"فوبيا" الاجتماعات
الاعتذار لكم جميعًا ... في هذا المدونة فقط أرجو أن تغمروني
بتسامحكم ... هنا سأجبّ جميع مفاهيم
الوسطية والاعتدال التي دعوت إليها في المدونات السابقة، أرجو عطفكم وأطمع في
حدبكم وأرغب في تفهّمكم... وسأستغل هذه الفرصة لكتابة كل ما في جعبتي من تطرف
وآراء مطلقة وتعميمات وأحكام مسبقة وصورة نمطية ... لذا ستجدون أن المدونة طويلة بعض
الشيء .. أعتذر مرة أخرى لكن عن الإطالة...
قبل ما يقارب الخمس سنوات وعندما كنت في أوجّ تألقي في
المرحلة الجامعية كتبت عبارة "I Hate Meetings" في مساحة التعريف "Bio"
على حسابي على "تويتر" ،
بتعريفي لنفسي بهذه العبارة كنت أطمح ألا تُوجه لي دعوة لحضور أي اجتماع .. لكن
عبث! كنت أظن أن اجتماعات العمل الطلابي في الجامعة هي أسوء ما قد أواجهه في حياتي
لكني فوجئت باجتماعات تفوقت عليها في السوء بمراحل عديدة مع تغير مسيرتي
العملية... وفي كل مرة أحاول فيها التصالح مع فكرة حضوري لاجتماعٍ ما .. كنت أفشل
بطبيعة الحال .. أعتقد بأني مصابة برهاب "فوبيا" الاجتماعات، لذا حاولت أن أفكك العقد المتكونة لديّ بسبب
الاجتماعات حتى أحلّها:
·
وجدت أن عقدتي الأساسية هي حالة الملل التي
تعتريني في كل مرة أرى فيها دعوة إلى اجتماع ما .. هل تصدقون بأن حالة الملل هذه
تتلبسني ما أن أفتح عينيّ صباحًا وأبدأ بالتفكير في برنامج يومي؟ اكتشفت أن
الاجتماعات هي "منبع الملل" الأول في الحياة .. عندما حاولت فكّ هذه
العقدة وجدت أنها تتكون من عقدّ أصغر يستلزم فكّها أولًا.
·
من هذه العقدّ هي التحسر على الوقت الضائع في
الاجتماعات ، لأن إمكانية بدء أي اجتماع في الوقت المحدد هي مماثلة لإمكانية حصولك
على تنين في حديقة منزلك تمامًا !! أما إمكانية الانتهاء من هذا الاجتماع في وقت
قصير فهو بمثابة إمكانية ذهابك في نزهة مع عائلتك إلى كوكب زحل في يوم من الأيام! تيقن
من أن الاجتماع الذي يتجاوز مدة انعقاده 15 دقيقة يُصنف تحت فئة
"الهراء"!
·
أيضًا عقدة وضع عدد الاجتماعات ومدتها كمؤشر لقياس
حجم وجودة وإنجاز العمل ، الشخص الذي يأخذ بعين الاعتبار هذا المؤشر هو شخص مُحب للكلام
الفارغ وكاره للعمل الجاد.
لكن دعكم من عقدي المتشابكة الآن، هل تظنون
أني رضيت بضياع وقتي في كل هذه الاجتماعات سدىً؟ لا بالطبع، فطوال فترة حضوري
للاجتماعات بالإكراه، حاولت حصر أنواع الأشخاص الذين يحضرون هذه الاجتماعات ووجدت
متعة كبيرة في ذلك حفزتني على حضور الاجتماعات والتركيز على تصرفات وانفعالات
وطبيعة الأشخاص بدل من محتوى الاجتماع الأمر الذي مكنني من الهروب المؤقت من
مواجهة عقدي...
والآن إلى الفقرة الأحب إلى نفسي في هذا المقال
المتطرف –نوعًا ما-، أنواع الأشخاص في الاجتماعات:
1- المتبجّح:
هو الشخص الذي يتلذّذ بالدخول الميلودرامي
المتأخر إلى قاعة الاجتماعات متعذرًا بصوت مرتفع بانشغالاته العديدة الزائفة، ثم
ما يلبث أن يصدّر ضجة اعتذار أخرى لخروجه من الاجتماع بسبب تلقيه لمكالمة هاتفية
غالبًا ما تكون زائفة أو غير هامة، وعند رجوعه مرة أخرى بعد انقضاء دهر من الزمن وقد
نفدت منه كل أسباب التبجّح من حضور متأخر ومكالمات هاتفية، يبدأ بالتناجي مع
الموظف المسكين الذي ساقه القدر للجلوس بقرب هذا المتبجّح، حيث يهمس له بأن وقت
الاجتماع غير مناسب لقربه من موعد الصلاة بالرغم من أنه قد انتهى للتو من تناول
وجبة إفطاره التي قضى فيها ثلاثة أضعاف الوقت الذي يستغرقه الشخص الطبيعي في تناول
وجبته.
هذا النوع من الأشخاص هو النوع المفضل لديّ
على الإطلاق للمراقبة.
1- المتحذلق:
هو الشخص الذي يتحدث بغرض التحدث فقط ويرفض
أن يُقاطع ولو استلزم الأمر أن يواصل حديثه مع شخص آخر في نفس الوقت، يعشق استعراض
ما في جعبته من معلومات ومعرفة وحوادث سابقة، ربما كانت معلوماته دقيقة وصحيحة إلا
أنها لا تمت بصلّة لموضوع الاجتماع، إلا أن هذا المتحذلق يتوق إلى استعراض محصلته
المعلوماتية بصرف النظر عن صلة هذه المعلومات بموضوع النقاش.
في كل مرة ينتهي هذا المتحذلق من حديثه أرغب
في أن أقول له:" شكرًا لك، لكن حديثك القيّم لا يمت بصلة لموضوعنا" إلا
أنني لا أنتمي إلى هذا النوع من الأشخاص في الاجتماعات، لأني أصنف تحت نوع التالي.
2- المستسلم/المؤيد/ المغيّب/الصامت:
هو الشخص اليائس من جدوى الاجتماعات، المستسلم
لدعوات حضور الاجتماعات دون قدرته على رفض الدعوة، المؤيد لأي قرار من
القرارات سواء بالموافقة أو المعارضة، المغيّب عن موضوع النقاش بسبب
انشغاله الحثيث بالهاتف، الصامت طوال الاجتماع، قد يُؤنب هذا المستسلم على
سلبيته وغياب شغفه وانشغاله بالهاتف، وقد يحسّن من وضعه في الاجتماعين القادمين،
لكنه لا بدّ أن يرجع إلى استسلامه.
هذا الشخص من الأفضل ألا يُدعى إلى الاجتماع
حتى لا يبثّ سلبيته ويأسه على الحضور.
3- المتصيد/ المتأهب:
هو الشخص الذي تصل أقصى مساهماته في الاجتماع
إلى التنبيه على الشخص الجالس بجوار الحاسوب إلى أن الـ “Screen Saver” قد ظهر وكأن
حياة الموجودين متوقفة على ظهور الـ “Screen
Saver”،
أما متعته الحقيقية فتبدأ عندما يبدأ أحدهم بالكتابة على الشاشة فتراه يتأهب
للانقضاض على فريسته لأنه يعلم أنه في الغالب تكون لغة الجهاز إنجليزية، إلا أنه
ينتظر حتى تبدأ هذه الفريسة بالكتابة باللغة العربية فتراه يبدأ بالصياح:"
بالانجليزي .. بالانجليزي" فترى تلك الفريسة وقد أصيبت بالفزع وكأنها قد
ارتكب كبيرة بينما جلّ ما فعلته هو إغفال التأكد من اللغة، أما إذا ارتكبت هذه
الفريسة خطأ إملائي فأظن أن هذا المتصيّد قد يرغب بتقديمها إلى المحاكمة قبل تنفيذ
حكم الاعدام عليها، ولو انتظر هذا المتأهب لعدة ثوانٍ لتداركت هذه الفريسة خطأها
بنفسها، دون ترهيب أو رعب أو هلع!
هذا المتصيّد يُفضل أن يُنقل إلى قسم التدقيق
حتى تُستثمر مهاراته في الصيد في مكانها الطبيعي، وحيث الفرائس تستحق أن تصطاد
هناك!
4- المتزمت:
هو الشخص الذي نصب نفسه كسفير للبيروقراطية في
مكان عمله وكأن أماكن العمل تفتقر إلى البيروقراطية، فما أن تُطرح أي فكرة جديدة -نوعًا
ما- حتى يسارع بوأدها مستخدمًا القوانين واللوائح والأعراف التي تشربّها فأمست
تجري في جسده مجرى الدم، هذا الشخص يؤمن بالنظام وبالمنظومة وبالطبقية وبالهرمية
وبالمؤسسية بكل ما فيها من مفاهيم سلبية.
هذا النوع مهم وثمين جدّا للمؤسسات، حيث تتم
صناعته غالبًا منذ نعومة أظافره في بدء توظيفه لضمان تخليد صنم البيروقراطية
وتوريثه إلى الأجيال القادمة.
5- المتفتح:
هو الشخص المناقض للمتزمت، لكن بتطرف أيضًا،
حيث يطرح أفكار جديدة وشطحات عالية بطريقة خيالية أبعد ما تكون عن الواقعية دون
الأخذ بعين الاعتبار لظروف العمل وبيئته، لا يبذل جهد في تطويع فكرته على البيئة
من حوله، يسرح في مجرة لوحده، ثم يشتكي من عدم تقبل أفكاره ومن تنمر المتزمت عليه.
هذا الشخص بالرغم تناقضه مع المتزمت إلا أنه
يحتاج إليه لتطويع أفكاره والخروج بمشروع إبداعي يتوافق مع بيئة العمل.
6- المستفز:
هذا الشخص تنطبق عليه مقولة جدّة والدي –رحمها
الله-:" يوم وزعوا الأدب، في ناس كانوا غايبين"!! وغالبًا ما يكون هذا
المستفز صاحب مشاكل عديدة في العمل، لذا فهو يُدعى إلى الاجتماعات اتقاءً لشره،
والضحية هم باقي الأشخاص الذين يُصابون بأبرز شروره وهي السخرية، فما أن يبدأ
أحدهم بالحديث حتى يبدأ بالابتسام، أو يطلق تعليق خبيث يشكك فيه المتحدث بجدوى ما
قاله للتو. بالطبع هذا المستفز يتغذى على مشاعر الشك والغضب والتوتر التي يخلقها
في من حوله باستهزائه وسخريته، لذا فالحل الأمثل له هو ما يتم عمله مع الملابس
الثقيلة مع انتهاء فصل الشتاء الذي لم يبدأ أساسًا، يجب أن يُغلف هذا المستفز ثم
يوضع في علبة أو حقيبة ويُغلق عليه جيدًا حتى لا تتسلل ذرات الغبار إليه ثم يُركن
على الرف العلوي إلى أجلٍ غير مسمى.
7- المعترض:
جميعنا نعرف هذا الشخص الذي يكاد يعترض على
كل ما يُطرح في الاجتماع، لكن ما أن تطلب منه اقتراح بدائل أو توفير حلول حتى
يُبهت ويوقف سلسلة اعتراضاته مؤقتًا حتى موعد حلول الاجتماع القادم ليبدأ بوضع
اعتراضاته مرة أخرى.
هذا الشخص مفيد جدًا في دهاليز العمل عندما
لا ترغب الجهة بعقد اتفاق مع جهة أخرى لكن لا مفرّ من حضورها للاجتماع، فتراها تُرسل
هذا المعترض ليقوم بتقويض الاتفاق وربما العلاقة بين الجهتين لقرنين قادمين.
8- اللوبي:
عندما يتم عقد اجتماع للتصويت على قرار معين،
ويتفق عدة أشخاص على قرار موحد بينهم قبل الدخول إلى الاجتماع لتشكيل لوبي ضغط.
فيُشعرون من حولهم بالاستغفال والسذاجة.
9- ضيف الشرف:
هو الشخص الذي يعتبر الدعوة إلى أي اجتماع
بمثابة شرف وفخر، فتراه يحضر مزهوًا بكامل أناقته وهندامه، مصطحبًا معه دفتر مختلف
وقلم جديد في كل اجتماع، لا يضيق ولا يتبرم من كثرة الاجتماعات أو طولها أو عرضها.
لا يتأثر بكل ما يدور حوله في الاجتماع.
هذا النوع من الأشخاص لطالما نظرت إليهم
بغبطة شديدة.
10-
النبتة المسكينة:
هي النبتة الموجودة في زاوية غرفة
الاجتماعات، والتي تُسقى بالماء يوميًا وتعيش في ظروف جوية أفضل من النبتات في
الخارج بألف مرة إلا أن النبتات التي في الخارج تبدو أكثر اخضرارًا من هذه النبتة
المسكينة بألف مرة، فهي دائمًا ما تبدو متهدلة وصفراء توشك على الفناء، لأن النبتة
كائن حي يتأثر بالهراء من حوله .. هذه النبتة هي دليل دامغ على أن الاجتماعات هي
انتحار بطيء.
11-
المُجدّ:
أخيرًا، مع النوع النادر الذي إلى هذه اللحظة
أحاول تذكر فيما إذا قد تشرفت بحضور اجتماع تحت إدارته، لكن الذاكرة لا تسعفني.
عمومًا هذا النوع صورته في مخيلتي على أنه منظم وعملي ومتزن وحازم وسريع البديهة،
حيث يرسل الدعوة إلى الاجتماع قبل وقت كافٍ محددًا الأجندة التي سيتم مناقشتها،
وفي يوم الاجتماع يبدأ الاجتماع في الوقت المحدد بغض النظر عن عدد الحضور، ثم يبدأ
بأول بند في الأجندة وينتهي منه سريعًا دون الالتفات لمسرحيات المتبجّح أو أحاديث
المتحذلق أو يأس المستسلم أو انقضاض المتأهب أو شطحات المتفتح أو ضحكات المستفز أو
سهام المعترض أو ضيوف الشرف أو لوبيات الضغط أو تهدل النبتة المسكينة، لأن هدفه
واحد هو تحقيق الهدف من هذا الاجتماع في أقل وقت وبحسم شديد وانضباط جمّ.
هذا الشخص لم يحصل لي إلى الآن شرف حضور
اجتماع بقيادته، أدعو الله أن يرزقني وإياكم حضور اجتماعات عديدة في أزمنة مديدة
بقيادة المُجدّ.
حتى لا أُتهم بأني أتفوه بآراء مطلقة ... مرة أخرى ... الاجتماعات شرّ لا بدّ منه .. لذا فالاجتماعات من الممكن أن تكون فعّالة إذا تم تطبيق الشروط الآتية بحزم:
1- البدء في الوقت المحدد – بمن حضر - !!
2- تعيين وقت محدد لمناقشة كل بند في الأجندة.
3- أخيرًا.. الانتهاء من الاجتماع في 15 دقيقة كحدّ أقصى .. وإلا ... تيقن
من أن الاجتماع الذي يتجاوز مدة انعقاده 15 دقيقة هو الذي صنع كل أنواع الأشخاص
أعلاه.
إلى هنا، أتوقف عن إطلاق الأحكام المسبقة والتفوه بالآراء
المطلقة وتكوين الصور النمطية... وأطمع تفضلكّم عليّ بتزويدي بأكثر نوع الذي لا
تحبذون الاجتماع معه من الأنواع أعلاه.
كما أقدم اعتذاري مرة أخرى لإغفالي –عمدًا- أنواع أخرى
جيدة وعملية من الأشخاص في الاجتماعات، لغرض شخصي بحت ألا وهو اعتراضهم طريق تحقيق
هدفي من هذه المدونة.
مقال ممتع جدا جدا جدا استمتعت بقرائته و هززت رأسي مؤيدة وجود كل الأصناف و وصفها الدقيق ، الأسلللوب رووعة تبارك الله !!
ردحذفعن نفسي لا أحبذ المتبجح و أصنف نفسي كضيفة شرف
" شكرًا لك، لكن حديثك القيّم لا يمت بصلة لموضوعنا"<<<هههههههه بالضبط!!!
اجتمعت منذ فترة قصيرة مع المجد و فعلا كان من أجمل الاجتماعات حتى كنت أحكي عن ذكاء قائد الاجتماع لكل من حولي
سلمت يداك ..