ترف الأسئلة -2-
جئتكم اليوم ببشرى عظيمة؛ فقد شاء الله أن أجد إجابات
بعض الأسئلة المترفة عن طريق الصدفة المحضة ...
عندما طرحت تلك الأسئلة المحمّلة بالشكّ، كنت أنا محملة باليقين
بأن الله لن يدعني حائرة ...
كنت واثقة من وجود إجابات بالفعل حتى وإن لم تكن مرضية، ما يهم
حقًا هو وجود إجابات على بعض هذه الأسئلة...
ربما كانت هذه الإجابات موجودة أصلًا...
☼ في أصوات تلاطم الأمواج داخل قوقعة وضعتها على إذنك
وأنت تقف على شاطئ البسيتين...
☼ أو في نداء مئذنة مسجد كورنيش الغوص الذي جاء ليلفت
انتباهك إلى جمال منظر المنامة عن القطط التي تتسكع حولك ...
☼ أو في سكون الخندق حول قلعة البحرين في صبيحة يوم عمل،
قررت فيه زيارة القلعة إلى حين حلول موعد دورتك في معهد الإدارة العامة...
☼ أو في رفرفة علم البحرين على جسر الشيخ عيسى المؤدي
إلى المحرق، في نهار شتوي لطيف أنزلت فيه نوافذ سيارتك للترحيب بنسمات المحرّق
التي تتشوق لاستقبالك...
☼ أو ضمن أحاديث
سمعتها في ممر "الداعوس" في سوق المنامة، يوم تجشمت عناء الذهاب للإفطار
هناك في صباحات يوم السبت...
☼ أو تحت جناح طائر فلامنجو في دوحة عراد رآك تقترب منه
فابتعد عنك خجلًا ...
☼ أو في صوت النوارس المحلّقة على الإسكلة في منتزه
خليفة، حيث تنتهي حدود مدينة الحدّ ، والشمس ترحل أمام عينيك خلف مباني الجفير؛
حتى تتيح لك رؤية بعض الإجابات التي لطالما كانت موجود أمامك أصلًا...
في الأسبوع الفائت طلب منا أستاذ مقرر مهارات التفاوض "Negotiation Skills" في الجامعة الامتناع عن ممارسة التصنيف المسبق أو الـ "Stereotyping "، إلا أنه استدرك القول بأنه لو ألح هذا التصنيف بالظهور تلقائيًا في أكثر من مناسبة، فإنه يتحتم علينا البدء بالبحث للتأكد من أن هذه الصفة ليست
تصنيف مسبق بل صفة ثابتة لا يمانع من يُصنف في إطارها أن يوصَف بها. أعترف بأن هذه الطريقة قد أزاحت شيئًا من
الثقل الجاثم على صدري.
إلا أنه بطبيعة الحال كانت هذه الراحة لحظية فقط، فبمجرد
أن سقطت بعض تلك الأسئلة المترفة التي أجيب عنها من مكانها، تزاحمت أسئلة مترفة
أخرى لاحتلال مواقعها، وأنا بطبيعتي التي تعشق الشقاء في التفكير العميق والتحليل
الزائد والالتفات لملاحظة وتأويل أدق الأمور، سمحت لتلك الأسئلة المتزاحمة
أن تتربع على هذه المواقع الشاغرة، وأنا هنا اليوم لأشارككم هذه الأسئلة، فليس من
العدل أن أشقى في النعيم لوحدي كما يقول المتنبي!
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بأي فرصة وظيفية تُعرض علينا حتى لو لم تتناسب مع مجالات دراستنا أو
ميولنا؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بالحدّ الأدنى من التطور الوظيفي على مستوى التدريب
والتطوير وقد ينعدم هذا الحدّ الأدنى بحيث يكاد ينهي الموظف خمس سنوات على رأس العمل
دون حضوره لدورة تدريبية واحدة؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بصرف مبالغ طائلة للتسجيل في دورات تدريبية وبرامج
أكاديمية خارج وقت الدوام، ومن ثم لا تعود هذه الدورات والبرامج بفائدة على المستوى
الوظيفي ولا تؤخذ بعين الاعتبار؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول ببقاء الوضع
الوظيفي كما هو دون ترقيات أو امتيازات أو موافقات على الإجازات؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بالسكوت عن ما يحدث حولك، حتى لو كان الفساد ينهش* ويكاد يصل إليك- *كما يحب أن يصفه الأستاذ أسعد طه-؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بوظيفة ذات راتب متدني أبعد ما يكون عن إحصائيات
الترهات التي تُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي عن متوسط راتب الموظف المرتفع في
المنطقة؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بالمشاركة في منظومة البيروقراطية البالية التي تتأصل
يومًا بعد يوم بدل من أن نتخفف منها؟ مع العلم بأن البيروقراطية من أصنام القرن
الـ21!
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بتطاول المراجعين والموظفين الآخرين عليك حتى لا تخسر
وظيفتك؟
·
هل الشّح الشديد في الوظائف هذه الأيام يعتبر
سبب مقنع للقبول بمنطقة الأمان الخانع – كما تصفها أجاثا كريستي ملكة
الأدب البوليسي- التي توفرها الوظيفة
الحالية بالمعايير الأدنى، خوفًا من خوض مغامرة الخروج من هذه المنطقة وما يترتب
على هذا الخروج من مخاطر أو كما يُقال باللغة الدارجة " يود مينونك لا اييك
اللي أينّ منه؟َ"
أو كما تقول أجاثا كريستي على لسان البطل المجرم في رواية " ليل لا
ينتهي":" لقد أرادوا
لي أن
أوفر المال، ثم أستقر
في وظيفة
جيدة مستقرة
يومًا بعد
يوم وسنة
بعد أخرى
إلى أن
يشاء الله ... ولكن ليست
هذه الحياة
بالتي تروق
لي، لا
بد من
وجود شيء
أفضل من
ذلك ولا
يُعقل أنه
لا يوجد
أمامنا إلا
هذا الأمان
الخانع
..."
أعتقد بأني أملك جواب على الأسئلة المثقلة بالترف أعلاه
... جوابي هو " نعم " ..
هذا الجواب المترف هو الآخر سيخلق سلسلة أسئلة ثقيلة تبدأ
بـ "كيف؟" ... سلسلة سأظلّ أسحبها من خلفي حتى يحين الموعد الثالث لطرح
الأسئلة المترفة...
أخيرًا، تمكنت من الكشف عن قاعدة لعبة "ترف الأسئلة"
... والمضحك بأنها قاعدة بسيطة وصعبة للغاية ...
القاعدة تنص على أنه: "حتى
تتمكن من طرح دفعة جديدة من الأسئلة ... يجب أن تأتي بإجابات عن أسئلة الدفعة السابقة"
....
تعليقات
إرسال تعليق