هواية الوصاية ....
"
أريد أن
أخبرك بأن فراق جامعة البحرين صعب جدًا ...
وبأنه من
تعوّد على السعي بين العمادات والكليات والمكاتب في الجامعة ... سيُضرب على رأسه بمطرقة في أوساط العمل
الجامدة ...
وبأنكِ الآن
وإن باتت حدود معارفك تبدأ برئيس الجامعة مرورًا بالعمداء ورؤساء الأقسام إلى
العمال في الكلية .. فهي ستضيق بك حد الاختناق في أوساط العمل ...
وبأن مبادئك
التي تتغنين فيها الآن ستٌختبر وستكون على المحك وستدخل معارك وغزوات لا يعلم
عددها إلا الله ..
لكن ..
لا أريد
ممارسة الوصاية عليكِ ...
أريد لك التحليق والتنقل والهجرة بين الأماكن
والأمصار بعد التخرج ...
أريد لك ممارسة الخطأ والصواب والنصر والهزيمة
والفرح والحزن والندم والامتنان والعطاء والشح ... أريد لك أن تكون لك تجربتك
الخاصة والمميزة والغنية والثرية ...
"
الفقرة أعلاه
جزء من رسالة طلبت مني فاطمة الكوهجي "فراشة كلية الآداب" كتابتها إلى
نورة الكوهجي "رئيسة كلية الآداب"* بمناسبة تخرجها.
حاولت جاهدة
أن لا أمارس سلطة الوصاية على نورة في هذه الرسالة، لكن كما هو واضح أعلاه لم
أستطع منع نفسي بطبيعة الحال !!
ربما لأني
الوصاية مورست عليّ منذ الأزل ... وأنا نفسي مارستها مرارًا ... جميعنا مارسنا
الوصاية عن قصد أو غير قصد ...
مهلًا ..
ربما تسرّعت ولم أوضح لكم ماذا أقصد بالوصاية...
أنا هنا لا
أشير إلى وصاية الوالدين ... فتلك وصاية محمودة، ولست بصدد مناقشة الاستثناءات
التي قفزت في ذهنك الآن!!!
لم أكن أعلم
ما هي الوصاية ، لكن كنت أعرف المشاعر التي كانت تنتابني في كل مرة كانت تُمارس عليّ إلا أني كنت لا
أستطع تصنيفها أو تسميتها... كانت تنتابني نوبة من الغضب ... غضب بسبب الظلم الذي
يقع عليّ في كل مرة تبادر إحداهن بممارسة هواية الوصاية عليّ ...
خصوصًا ...
خصوصًا ... عندما ألتقي بطالبة أكبر مني سنًا في دفعة سابقة ... سواء في المدرسة
أو الجامعة أو في إحدى الأنشطة التطوعية ... فما أن تبدأ هذه الطالبة بالتغنّي في
أمجاد دفعتهم وإنجازاتهم وليس ذلك فحسب، بل تتمادى إلى أن فترة التألق والعطاء
كانت في أوجها في تلك الأيام، في إشارة واضحة إلى أن الأجيال اللاحقة لا ترقى إلى
مستواهم حتى وإن لم تصرح بذلك حرفيًا .. من غير أي اعتبار للتغيرات في اهتمامات المجتمع ... وبأن ما كان يصلح لزمنهم الغابر لن يصلح بالضرورة لزماننا الحاليّ
...
لكنّي أنا
نفسي أتوق إلى ممارستها في أحيان عديدة ... خصوصًا عندما أرى فتيات المرحلة
الثانوية بالذات ..
أتحرّق إلى
الهمس في أذن فتاة الثانوية تلك... الغضّة
... المبهرجة ... المنتشية بخروجها مع صديقاتها في المجمع التجاري يوم الخميس
ليلًا... والتي ربما دخلت في معركة مع والديها من أجل الخروج إلى المجمع وسعت بين
" اسألي أمك .. اسألي أبوك " حتى تمكنت من الانتصار أخيرًا .. بأن هؤلاء الصديقات اللاتي تكادين تقسمين
بأرواحهن ولا تملّين من لقاءهن طوال اليوم في المدرسة ... ومن ثم الحديث معهن على
الهاتف ... بأن صداقتهن.. صداقة عابرة .. هشيمًا يذروه
الرياح ... صداقة منهارة ... صداقة زائلة ... صداقة كُتب لها أن تتحول إلى زمالة ..
صداقة مختومة بالفراق الوديّ... ليس لخطأ في اختياركِ ... أو لهفوة ستصدر من
صديقتكِ ... بل هي الحياة هكذا ... الحياة ستدفع كل واحدة منكن في تخصص جامعي
مختلف ... وربما في جامعة مختلفة ... نمط حياة مختلف ... نمط حياة يفرض صداقات
جديدة .. وهكذا ...
لكني أقاوم
توقي الشديد ... وأريد لهذه الفتاة الغضّة المبهرجة أن تعيش كلا التجربتين، بكل ما
في التجربة الأولى من انتشاء واكتفاء وشغف، وبكل ما في التجربة الثانية من وعي ونضوج
وربما صدمة.*
وبالمثل
بينما هناك من يسبّ ويلعن أيام دراسته الجامعة بعد تخرجه، على النقيض هناك من
يتغنّى بأن أمجاده بدأت وانتهت في الجامعة وبأن الجامعة هي من أجمل الأشياء التي
حصلت في حياته، وكلا الطرفين يريد فرض هيمنته على الطلاب المستجدّين المساكين
الذين تصل أقصى أمنياتهم إلى التعرف على أماكن فصولهم للوصول قبل بدأ المحاضرة.
ربما كانت الفئتان أعلاه أقل ضررًا من تلك الفئة
التي تحاول ما استطاعت ثني طلبة الجامعة عن بذل الجهد والعمل الجاد للنجاح والتفوق
بحجة أن التوظيف يعتمد على الواسطات، وبأن الوظيفة لا تستحق كل هذه الضغوطات التي
يضع الطالب نفسه في خضمّها، في حين أن لديه الفرصة في اختيار نمط الحياة القائم عن
التغيب عن المحاضرات ومن ثم نسيان أوقات الامتحانات وأخيرًا التودد من الأستاذة للوصول
إلى درجة النجاح لأن " الـF عاااادية كلش في جامعة البحرين ...أصلًا محد يتخرج من غير F" .. ربما يكون هذا الخيار مريح نعم لكنه مذل وهادم لكرامة الطالب ومؤشر
لسلوكه المستقبلي في الوظيفة ... المخيف في الأمر حقًا أن تصدر مثل هذه التوصيات
المطلقة من أناس يحتلّون مناصب حساسّة وعالية في المنظومة ...!!
وبطبيعة
الحال هناك فئات أخرى تظهر مع تطور الكائن البشري في الحياة العملية والتحاقه
بجهات عمل مختلفة، فعند التحاقك بوظيفتك الأولى وفي أوج اندفاعك وقبولك بأي مهمة وأدائها
بالسرعة القصوى بكل دقة واتقان، لا بدّ أن تجد من يهمس لك من الموظفين الذين قضوا
عقود في نفس الوظيفة، تجدهم يهمسون لك بما وبما يشبه النصيحة المسمومة بضرورة التأني
والبطء وتأجيل بعض المهام..
ويواصلون
فحيحهم بتبريرهم السمّي لذلك بقولهم:" باندفاعك هذا فإنك تعطي الإدارة فكرة
أن فريق العمل قادر على حمل عبء هذه المهام، وبالتالي فإنه لا أمل من توظيف موظفين
جدد -يشاركونهم وجبة الإفطار والغداء ووقت الشاي-، وبذلك فإنك ستضحي الملام
هنا على تكدس المهام -والتي في الحقيقة من الممكن أن تؤدى بربع الوقت الذي
يؤديه فيه هذا الناصح- "
والأدهى من
ذلك هو تغليفهم لهذه النصيحة بروح العمل الجماعي وتحدثهم بلسان هذا الموظف المبتدئ
المسكين، وطمسهم لأي محاولة لهذا الذي يلهث لإثبات كفاءته بكل الطرق الممكنة وتثبيطهم
لمحاولات بثه روح جديدة في مكان العمل.
ختامًا .. إذا
عزمت على ممارسة الوصاية ...
مارسها لكن بشجاعة
... تغلّب على تجربتك الشخصية ...
مارسها لكن
بإنصاف ... اطرح جميع التجارب من حولك...
مارسها لكن بوسطية
... اترك عنك الآراء المطلقة ...
مارسها لكن
بحيادية ... اقتصد في مشاعرك المتحيّزة...
مارسها لكن بنزاهة ... اهدف إلى منفعة من أمامك لا الانتصار لتجربتك ...
مارسها لكن بنزاهة ... اهدف إلى منفعة من أمامك لا الانتصار لتجربتك ...
عندها فقط ...
ستصبح وصايتك محمودة ...
ستصبح وصايتك محمودة ...
ستضحي وصيّ حكيم ...
ستمسي ملاذ حقيقي وملجأ تلقائي ... أو بلهجتنا ستمسي "مردّ راس"
للكثيرين من حولك...
*توجد حالات استثنائية عديدة تمتد صداقتهم من المرحلة الابتدائية أو من الروضة ربما إلى اليوم، أدعو الله أن يظلهم بظله ويجمعهم في جنّات النعيم.
تسسلللم يدددج و يسلم مخخخج الراقي الفاهم ما شااااء الله <3 <3 <3 <3 كلاااامج غير انه وااااايد حلو , حده صحاني على نفسي لاني امارس هواية الوصاييية للاسف بس والله كلااامج يدددش القلب دايركت و يوعيييه <3 <3 استمررري في ابداعاتج يا الغالية <3
ردحذفالكاتب يستمدّ جزء كبير من إصراره على الاستمرار من قرّاء أوفياء أذكياء مثلكِ تمامًا .... كلمة شكرًا لا توفي حقًا تجشمك لعناء قراءة والرد على المدونة ... لطفك يغمرني دائمًا يا ناشرة البهجة الأولى في الكرة الأرضية أو ربما في مجرة درب التبّانية بأكملها ...
حذف