"مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا"




في كل مرة يرى فيها عبارات على ملابسي أو ملابس أخواتي... كان ينادينا لقراءة والتأكد من معنى العبارة .. كان يرفض أي عبارة مكتوبة على قطعة ملابس حتى لو كانت " I Love my Grandpa " وكنت أنا أصاب بالغضب ...
عندما كبرت وأضحيت أشتري ملابسي بنفسي، بتّ أتحاشى شراء أي قطعة ملابس عليها كتابات أو عبارات.

في كل مرة كان يقترب فيها موعد عودته من العمل، كانت أمي تنبه علينا بإلباس أي دمية "باربي" عارية ملابسها أو لفّها بقطعة منديل لأن " بابا تركي ما يرضى " وكنت أنا أشعر بالتوتر...
اليوم وحتى مع اضمحلال مبيعات "باربي"، صرت أرفض أن أرى إحداها عارية بين لُعب فتيات العائلة فأسارع إلى لفّها بقطعة منديل على الأقل ...

في كل ليلة عيد عندما كانت أمي تنقش على أيادينا ما تيسر لها من نقوش الحناء الناعمة تفاديًا لازدحام صالونات التجميل، كنت أطلب منها نقش خاتم على إصبعي أو إسوارة على معصمي من الخارج، كانت ترفض بحجّة أن " بابا تركي ما يرضى " وكنت أنا أشعر بالحنق..
اليوم أمسيت أنفر من فكرة وجود الحناء على اليد من الخارج !!

في صباحات الجُمع التي كنت أقضيها في بيته بعد قضائي لليلة الخميس فيها، كان يطلب مني تسميع سورة الكهف له بعد تناوله لوجبة الإفطار وقبل ذهابه إلى صلاة الجمعة وكنت أنا أشعر بالغبطة من حفظه المتقن...
اليوم أصبحت أتذكره في كل مرة أقرأ فيها الكهف من يوم الجمعة  دون النظر إلى المصحف...

عندما طلبت منا معلمة الأحياء في المرحلة الثانوية إحضار "سمك قرش صغير " للتشريح في حصة المختبر، ذكرت هذا الطلب التعجيزي على سبيل الضحك في التجمع العائلي، وإذا به يذهب إلى السوق المركزي لإحضاره إليّ، كنت أنا الطالبة الوحيدة التي استطاعت تلبية هذا الطلب التعجيزي ...
اليوم تيقنت بأهمية العلم وطلب العلم والحث على طلب العلم لي ولكل من حولي ..

عندما أصبت بـ "لوثة القراءة"* لم تتمكن مكتبة أبي حفظه من احتواء هذه اللوثة، فلجأت إلى مكتبته ... في البداية كنت أستعير الكتب بنيّة إرجاعها بعد استئذانه وكان هو يضحك ويقول " حلالج يبة"...
اليوم أضحيت أستعيرها بنية عدم إرجاعها وبدون استئذانه ...

أعلم بأن كثير من الضوابط أعلاه أمست أخف شدّة على الجيل الذي يصغرنا من الأحفاد، لكني اليوم أحمد الله أني كنت من الجيل الأول الذي طُبقت عليه هذه الضوابط التي كنت أشتكي إلى الله منها في صغري واليوم أحمد الله عليها ... ضوابط كالأوتاد ثبتت أركاني يوم كانت أطرافي غضّة سهلة التشكّل ...

هذا ما وجدت عليه أبي وجّدي " محمد تركي آل محمود " ... أدعو الله أن يطيل في عمره ويبارك في عمله ويجزيه عنّا جميعًا خير الجزاء...

*لوثة القراءة: مصطلح يطلقه الدكتور حسن مدن على من يحبّ القراءة.





تعليقات

  1. الله يرحمه ويغفرله ويسكنه فسيح جناته

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكتئاب ما بعد الحج

مقاصل الكتب*

"أجاثا كريستي" وتغيير الصورة النمطية للكاتب المؤثر