مناظرة التغريدات!




"خلك من الرياضيات يمكن ناس تستفيد منه بالهندسه بعدين .. تكفه شنو استفدت من الفقاريات و اللا فقاريات !؟ بصير بيطري مثلاً"
"واهو صاج عيل س1 وس2 شنو استفدت منهم بحياتي غير الغثا والهم والتفكير اللي ماله داعي ومعلمة الرياضيات تهزئنا من الصبح"
"شنو استفدت من حصة الرياضيات؟ ...والله طورت مهاراتي بالرسم"
" أيام المدرسة اكره مادتين عندي كانوا الرياضيات و العربي اللي ليلحين ما ادري شنو استفدت من ما هي مشاعر الشاعر في القصيدة"
"خاطري اعرف شنو استفدت من أوجد x او y ف الرياضيات"
"للحين اسأل نفسي انا شنو استفدت من الفيزياء والكيمياء؟؟ صداع ودموع وبس"
 هل شعرتم بجرعة الحسرة التي تكتنف التغريدات أعلاه وأنتم تقرأونها؟
لو نظرنا إلى هذه التغريدات بتجرد تام، لوجدنا بأن المضحك في الأمر أن "طلب العلم" هو سبب هذه الحسرة!
حسنًا، ربما كانت التغريدات أعلاه منطقية في حال كان المؤشر الوحيد لقياس مدى الاستفادة من المعرفة هي توظيف المعرفة في الحياة اليومية..
إذا كان المؤشر كذلك، فلنغلق المدارس والجامعات، ولنعيد افتتاح الكتاتيب، ولنكتفي بتعلم القراءة والكتابة والحساب، ولنترك العلوم المهمة بصورة اختيارية لمن يريد التخصص فيها فقط، ولنكتسب الحد الأدنى من المهارات المطلوبة لممارسة المهام المناطة إلينا في وظائفنا... هذا الوضع مخالف للمنطق أليس كذلك؟
إذًا لنتفق على أنه لا يوجد ضرر نفسي أو جسدي من اكتساب الحد الأدنى من المعرفة للأجهزة الداخلية للكائنات الدقيقة، أو دراسة مقرر علوم البحار، أو التعرف على قواعد الاحتمال، أو تفكيك المركبات العضوية، أو التعرف على الفكرة العامة للقصيدة!
أعلم بأن الحجة الجاهزة للبعض هي أن اللوم يقع على طرق التدريس التقليدية المتبعة في المدارس والمقررات المليئة بالحشو والتركيز على أن التلقين هو الحل الوحيد للنجاح في المدرسة وأن كل ما سبق هو الذي زرع كل هذه الحسرة في نفوس الأجيال ... حسنًا .. حسنًا ... معكم كل الحق في هذه الحجج المعلبة، لكن ما العمل في ظل هذا الوضع السائد؟
طالما أن النفس قد أجبرت على اكتساب المعرفة بهذه الطريقة، هل الحل هو إجبار النفس على مقاومة الاستفادة من المعرفة أيضًا؟ وقوع النفس تحت هذه الكمية من الإجبار سيؤدي إلى تذبذبها دون شك!
المعرفة رزق!
هون الأمر على نفسك .. تخففّ من تلك الحسرة، وافرح بما قسمه الله لك من معارف قيّمة زادت من توسع آفاقك ومن علو مداركك، فكّر في المستقبل، لربما سيحين الوقت الذي ستحتاج فيه لبعض هذه العلوم والمعارف أثناء تدريس أبناءك، حتمًا حينها ستؤكد لهم بنفسك أهمية هذه المعارف! حتى وإن لم يأتِ ذلك الوقت، اعتزّ بالعلم الذي رُزقته وقل ربي زدني علمًا.

والآن لننتقل إلى مجموعة أخرى من النعيق أقصد التغريد!
"مو محتاجين الى الكثير من العلم ، بس محتاجين الى الكثير من الأخلاق الفاضلة"
"عن تجربة: ليس بإمكان المال أن يشتري ذوقاً رفيعاً.. وليس بإمكان العلم أن يحسّن الأخلاق "
" الوحيدة التي لن تجدها تدرس في جامعات الدنيا هي:   "الأخــــــــــــلاق" قد يحملها عامل النظافة !ويرسب فيها دكتور بالجامعة !."
لماذا كل هذا الازدراء والتحامل على من يحمل شهادات جامعية؟! المثير للدهشة في الحقيقة، هو أن من يروّج لهذه التغريدات في الغالب هو من حملة هذه الشهادات العليا أيضًا! ربما هو اللؤم العلمي – على غرار مصطلح اللؤم الأدبي الذي اخترعه الدكتور غازي القصيبي رحمه الله-؟!
السائد هو أن العلم يهذب الأخلاق أما الاستثناء فهو وجود من لم يتهذب بهذا العلم وهذا هو الوضع الطبيعي أو سنة الحياة في وجود من يشذّ عن أي جماعة أو عائلة أو أسرة، فلا يصحّ الأخذ بجريرة ذاك الذي قرّر الاعتداد والتشدّق والتكبّر بعلمه على آخرين كُثُر لم يزدهم علمهم إلا تهذيبًا ووقارًا ولباقةً ورفعةً.
يقول الإمام الشافعي:" من تعلم القرآن عظمت قيمته  ..  ومن تكلم في الفقه نما قدره ... ومن كتب في الحديث قويت حجته ..  ومن نظر في اللغة رق طبعه ... ومن نظر في الحساب جزل رأيه .. ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه”
انزع قيود العلم وأطلق سراحه ... افتح باب القفص ودعه يحلق .. لن يحلّق بعيد عنك ... سيحلّق حولك ... سيرفرف بأجنحته قريبًا منك .. سيخلّق من حولك نسمات رقيقة تحمل فيها التهذيب والوقار واللباقة .. ستتشرب أنت هذه النسمات وستتصف بما تحمله باعتدال دون تكلّف أو افتعال !

والآن إلى آخر تغريدة في هذه المناظرة ...
لكن قبل ذلك، أود أن أشير إلى أني كنت أتبنى الرأي أدناه في فترة من الفترات الغابرة، إلا أني اليوم أعارضه، هل سأوصف بالتناقض يا ترى؟
هنا أنا أناظر نفسي!
" د. دكتور م.مهندس تنضاف بعد التخرج مب اول يوم في الجامعة فهمتوا ؟"
لماذا كل هذا التدسس بطلب العلم؟
في مساحة التعريف "”Bio في وسائل التواصل الاجتماعي ... كنت لا أخجل من أن أضع اسمي الأول ملحوقًا باسم عائلتي الذي لم أختاره بل شاءت الأقدار أن يُضاف إليّ أو أُضاف أنا إليه منذ ولادتي دون أي جهد يُذكر مني.. ربما الجهد الوحيد الذي بذلته من أجله هو تعلّم كتابته فقط!
 في المقابل كنت أخجل من أن أعرّف نفسي  بتخصصي الذي اضطررت إلى التقديم في ما يربو عن الخمس جامعات وخوض عدد ضخم من المقابلات وتقديم عدد هائل من امتحانات القدرات وبالكاد اقتنعت فيه ... تخصصي الذي كتبت من أجله رسالة –تحصيل حاصل- إلى إدارة البعثات في الوزارة بعد أن تم إعطائي رغبتي الخامسة -التي لا أرغب بها- من قائمة البعثات ... الرغبة التي كانت تحصيل حاصل هي الأخرى .. التخصص الذي كدت أن أحول مكان سكني إلى الجامعة من أجله .. التخصص الذي تغيبت لأجل عينيه عن تجمعات عائلية كثيرة .. التخصص الذي حصلت بسببه على ثلاث مخالفات سرعة ... هذه ظروفي أنا ... لا بدّ أن هناك ظروف أعمق .. هناك من تغرّب .. وهناك عوائل تحمّلت أعباء وأقساط مالية .. والقائمة تطول ولا تخفى عليكم!... أليس هذا هو التجسيد الفعلي للتناقض؟!
رجائي الحار ..
دعوا الطلبة المستجدّين يسبقون أسماءهم بحرف الدال أو الميم  في وسائل التواصل الاجتماعي..
اتركوا طلبة الطب يتجولون في الأماكن العامة بالمعطف الأبيض دون أن ترمقوهم بنظرات تهكم ..
لا تطلقوا عليهم سيول السخرية.. ولا ترشّوهم بمدافع الازدراء!
ربما كانت هذه الميم هي ضوئهم اليتيم في نهاية النفق ...
احتفوا بالعلم وأنزلوه منزلته ...
ختامًا، هذه ليست تغريدات فقط تُكتب على "تويتر" بل هي أحاديث عادية تكاد تستمع إليها في كل تجمّع أو حديث عابر!
كتب د. ساجد العبدلي في تغريدة على "تويتر": " من أعظم ما ينعم به على العبد في الدنيا أن يجد من يرعاه ويكفله ويكفيه لينصرف لطلب العلم والبحث! من ينال مثل هذه النعمة الجمة عليه أن يحمد الله كثيرا."
} إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  { ... اللهم اجعلنا من عبادك العلماء الذين بلغوا بعلمهم خشيتك سرًا وعلانيةً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر