،
ثالثًا وهو المشكلة بأن النسخة التي لديّ من المذكرات قد كتبت عليها اسمي، لذا يجب
أن أذهب مبكرًا أولًا لاقتناء نسخة جديدة.
كانت حنان
مغيبة تمامًا تحت هيمنة الفكرة وسيطرة المكتبة، تغيرت قناعتها إلى أن ما تقوم به
هو عملية استبدال وليس سرقة، وكانت تشعر بالإثارة لوجود حدث مختلف سيغير من وقع
حياتها اليومي الرتيب.
المكتبة: خطة
محكمة وبسيطة، والآن لنجربها كما اتفقنا.
أمضت المكتبة
و " حنان " الليل بطوله في
تجربة الخطة تارة ًعلى الخلايا الرمادية لـ " هيركيول بوارو " وتارةً
أخرى على عقول المغامرين الخمسة وهم مجتمعين في حديقة منزل " عاطف "
ومرة أخرى على استنتاجات الآنسة " ماربل " وفي كل مرة كانوا يجدون بعض
الثغرات فيحدثون بعض التغييرات على الخطة، وعندما بدأت خيوط الفجر بغزو ظلام الليل
الحالك، كانت الخطة قد نضجت تمامًا بدون أي ثغرات.
المكتبة
بحنان بالغ: أرى أنكِ قد بذلت مجهود عظيم يا صغيرتي، حاولي النوم لبضع ساعات قبل
ذهابكِ إلى العمل.
حنان: لا أظن
بأني أستطيع ذلك، لا أطيق الانتظار حتى أذهب
إلى المتحف، سأبلغ العمل بأني لن أستطيع الذهاب اليوم.
ساورت
المكتبة بعض الشكوك من حماس حنان الزائد لأنه قد يؤدي إلى فشل الخطة لكنها آثرت
السكوت حتى لا تثبط من عزيمتها، وقالت: أنتظر قدومكِ يا عزيزتي مع النسخة الأصلية،
بالتوفيق.
أشرقت الشمس
وارتدت " حنان " ملابسها ثم تناولت إفطارها على عجل وخرجت مسرعة، كانت
الخطة تقتضي أن تشتري نسخة جديدة من مذكرات " طرفة " من محل التذكارات،
ثم تحشر نفسها في وسط طلبة المدارس الذين يأتون إلى المعرض في الرحلات الميدانية للمدارس
صباحًا وتنفذ المهمة، دخلت بحماس إلى المحل وذهبت إلى قسم مذكرات " طرفة
" لتجد أنه فارغ وقد عُلقت ورقة " نأسف لقد نفدت جميع النسخ، سنقوم
بتوفيرها للطلب على موقعنا الإلكتروني قريبًا "، صُعقت " حنان "
على الرغم من استعداداتهم وتجاربهم المضنية لم يخطر ببالها أو بال المكتبة هذا
الشيء، خرجت مسرعة من المتحف وجلست على سور القلعة تستجمع أفكارها حدثت نفسها: لا
أستطيع العودة إلى المنزل اليوم دون النسخة الأصلية، ستُنفذ المكتبة تهديدها
وستُهدم حياتي، استبعدت هذا السيناريو نهائيًا وهي تراقب طالبتين في المرحلة
الابتدائية تتنزهان بالقرب من البحر، وخطرت في بالها صديقتها " أريج "
هرعت مسرعة للاتصال بها، رنّ الهاتف طويلًا حتى ردّت عليها " أريج ".
أريج وهو
تتثاءب: أوووف يا حنان، ألا تعلمين أني أنام إلي ساعة متأخرة، لماذا تصرين على
إيقاظي في هذا الصباح الباكر؟!
حنان:
ستدفعينني إلى تأليف كتاب " هموم الطبقة الكادحة " بساعات نومكِ الطويلة
هذه، عمومًا استيقظي سآتي إليكِ اليوم لأخذ نسختك من مذكرات " طرفة " لا
أظن بأنك قد كتبتي أي شيء فيها؟
أريج: ماذا
.... " مذكرات طرفة "؟ ما هو هذا الشيء؟ آه نعم نعم، لا بالطبع لم أكتب
أي شيء عليها لا زالت الكتب التي اشتريتها
في سيارتي.
حنان: مؤكد
لا زالت في السيارة ... ما الذي سيدفعكِ إلى الاهتمام بتلك القمامة الأدبية.
عمومًا أنا في طريقي إلى منزلكِ.

تعليقات
إرسال تعليق