رواية أم بحر
من على ساحل
الغوص جلس "بحر" مع جدّه المسمى "بحر" هو الآخر في جلسة عصرية
ودّية … من تحتهم البساط الأحمر الذي حاكته جدته "لولوة" رحمها الله منذ
أكثر من عشرين عام … وبيمينه ناول "بحر الأصغر" فنجان القهوة العربية لـ"بحر" الأكبر … من أمامهم كانت تتجلى بنايات المنامة المتشامخة ... ومن خلفهم تسطع مآذن
المحرق الوقورة … استغل "بحر الأصغر" فرصة خروج جدّه النادرة جدًا من
منزله أو عرينه كما يحلو لأحفاده أن يطلقوا على بيت جدهم ..
فسأله: يبة … ما سبب تسمية كل من المحرق والمنامة بهذه المسميات؟
تقافزت حنجرة الجد جرّاء قهقهته بصوتٍ عالٍ و وقال: اسمع يا بنيّ … هنالك الرواية التي توجد في أجهزتكم، تلك التي تكادون لا
ترفعون أعينكم عنها ..
-هنا تنبه "بحر" الأصغر إلى الهاتف النقال في يده وتركه على الفور-
وهنالك الرواية التي كانت تحكيها لي أمي "شيخة" والتي اخترت أن أصدقها طوال هذه العقود .. فأي الروايتين تريد الاستماع لها؟
-هنا تنبه "بحر" الأصغر إلى الهاتف النقال في يده وتركه على الفور-
وهنالك الرواية التي كانت تحكيها لي أمي "شيخة" والتي اخترت أن أصدقها طوال هذه العقود .. فأي الروايتين تريد الاستماع لها؟
بحر الأصغر: رواية
أم بحر بالطبع …
بدأ الجدّ في
السرد:
كان يا ما كان
في سالف العصر والبحر …
كانت هناك جزيرة
تشتهر بوجود علاج فريد في ليلها .. فما أن يحل الليل حتى تجد جميع سكان هذه
الجزيرة وقد وضعوا جنوبهم باسم ربهم وهم يدعونه بأن يرحمهم إن أمسك نفوسهم وأن
يحفظها إن أرسلها، ثم يذهبون في نومٍ عميقٍ لا إرادي لا يحلّ عنهم إلا مع شروق الشمس
… هكذا ذاع صيت الجزيرة بين الأمم عمومًا وعند مرضى الأرق خصوصًا … فأمسوا
يتوافدون عليها هم وعوائلهم طمعًا في الانتفاع بهذا العلاج الرباني … شيئًا فشيئًا
أمست الجزيرة مأهولة بسكان ينعمون بنومٍ طبيعي صحي الأمر الذي انعكس إيجابًا على أخلاقهم
وأمزجتهم ونفوسهم … فما لبثت أن عُرفت تلك الجزيرة باسم "المنامة" نسبةً
إلى القدرة العلاجية بالنوم التي وهبها الله إياها …
على الضفة الأخرى
من جزيرة "المنامة" في مقابلها تمامًا على بعد لا يزيد عن الكيلومتر
الواحد … كانت توجد جزيرة أخرى … ساكنة .. هادئة … لا يكاد يُسمع منها الهمس خلال
النهار فقط … حتى ظن سكان "المنامة" أنها غير مأهولة بالسكان … بيد أنه
ما أن تغرب الشمس حتى تُرى ألسنة من اللهب
تتصاعد من قلب الجزيرة .. لكن سكان "المنامة" لم يروا ذلك قط بسبب النعاس
الذي يغشيهم أمنةً قبيل انطلاق اللهب …
هكذا ظلّت الحياة على كل من الجزيرتين متوازيتين لا تتقاطعان ولا تلتقيان …
هكذا ظلّت الحياة على كل من الجزيرتين متوازيتين لا تتقاطعان ولا تلتقيان …
في ليلة من
ليالي الصيف الرطبة .. خرق هدنة ذلك النعاس اللاإرادي صراخ طفل في سن الثالثة يدعى
"بحر" ببكاء هستيري خلع فيه قلب أمه "شيخة" التي هبت واقفة … ضمت
"بحر" إلى صدرها وطفقت تجري إلى حيث لا تعلم وفي قلبها هميّن .. هم بكاء
ابنها المفاجئ وهم خوفها من خرق سكون الليل الغير مسبوق …
وفي رد فعل
غير مسبوق هو الآخر حملت "شيخة" ابنها "بحر" على ظهرها وقررت
خوض عنان البحر سباحةً … "شيخة" التي لم تعرف من البحر سوى اسمه الذي
أطلقه زوجها عليه … في حركة فطرية حرصت على بقاء رأس "بحر" ورأسها خارج
المياه … وأخذت بتحريك يديها تحت الماء على شكل نصف دائرة … وتحريك رجليها بحركات
دائرية …
وأشار "بحر الأكبر" بسبابته إلى إلى شاطئ المنامة وصولًا إلى حيث مجلسه هو وحفيده ...
وأشار "بحر الأكبر" بسبابته إلى إلى شاطئ المنامة وصولًا إلى حيث مجلسه هو وحفيده ...
طوال الفترة
الفائتة لم يهدأ بكاء "بحر" للحظة واحدة … كان ذهن "شيخة"
يعمل بتركيز للوصول إلى الضفة الأخرى بغية وقف خرق هدنة نوم سكان
"المنامة" ببكاء "بحر" .. وبينما كانت تعصف بسكون البحر
الفاصل بين جزيرة المنامة والجزيرة الأخرى بتحركاتها وببكاء ابنها… لمحت ألسنة
اللهب وهي تنطلق من الجزيرة المقابلة … علمت يقينًا بأن هذا اللهب هو خلاصها من
همومها … سبحت بكل ما تبقى من قوتها لما تبقى من مسافة فاصلة بين الجزيرتين … وصلت
إلى الشاطئ… ضمت "بحر" إلى صدرها .. وانطلقت تهرول متخذة من ألسنة
اللهب دليل لها للوصول إلى خلاصها …
أخيرًا انتهت
الرحلة …
كانت دائرة
كبيرة يصل قطرها إلى نصف كيلومتر … ترتفع منها ألسنة اللهب … يقف حول الدائرة صنفين
من البشر بأشكال مختلفة …
فإما أن تكون أم
مكلومة ثكلى …
أو شيخ ابيضت
عيناه من الحزن فهو كظيم ..
أشار "بحر الأكبر" بالسبابة والوسطى وفرج بينهما واسترسل في الرواية...
أشار "بحر الأكبر" بالسبابة والوسطى وفرج بينهما واسترسل في الرواية...
شيئًا فشيئًا
أدركت "شيخة" حقيقة هذا اللهب … هذا اللهب كان عبارة عن محرقة … نعم
محرقة ضخمة .. تُحرق فيها الهموم … لذلك يأتيها الناس المبتلين حتى يحرقوا همومهم ويواصلوا عيش حياتهم بهناء … لم تكن
"شيخة" تعلم آلية حرق الهموم .. كانت تريد حرق هم وفاة زوجها وعويل
ابنها المفاجئ .. وقفت حائرة .. ثم أخذت تمشي بطريقة دائرية علّها تجد من تسأله
لكن هيهات .. الكل كانوا في سكرتهم يعمهون … فجأةً ظهر لها القيّم على هذه النار
المشتعلة .. عرفته من الحطب الذي كان يرميه في الدائرة … هرعت إليه على استحياء وقبل
أن تسأله بادرها هو وقال لها أنتِ وحدك عليك اتخاذ الطريقة التي ستحرقين بها همومك ثم انصرف عنها ..
بين صراخ
ابنها وقطرات العرق التي أخذت تهاجم جسدها ومنظر المهمومين من حولها … عرفت بأن
حرق الهموم يبدأ متى ما عزمت هي وعقدت النية .. عقدت النية وتوكلت على الله ..
استنشقت أكبر قدر من الهواء المشبع بدخان المحرقة … مسحت على صدرها وبحركة تشبه
انتزاع الشيء من منتبه .. نزعت من صدرها همومها ورمت ذلك الشيء اللا مرئي في النار
المستعرة .. ثم مسحت على وجه وصدر "بحر" ابنها ورمت ما مسحته في النار
أمامها …
وبيده السمراء ذات العروق الخضراء النافرة وبحركة مشابهة ... نزع "بحر الأكبر" ذلك الشيء اللا مرئي من قلبه ورماه في البحر من أمامه ... ثم واصل حكايته ...
طفقت "شيخة" عائدة إلى الشاطئ وهي تحمل ابنها النائم الساكن على ظهرها .. سبحت بهدوء .. كانت رحلة الإياب أهدئ من الذهاب بمرات عديدة …
وبيده السمراء ذات العروق الخضراء النافرة وبحركة مشابهة ... نزع "بحر الأكبر" ذلك الشيء اللا مرئي من قلبه ورماه في البحر من أمامه ... ثم واصل حكايته ...
طفقت "شيخة" عائدة إلى الشاطئ وهي تحمل ابنها النائم الساكن على ظهرها .. سبحت بهدوء .. كانت رحلة الإياب أهدئ من الذهاب بمرات عديدة …
وصلت إلى
شاطئ المنامة مع شروق الشمس .. ومع بعث السكان من مراقدهم تجمعوا حول
"شيخة" التي كانت قد أعياها التعب وكانت تمطر كسحابة أثقلها المطر .. هم
الآخرون أمطروا "شيخة" بالتساؤلات عن ما آلت إليه حالتها .. قبل أن تفقد
وعيها .. أجابت بهذه العبارات الخالدة …
"
سبحت في "البحرين" …
إلى "المحرق" .. هناك في " دوحة عراد" .. أحرقت همومي ..
وعدت إليكم عبر "البحرين" ..
عدت إلى "المنامة"..
"
سبحت في "البحرين" …
إلى "المحرق" .. هناك في " دوحة عراد" .. أحرقت همومي ..
وعدت إليكم عبر "البحرين" ..
عدت إلى "المنامة"..
"
كنت لا أطيق صبرًا لوصول
أمي إلى نهاية القصة حتى أسبقها في ترديد هذا المقطع الأخير .. أتذكر الآن كيف
كانت أصواتنا تمتزج معًا في ترديده ... ثم يد أمي الدافئة الغضّة على جبيني وهي تردد المعوذات
وآية الكرسي وأخيرًا أنفاسها الدافئة التي كانت تصلني وهي تنفخ على جسدي بأكمله ...
التفت
"بحر الأكبر" على حفيده وقال له: أعلم بأنك تضحك في سرّك حاليًا على هذه
الرواية الأسطورية … لكن هذه الرواية … رواية أم بحر … هي قصة ما قبل النوم التي
كانت تحكيها أمي "شيخة" لي ليليًا .. بهذه الرواية استطعنا أنا وأمي
معًا تجاوز محن عديدة .. محنة فقد الزوج والأب .. محنة مرضي المفاجئ .. محنة لعنة
الأرق التي أصابتها .. بمعية الله عزّ وجلّ .. ومن ثم بذكاء أمي "شيخة" التي
استطاعت ربط الأمل وتجسيده في جزر الوطن وبحوره … أنا أرى أبي في المحرق وأرى أمي في المنامة .. المحرق والمنامة هم أسرتي .. والبحرين بأكملها هي عائلتي الممتدة .. فكيف لا أبر بمنامتي وبمحرقي ... وكيف لا أصل رحم بحريني الحنونة ... كيف لا أدعو لهم جميعًا بطول العمر والصحة والعافية والاطمئنان والاستقرار؟
ضحك "بحر"
الأصغر وقال: لا اعتراض يا جدي على هذه الرواية الملحمية … رحم الله مؤلفة القصة
وأطال الله في عمر بطلها … وأدام الله نعمة الحب والألفة والدفء على منامتك ومحرقنا ...
دمت يا "بحر" للبحرين…
دمت يا "بحر" للبحرين…
ودامت البحرين لنا جميعًا كما عهدناها …
بلد أمين …
كما أقسم الله عزّ وجلّ ..
بلد آمن .. كما في دعاء إبراهيم عليه السلام ..
ومن دخلها كان آمنًا ... كما أخبرنا الله تعالى …
- صوت الأذان يرتفع من مسجد ممشى الغوص -:الله أكبر ... الله أكبر ...
بهذه الأدعية الشفيفة ومع ارتفاع صوت الحق مناديًا لصلاة المغرب ... اختتم بحر وبحر جلستهما البحرية الوديّة ...
- صوت الأذان يرتفع من مسجد ممشى الغوص -:الله أكبر ... الله أكبر ...
بهذه الأدعية الشفيفة ومع ارتفاع صوت الحق مناديًا لصلاة المغرب ... اختتم بحر وبحر جلستهما البحرية الوديّة ...
تعليقات
إرسال تعليق