ملمس عباءة
هل تذكرون النشوة
التي كانت تهبط على الطالبة التي يقع اختيار المعلمة عليها لإحضار أقلام السبورة
من الإدارة في المرحلة الابتدائية؟ النشوة التي تخلق للطالبة جناحين تكاد تحلّق بهما
من صفها إلى غرفة السكرتيرة بالإدارة. وفي مقابل هذه النشوة، تجد مشاعر حائرة تقف
على البرزخ بين الغبطة والحسد من باقي الطالبات اللاتي لم يحالفهن الحظ في وقوع الاختيار
عليهن هذه المرة.
عمومًا كنت
أنا تلك الطالبة المنتشية دومًا بجناحيها – هل ظننتم أن اسمي اُختتم بلقب
"الجناحي" عبثًا؟- والمحاطة بالمشاعر المختلطة من زميلاتها في
كل مرة ترسلني فيها معلمة "فرح" إلى الإدارة لإحضار أقلام سبورة أو لطباعة
أوراق الأنشطة. - لماذا يقع الاختيار عليّ دائمًا؟ لا أعلم اسألوا الأستاذة فرح الصالحي التي
أدين لها بالفضل الكبير من بعد الله عزّ وجلّ في تأسيسي القويّ في المرحلة
الابتدائية على الصعيد الدراسي والشخصي والاجتماعي-.
في بعض
المرات التي كنت أشارف فيها على الهبوط بالقرب من باب الإدارة كنت ألمح امرأة
بعباءة رأس سوداء حريرية تشعّ تحت أشعة الشمس تعبر من بوابة المدرسة، وما أن
ألمحها حتى أعاود التحليق بكل ما أوتيت من قوة للوصول إليها واحتضانها بقوة أشدّ
من تلك التي بذلتها للتو، لم أكن لأخطئ في التعرف على هذه المرأة، هل تعرفون من
هيّ؟ إنها الأستاذة الفاضلة أنيسة الزياني التي كانت مديرة مدرسة البسيتين
الابتدائية في بداية انتسابي للمدرسة إلا أنها تغيرت بعد مرور سنة أو سنتين.
وبطبيعة الحال فإنه عادة ما تظن طالبات الصف الأول في أول معلمة يرونها وأول مديرة
يتعرفون عليها بأنها وليّة أمرهم والمسؤولة عنهم في المدرسة، فيكتبون لها الرسائل
وقد يخطئون وينادونها بـ "ماما أو يمّة" –كان ذلك الموقف حارق للجهاز العصبي والتنفسي
من فرط الإحراج الذي يقع على الطالبة التي تخطئ في مناداة المعلمة
بـ"ماما"- هكذا كان
الحال معي كنت أظن أن الأستاذة أنيسة الزياني ما تزال مديرة المدرسة بالرغم من
كونها لا تعدو عن زيارة خاطفة تلك التي دعتها إلى حضور المدرسة.
أذكر بوضوح ملمس
عباءتها الناعم والبارد والتي أحب أن أمرغ وجهي بها، وأذكر يدها الحانية وهي تمسح
على جانبي شعري المفروق من المنتصف –خط الفرق الذي تتميز أمي حفظها الله بقدرتها
الخارقة على عمله بدقة متناهية والذي من فرط استقامته يظن الناظر إليه أنها
استخدمت المسطرة في عمله- .
هكذا ظلّ
منظر الأستاذة أنيسة الزياني في ذاكرتي، امرأة ذات وقار ... كريمة المحتدّ ... لها
سحنة محببة ... ومبسم حنون ... تلفّها عباءة رأس سوداء حريرية باردة لامعة.
هل تذكرون
المرة أو المرات العديدة التي فكرتم فيها في شخص معين ثم التقيتهم به بعد يوم أو
يومين، لا أعلم إذا كان هناك تفسير علمي لهذه الظاهرة ما أعرفه أن ملمس تلك
العباءة الحريرية قد ألح على زيارة شرفات ذاكرتي لمرات عديدة في الآونة الأخيرة
إلا أنه توقف عن الزيارة فجأة، وفجأة أيضًا دُعيت إلى التغطية الإعلامية للحفل
الختامي لمسابقة عائشة الجامع القرآنية لطالبات المدارس، لم تكن دعوة مفاجئة في
الحقيقة فهو حفل سنوي يقيمه القسم النسائي بواحات القرآن الكريم في جمعية الإصلاح،
التقيت فيه بالأستاذة أنيسة الزياني، لكن يا للغرابة ففي حينها لم أذكر ملمس
العباءة الحريرية؛ ربما لأن طريقة السلام قد اختلفت الآن فلم أعد تلك الطالبة
الصغيرة التي تسارع إلى احتضان معلماتها، حتى حانت لحظة تكريم "شهد محمد
القائد" الفائزة بالمركز الثالث من الحلقة الأولى في المرحلة الابتدائية، فما
أن نودي باسمها حتى أتت تمشي على استحياء بزيّها المدرسي الأخضر وضفيرتها التي
تتهادى من خلفها وغمازتيها الغائرتين وحذائها الأسود وجواربها البيضاء الناصعة- مثال للطالبة المثالية ما شاء الله- ومدّت يدها للسلام على الأستاذة أنيسة
فانحنت الأستاذة عليها لتقبيلها، لكن "شهد" أسرّت إلى الأستاذة بشيء دعاها
إلى احتضان "شهد" بقوة وهي تلتفت على الحضور وتسألهم بتأثر شديد "سمعتوا
شقالت؟". في الحقيقة لم أسمع ما هو الشيء الذي أسرت به "شهد" إلى
الأستاذة الفاضلة حتى ظهر عليها هذا التأثر الشديد، إلى أن علمت لاحقًا بأن
"شهد" حفظها الله قالت لها: جزاك الله خيرًا. كان هذا الموقف مؤثر
للحاضرات اللاتي اختلطت ردود أفعالهن بين التصفيق والتكبير، أما بالنسبة إليّ فكان
كفيل بتحفيز ذكرى ملمس العباءة الحريرية، كنت أعلم تمامًا شعور "شهد"
وهي تغوص في أعماق عباءة الأستاذة أنيسة، لبرهة ظننت أنني أنا التي كنت أُكرّم.
من كان يظن
أن ذكرى ملمس العباءة الحريرية ستعود للظهور من جديد بهذه النضارة بعد مرور عشرين
سنة؟
أسأل الله أن
يبارك في عمر وعمل الأستاذة الفاضلة أنيسة الزياني وأن يجعل بركة القرآن الكريم
تلف حياتها وصحتها وعائلتها الكريمة ... وللصغيرة "شهد" أسأل الله
العظيم أن يحفظها ويبارك في ذويها وفي أسرتها الكريمة وأن نشهد ختمها للقرآن
الكريم حفظًا وعملًا .. يا مجيب الدعوات.

تعليقات
إرسال تعليق