نظرية الألفة ...
*ابن
السبيل هو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به
على سفره وسمي ابن السبيل نسبة إلى السبيل وهي الطريق؛ لأن استدامة السفر يجعل
الطريق مثل الأم؛ لملازمته لها، يشترط لأخذ ابن السبيل للصدقة أن يكون فقيرًا في
بلد السفر، وإن كان غنيًا ببلده.
هل خطر لك قط
وأنت تقرأ آية " ... وابن السبيل .. " بأنه من الممكن أن تمسي " ابن السبيل*"
هذا في يوم من الأيام ؟
وبأنه لو
قُدر لك أن تختار أي البقاع التي ترغب بأن ينقطع بك السبيل فيها، على أي الأماكن سيقع اختيارك؟
وما الذي يمكنك عمله بمبلغ الزكاة
الذي سيُخصص لك؟ هل ستقبله للرجوع إلى بلدك أم ماذا؟
أنا لا أعلم
ما هي الفتوى بهذا الشأن، لكني بالتأكيد سأستفتي مفتي الديار التي انقطع بي السبيل
فيها بأن أبقى فيها...
فلا ضير أن
يبقى الشخص في بلده إذا انقطع سبيله فيها!
لكن هل من
الممكن أن ينقطع بك السبيل في بلدك؟
نعم ممكن
ذلك؛ إذا انقطع السبيل بك في البلد الذي لطالما اعتبرته بلدك الثاني...
ألِفك وألِفته
....
المقياس
الفعلي لحقيقة مشاعرك تجاه البلد الذي تعتبره بلدك الثاني هو رغبتك بالبقاء فيه
إذا انقطع بك السبيل فيه..
عندما حاولت استخدام هذا المقياس، قفزت إلى ذهني ذكرى ذهابي في
رحلة عمرة إلى مكّة قبل خمس سنوات– حينها كنت أغرق في لجَج دراستي الجامعية
بالتحديد- كان تعليقي على هذه الرحلة بأني لا أريد العودة إلى وطني- مع الاحتفاظ
بقدره العظيم في قلبي-، وبأني سأكتب رسائل تقريع وشجب وشكوى إلى أساتذتي الجامعيين
محذرةً إياهم بأني سأشكوهم إلى الله على ظلمهم وإهمالهم لواجبهم الأكاديمي-ربما
أكون قد بالغت قليلًا-، وبأني سأتقدم بطلب عمل في الحرم المكّي بخبرتي المتواضعة
في هندسة الحاسب الآلي حتى أحوز على شرف خدمة الحرم. بعد استرجاع هذه الذكرى تيقنت
بأني سأتشرف لو انقطع بي السبيل في مكّة المكرمة.
اطمأننت الآن بأن لديّ إجابة واضحة ومباشرة على التساؤلات أعلاه، لكن هذا الاطمئنان لم يستمر طويًلا؛ شعرت بوجود ذكرى تحاول النهوض من أقبية الذاكرة، ليست بالذكرى الحقيقية جدّا، ذكرى تكونت من كثرة التخيّل والمطالعة، ذكرى ذهبية مشعّة مباركة تحيطها أشجار الزيتون العتيقة، ذكرى تكونت من متابعاتي الغزيرة لحسابات تحمل اسم القدس وتنقل لنا صور ومقاطع "فيديو" للمسجد الأقصى ومعالم القدس وأزقتها وحاراتها ومنازلها ومدارسها وأسواقها بصورة مباشرة في وسائل التواصل الاجتماعي. وجدت بأني سأسعد جدًا لو انقطع بي السبيل في أرض المعراج أيضًا.
إذًا فإنه من الممكن أن تألف مكان وأنت لم تزره قط .. جميل جدًا.... والأجمل هو أنني أضحيت أنتمي إلى ثلاثة بلدان بحقّ.
اطمأننت الآن بأن لديّ إجابة واضحة ومباشرة على التساؤلات أعلاه، لكن هذا الاطمئنان لم يستمر طويًلا؛ شعرت بوجود ذكرى تحاول النهوض من أقبية الذاكرة، ليست بالذكرى الحقيقية جدّا، ذكرى تكونت من كثرة التخيّل والمطالعة، ذكرى ذهبية مشعّة مباركة تحيطها أشجار الزيتون العتيقة، ذكرى تكونت من متابعاتي الغزيرة لحسابات تحمل اسم القدس وتنقل لنا صور ومقاطع "فيديو" للمسجد الأقصى ومعالم القدس وأزقتها وحاراتها ومنازلها ومدارسها وأسواقها بصورة مباشرة في وسائل التواصل الاجتماعي. وجدت بأني سأسعد جدًا لو انقطع بي السبيل في أرض المعراج أيضًا.
إذًا فإنه من الممكن أن تألف مكان وأنت لم تزره قط .. جميل جدًا.... والأجمل هو أنني أضحيت أنتمي إلى ثلاثة بلدان بحقّ.
ربما بعد هذا
الموقف تكونت عندي "نظرية المؤامرة" .. عفوًا أقصد "نظرية
الألفة" .. أعتقد بأنه درجت ألسننا على النطق بـ"نظرية المؤامرة"
حتى نسينا غيرها من النظريات ...
عمومًا .. "نظرية
الألفة" هذه تنص على أنه:
" هناك
أماكن تسلب جزء من روحك بصورة تلقائية تمامًا، بحيث أنك لو شعرت بالضيق في أي مكان
تتواجد فيه، تذكّر دائمًا المكان الآخر الذي ألفته وألفك، ووضعت جزء من روحك فيه،
لا زال بإمكانك اللجوء إليه والاحتماء به، سيعوضك عن مشاعر الحرمان والغربة ولن
يخذلك أبدًا"
هذا بشأن
ألفة البلدان عمومًا، ماذا بشأن الأماكن التي تتكون منها البلدان، هل من الممكن أن
تألفها بانتقائية؟ لنأخذ المسجد كمثال على ذلك...
صلاة
التراويح هي العلامة الفارقة الكبرى لاستشعار شهر رمضان، يختلف الناس عليها
اختلافًا محمودًا، فبينما ترى من يبحث عن المساجد التي تؤديها في عشرين ركعة، ترى
البعض الآخر يقوم بمطاردة بوليسية من بعد الإفطار خلف المقرئ الذي يطرب لتلاوته
بحيث تكون هذه المطاردة على مستوى البلد بأكمله، لا يهمه إذا كان المسجد الذي
سيصلي به هذا المقرئ في غرب البلاد وهو في شرقها، ما يهمه حقًا هو حجز مكان في
صفوف المسجد بغض النظر عن الجهود الي يُضطر إلى بذلها، بالتأكيد نحسب أن الهدف
الأساسي من هذه المطاردة هو الرغبة الصادقة في تحقيق أعلى درجات الخشوع والتدبر. باختصار
ترى هذا الشخص وقد ألِف المقرئ لا المسجد، لم يتعلق بالمكان أبدًا، ولم تختلط روحه
بروح المسجد، أقصد بالمسجد كبناء وأبواب وسجّاد ومواقف للسيارات، لذلك لا ضير لديه
بتغيير المسجد الذي يصلي فيه يوميًا، ولا يشعر بالغربة أبدًا طالما أن صوت هذا المقرئ
يُتلى على مسامعه من بعد ارتفاع أذان العشاء يوميًا.
أما القلة
الأخيرة فتراها دائمًا ما ترغب بالاستقرار في مسجد واحد طوال الشهر بغض النظر عن المقرئ،
ويُفضل أن يكون هذا المسجد بالقرب من المنزل ولا يرتاده إلا عدد قليل من المصلين، تجد
هذه الفئة وقد ارتبطت بالمسجد كبناء بأبوابه وسجّاده وحامل المصاحف فيه، لا يُشترط
أن يكون المسجد ذا طراز معماري فريد أو حديث البناء، يكفيها أن نفسها قد اطمأنت
للمكان، وروحها قد امتزجت بجو المسجد، لا تهتم كثيرًا بصوت المقرئ بقدر ما يهمها
فهم الآيات، لديها القدرة على الخشوع والتدبر في المحتوى بصرف النظر عن الطريقة
المستخدمة لإيصال هذا المحتوى، وربما تراها أيضًا تُظهر الضيق إذا حلّ أحد
المقرئين المشهورين ضيفًا على المسجد لاكتظاظ المكان على غير العادة. باختصار ترى
هذا الشخص وقد ألِف المسجد لا المقرئ ، يشعر بالغربة إذا اضطر إلى تغيير المسجد،
لا يعنيه تبدّل الأشخاص حوله بقدر ما يهتم ويغتم لتغيير المكان.
المقياس
الحقيقي لمعرفة فيما إذا كنت تألف المسجد أو المقرئ هو شعورك تجاه هذا المسجد بعد
انقضاء شهر رمضان، إذا وجدت أن العزاء في انقضاء الشهر هو إمكانية الاستماع إلى
هذا المقرئ في أي لحظة فقد ألِفت المقرئ بلا شك، أما إذا كان عزاؤك في أن هذا
المسجد سيبقى ينتظرك ويفتح أبوابه لاحتضانك في أي وقت فقد ألِفت المسجد بالتأكيد.
هذا بشأن
ألفة الأماكن التي تتكون منها البلدان، ماذا لو تعمقنا قليلًا إلى الزوايا التي
يتكون منها المكان الواحد؟
من أبرز الأمثلة هو مقاومتك لأمر المدرس حين
يطلب منك تبديل مكان جلوسك في الفصل، أو صدمتك عند دخولك أحد فصول الجامعة لتجد أحد
الأشخاص وقد جلس في مكانك المعتاد، أو حزنك لحصولك على مقعد بعيد عن النافذة في
الطائرة أو بالعكس، أو استياءك من السيارة التي وقفت في موقف سيارتك في مكان العمل
حتى وإن كان هذا الموقف ليس مسجل باسمك، أو وجود كرسي مخصص لأحد الوالدين أو
الأجداد في صالة المنزل بحيث حتى لو غاب أحدهم لسببٍ ما تجد هذا المقعد شاغر وكأنه
يوجد اتفاق غير منطوق على حفظ هذا المكان في وجود وغياب الشخص، تقسيم كراسي طاولة
الطعام على أفراد العائلة بشكل ثابت وأبدي ... "نظرية الألفة" تفسر كل
ما سبق.
مؤخرًا وقبل
ما يقارب العشرة أشهر، أمست هذه النظرية " آيلة للسقوط " ومهددة بالهدم؛
بعد أن انتقلت جدتي إلى جوار ربها وأُغلق منزلها وربما يكون قد بيع أيضًا .. لا أريد
الحديث بإسهاب عن المشاعر التي يكنها أي حفيد لبيت جدّه وجدّته لأن الموضوع أكبر
من أن يُحكى ويوصف ... لكن ما أريد قوله حقيقةً بأني وتطبيقًا لهذه النظرية فقد
وضعت جزء من روحي في هذا المنزل الذي أغلق ... جزء من روحي لا يزال هناك ولا مجال
لاسترداده لأني حتى لو ذهبت إلى البيت فلن أتمكن من معرفة الزاوية التي يقبع فيها
هذا الجزء .. كيف سأتمكن من ذلك وعلى مرّ السنين الماضية كنت أنا بكلتا يديّ قد نزعت
جزء من روحي وخلطتها بالجدران والسجّاد والطاولات والأبواب والنوافذ والستائر
وقوابس الكهرباء والغرف والوسادات والصحون والكؤوس والملاعق والهاتف الأرضي والمغاسل؛ فعلت ذلك ظنًا
مني بأن هذه النظرية خالدة؟!
اليوم أستطيع
القول بكل ثقة بأن " نظرية الألفة " هذه التي آمنت بها لعقدين من الزمن
... قد جُبّت ونُسفت وهُدمت عن بكرة أبيها... وأنه لا بأس بذلك فهذا قيد من القيود
التي طوقت بها معصميّ على مرّ السنين الفائتة قد كسرته بيديّ أيضًا ... وإن كان
هناك شيء من الحسرة التي لا بدّ منها ...
حفاظًا على
روحك من التشوه والنقصان .. لا تألف الأماكن .. حاول أن تألف نفسك فقط؛ حينها ستألف
كل وأي شيء آخر ...
رابط المقال المنشور في HuffPost Arabi
رابط المقال المنشور في HuffPost Arabi
تعليقات
إرسال تعليق