عوالم متوازية
يحكي فلم “The Others” الذي أحب
تصنيفه ضمن فئة أفلام الرعب الراقية دون ابتذال "Classy Horror" ، يحكي هذا الفلم قصة أم
-تقوم بدورها الممثلة الاسترالية "نيكول كيدمان"- تعاني مع أبنائها من
وجود أرواح تشاركهم منزلهم الضخم العتيق الكئيب، وكعادة أفلام الرعب تكون هذه
الأرواح مصدر رعب وإزعاج للأسرة بسبب الأصوات المخيفة التي تتسبب بها من خلال صفق
الأبواب وسحب الأثاث، ومن جهة أخرى تتصادم "نيكول كيدمان" مع ابنتها
التي تقسم على وجود صديق لها يدعى "فيكتور" بينما تصر هي على أنه صديق
من نسج خيال ابنتها المتمردة. ينتهي الفلم بصدمة جماعية للمشاهد ولبطلة الفلم على حد
السواء، حيث تكتشف "نيكول" أنها هي وأبنائها هم الأرواح وأن الأصوات
التي كانت تسمعها ما هي إلا أصوات البشر الذين يحاولون طرد أرواحهم هي وأبناءها من
المنزل بعد أن ضاقوا ذرعًا من الضجيج الذي تسببت به "نيكول" مع أبناءها
وذلك من خلال إحضار وسيطة روحية تقوم بجلسات لتحضير أرواحهم هم ... خلاصة الفلم هي
في اسمه "The Others"
حيث يتضح في النهاية أن كل فئة من الناس تنظر إلى الفئة الأخرى على أنها هي الفئة
الدخيلة التي تُلقب بـ"الآخرين" أو "العامة".
ما دفعني إلى
تذكر تفاصيل هذا الفلم، هو "مهرجان الفعاليات الفسيفسائي" الذي تعيشه
بحريننا الحبيبة هذه الأيام، فمن مهرجان البحرين للأطعمة ... إلى معرض البحرين
الدولي للكتاب ... إلى سباق " الفورملا " السنوي ... إلى أمسيات شعرية
وحفلات غنائية ... إلى تحديات لكتابة الرواية ... ومسابقات لحفظ القرآن الكريم ... ومع اقتراب شهر رمضان ستنتشر إعلانات
الفعاليات الإيمانية وبرامج الجوامع والمساجد .. ويجدر بنا أن لا ننسى إعلانات
معارض التسوق والخيم الرمضانية .. ومع انتهاء الشهر الفضيل ستظهر إعلانات
المسرحيات بالتزامن مع عيد الفطر ... ومع بدء إجازة الصيف سنشهد تنافس محمود بين
مؤسسات المجتمع المدني لطرح برامجها الصيفية النوعية ... ثم تدور الدائرة ... وهكذا
..
فسيفساء
متنوعة إلى حد التشظّي ...
هذه
الفسيفساء بضخامتها وتنوعها واختلافها ينتج عنها سؤال واحد يتيم، يُطرح بصيغ
مختلفة!
أكاد أجزم
بأنه مع نزول كل إعلان من إعلانات إحدى الفعاليات أعلاه في الشوارع أو الجرائد أو
وسائل التواصل الاجتماعي يُطرح السؤال اليتيم بصيغه المختلفة كالتالي:
" من يروح الفورملا أحين؟"
ومع ذلك
بالنسبة والتناسب لا بدّ أن تجد أحد معارفك قد ذهب إلى "الفورملا" من خلال
تصفحك لتطبيق "سناب جات"!
" من
صجهم حفلة ويايبين نبيل شعيل وعبدالله رويشد؟"
ومع ذلك تجد
صفحة " الاكسبلور" في تطبيق "الانستغرام" تضج بمقاطع من تلك
الحفلة!
" أووه
شخباري معرض الكتاب!!"
ومع ذلك تجد
الطريق الوحيد المؤدي إلى قلعة عراد حيث أقيم معرض الكتاب هذا العام مزدحم طوال اليوم
في ساعات الذروة وفي غيرها!
" إي
عاد هالمسابقات يسوونهم حق ربعهم بس عشان يفوزونهم!"
ومع ذلك
تُقام المسابقة وتُعلن النتائج وتجد ناس ليسوا "من ربعهم" وقد حصدوا
المراكز الأولى!
"
استغفر الله هالخيم الرمضانية يستوي فيها اللي ما يستوي في غير رمضان، في أحد
بيضيع أجره مناك؟!"
ومع ذلك تجد
مجلة ليالينا وقد حُمّلت وزر تغطية اكتظاظ هذه الخيم وتصوير روادها الفرحين
بإرادتهم!
" والله
الواحد أحسن له يصلي في بيتهم عن الهيّلة في المسايد!-ربما يصدر هذا التعليق من
امرأة-"
ومع ذلك تجد
بعض المساجد وقد اضطرت إلى تخصيص جزء من مساحة مصلى الرجال كمصلى للنساء إضافي
نظرًا لامتلاء مصلى النساء الأساسي عن بكرة أبيه!
"
هالمسرحيات من إعلاناتهم بس يبينون انه وطابة وثقالة ويقولون لك المسرحية الفكاهية
الهادفة .. أي هادفة الله يعافيكم؟!"
ومع ذلك تجد
أن المسرحية قد مددت عروضها نظرًا للإقبال الشديد على حجز التذاكر!
في كل ما سبق
كانت هناك فئة تنظر إلى الفئة الأخرى التي ستحضر الفعالية بأنها الـ "The Others" أو الـ"هم"!
الناظر إلى
هذه الفئات من الأعلى سيرى عوالم متقاطعة ... عوالم يعيش سكانها معًا ... ويذهبون
إلى أماكن العمل معًا ... يعبرون نفس الطرق والشوارع ... يرتادون نفس المطاعم والمجمعات ... ربما يسكنون
في نفس المنزل أيضًا ...
إلا أن سكان
كل عالم يرون في عالمهم أنه هو العالم الرئيسي والمحوري وأن كل ما حولهم هي عوالم
ثانوية موازية لا تتقاطع معهم في أي شيء!
أنا الأخرى
لا أنفي عن نفسي هذه الرؤية المحورية، لطالما طرحت الأسئلة أعلاه، وربما تطرّفت
أكثر، ففي كل مرة أذهب فيها إلى "مدينة حمد" لأداء واجب العزاء لإحدى
الصديقات أو الأخوات أكتشف أو أتذكر بأن هناك عالم آخر قائم بمنازله ومدارسه
وشوارعه ودواراته ومساجده وأسواقه ومراكزه الصحية وسكانه، أنا التي أظن أن العالم
قائم ومتمحور حول "أم المدن" مدينة المحرق فقط! أمر مضحك أليس كذلك!*
الحقيقة
المجرّدة بأننا نعيش في عالم واحد فقط، ما يصنع هذه العوالم الموازية هي اختلاف ما
اعتدنا عليه فقط وطريقتنا في تقبل هذا الاختلاف!
ختامًا: "إننا بحاجة إلى تدريس أدب الخلاف
في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا، وتدريب الشباب والفتيات على ممارسته عمليًا، ليتحول
إلى عادة وعبادة في الوقت ذاته". سلمان العودة من كتاب كيف نختلف.
*ربماأمتلك العذر في ذلك،
فكون المطار الوحيد في البحرين موجود في المحرّق يبرر لي ظنّي بأن العالم يتمحور
حول المحرق! حجّتي مستهلكة أليس كذلك؟ حسنًا، لا عذر لي ☺
صصصحححح واااااايد صصحححح
ردحذفنوووور ما شاء الله عليج يبتيها و أبدعتيي في سردها
صج صج صج تسلم يدج و يسلم عقلج و إلهامج على هالموضوع اللي في الصميم
Just like the mockingjay .. "You don't disappoint"-Haymitch