" سدرة المنتهى "




كحال الكثير من الأطفال –والكبار- ما زلت أعاني من "رهاب العودة إلى المدارس" بكل تبعاته من أرق في الليلة التي تسبق الرجوع إلى المدرسة، وآلام البطن في صباح أول يوم دراسي، وصخرة البكاء التي يتم ابتلاعها عشرات المرات خلال اليوم الدراسي لسد مجرى الدموع ... هذا الرهاب يحمل اسم "المدرسة" للتسهيل والاختصار فقط عند تبادل الأحاديث، بينما في الحقيقة يُصاب به كل من طلبة الجامعة والموظفين بعد رجوعهم من الإجازات الرسمية أو السنوية، ولا حاجة لي للإطالة بشرح الحالة التي تعتري الجميع بلا استثناء عند رؤية إعلانات الـ “Back To School” أو "مهرجان العودة إلى المدارس" في الشوارع وعلى واجهات المحلات.

فما بالكم لو اجتمع عليكم "رهاب العودة إلى المدارس" مع الدخول في مرحلة دراسية جديدة، وليست أي مرحلة بل هي المرحلة الإعدادية، مرحلة فسيفساء الأمزجة والأطوار والمشاعر والملامح ... في ظل أوضاع الرخاء والشدة على حد السواء، دائمًا ما تأتي حصّة التربية الإسلامية خصوصًا إذا كانت الحصة الأخيرة بمثابة الروضة التي تعوض على الطلبة حقول الأشواك التي مروا بها سابقًا، وغالبًا ما يكون مدرس التربية الإسلامية كسدرة المنتهى التي يستظلّ بها الطلاب من أشعة الشمس الحارقة طوال اليوم.

سدرتي في المرحلة الإعدادية كانت معلمة التربية الإسلامية الأستاذة شيخة المالود التي كنا ننتظر حصّتها بفارغ الصبر طمعًا في الاستظلال ورغبةً في الاطمئنان. لم تكن معلمة عاديّة، كانت تمارس دور المعلمة بالإضافة إلى أدوار أخرى كثيرة بعنصر المفاجأة. أذكر في إحدى المرات التي وجدت فيها المعلمة مجلة "ستار أكاديمي" لدى إحدى الطالبات، طلبت منها بكل هدوء ولطف تمزيق المجلة، صُعق الفصل بأكمله، تحت وطأة إصرار المعلمة اللطيف قامت الطالبة بتمزيق المجلة وإذا بالمعلمة تقبّل رأس الطالبة، صُعقنا مرة أخرى .. لم يكن منظر المعلمة وهي تقبل رأس الطالبة بالمنظر الذي من الممكن أن تراه كل يوم.

كانت دائمًا ما تدعونا إلى احتضان أنفسنا بأذرعنا وتشرح لنا ذلك عمليًا وهي تردد: احضني نفسك، قولي لها أنا آسفة ... أنا أحبك ... كنّا نضحك في داخلنا ... لم يكن منظر الشخص وهو يحتضن نفسه بأذرعه بالمنظر الطبيعي ... قبل سنتين كتبت تغريدة "هل جربت أن تُربت على كتفك بنفسك؟ " نفس المفهوم لكن القناعات تغيرت!!!

في بداية الفصل الدراسي كان يُطلب مشروع موحد تقدمه كل طالبة سواء كان بحث ورقي أو وسيلة تعليمية، في ذلك الفصل الدراسي طلبت مني الأستاذة شيخة بشكل خاص أن يكون مشروعي عبارة عن طباعة صفات المؤمنين التي أتى بها الله عزّ وجلّ في أواخر سورة الفرقان وتعليقها على وسيلة تعليمية، بالرغم من أن سورة الفرقان لم تكن من ضمن المنهج الدراسي، فوجئت من جديد، إلا أني سعدت فقد كنت شغوفة بالأعمال اليدوية حينها، طلبت من أمي "دينا آل محمود" حفظها الله الذهاب إلى "مكتبة دينا" في المحرق، اقتنيت وسيلة صفراء فاتحة تسرّ الناظرين .. وشريط لاصق لامع كقوارير من فضة للصق وتحديد الآيات به على الوسيلة .. أخذتها إلى المعلمة التي أعجبت بها كثيرًا .. توقعت أن تطلب مني تعليقها داخل الفصل الدراسي إلا أنها أخذتها معها ولم أعلم ما سبب ذلك.
 بعد مرور فترة من الزمن ذهبت إلى غرفة المعلمات التي توجد فيها الأستاذة شيخة، كانت غرفة المعلمات الأكبر في المدرسة، فوجئت بوجود الوسيلة معلقة على حائط الغرفة، شعرت بسعادة كبيرة لرؤية اسمي معلق في غرفة المعلمات إلا أني لم أعرف سبب اختيار الأستاذة شيخة لتعليق الوسيلة في غرفة المدرسات عوضًا عن الفصل الدراسي.

مرّت الأيام، وفي كل مرة أستمع فيها إلى أواخر سورة الفرقان تقفز إلى ذهني الوسيلة الصفراء واللاصق الفضي والأستاذة شيخة والسبب الغامض لتعليق وسيلتي التعليمية في غرفة المدرسات!

اليوم بعد أن أصبحت موظفة ولي زملاء عمل، عرفت سبب ذلك ... هل عرفتم أنتم السبب؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر